أدوات التحريض وسبل المواجهة (2-2)

0
27
أدوات التحريض وسبل المواجهة (2-2)
أدوات التحريض وسبل المواجهة (2-2) بقلم : عادل عبدالله نصرالدين - المحامي

أدوات التحريض وسبل المواجهة (2-2)
كتب : عادل عبدالله نصرالدين – المحامي

ماعاد خطاب الكراهية في السودان محصوراً في المنابر السياسية والدينية أو وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقل إلى فضاء رقمي واسع تتسارع فيه عمليات النشر والتعبئة والتحريض. وفي هذه الحلقة الثانية، نتناول تطور أدوات الخطاب، والنتائج التي يربطها به، والأسس القانونية الدولية التي يستند إليها في مناقشة التحريض على العنف والإبادة، إلى جانب دور منظمات المجتمع المدني في تطوير وسائل المواجهة، خصوصاً عبر إنتاج المحتوى الرقمي المضاد للكراهية.

خامساً: الأدوات.. من المنبر إلى الخوارزمية
يقسم المقال تطور أدوات نشر خطاب الكراهية في السودان إلى ثلاثة أجيال، تعكس، بحسب تحليله، الانتقال من الوسائل التقليدية إلى التعبئة الرقمية.

الجيل الأول (1956–1989): المناهج والمنابر والإعلام الرسمي

يشير المقال إلى دور المناهج التعليمية والمساجد والإعلام الرسمي في تشكيل التصورات الاجتماعية والسياسية، ويرى أن بعض الممارسات الإعلامية والثقافية أسهمت في إعادة إنتاج الصور النمطية المرتبطة بالقبائل والمناطق واللهجات.

ويطرح الكاتب السخرية من اللهجات باعتبارها مثالاً على الممارسات التي قد تبدو ترفيهية، لكنها يمكن أن تسهم في تكريس التمييز الاجتماعي إذا اقترنت بالاحتقار والإقصاء.

الجيل الثاني (1989–2019): التعبئة الأيديولوجية والإعلام التقليدي

يربط المقال هذه المرحلة بتوسع أدوات التعبئة الدينية والسياسية، ويذكر ساحات الفداء، وخطاب الجهاد، وصحيفة الانتباهة، وقانون النظام العام، والدراما الساخرة من اللهجات.

ويرى أن اجتماع المنابر الدينية والإعلامية والقانونية في سياق سياسي واحد أتاح، بحسب تحليله، إعادة إنتاج تصنيفات تستبعد بعض الجماعات أو تصف الخصوم بأوصاف تنزع عنهم الشرعية.

الجيل الثالث (2019–اليوم): الحرب والتعبئة الرقمية

يعتبر المقال أن حرب 15 أبريل 2023 فتحت مرحلة جديدة من انتشار خطاب الكراهية، مع توسع استخدام المنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة والحملات الإلكترونية.

ويشير المقال إلى ما يصفه بكتائب «الجداد الإلكتروني»، وإلى تداول مقاطع لعمليات قتل أو جز رؤوس مصحوبة بتعليقات تحريضية، بما في ذلك أوصاف مثل «شوفوا المتعاونين» و«شوفوا الفلول».

ويحذر من تحويل مشاهد القتل والعنف إلى محتوى متداول بغرض الترفيه أو التشفي أو التعبئة السياسية، لأن ذلك قد يطبع الجمهور مع العنف ويعزز الانتقام الجماعي.

وتبرز هنا، وفق المقال، مشكلة تتجاوز مجرد نشر خطاب مسيء؛ إذ يمكن للمحتوى الرقمي أن يربط الاتهامات السياسية بالانتماءات القبلية والجهوية، وأن يساهم في تعريض أفراد ومجموعات للخطر.

سادساً: نتائج خطاب الكراهية

يربط المقال بين التوظيف السالب للتنوع وبين عدد من التحولات والصراعات التي شهدها السودان، ويخلص إلى ثلاث نتائج رئيسية:

1. انفصال جنوب السودان

يضع المقال الانفصال في سياق تاريخ طويل من التوترات والاختلالات السياسية والاقتصادية والهوية ، ويرى أن إدارة التنوع بمنطق الإقصاء بدلاً من المواطنة المتساوية أسهمت في تعميق أزمة الوحدة الوطنية.

ولا يعني ذلك اختزال أسباب الانفصال في خطاب الكراهية وحده، بل إن فهم هذه النتيجة يقتضي النظر كذلك إلى الحرب الأهلية، واتفاقيات السلام، وترتيبات الحكم، والعوامل السياسية والاقتصادية الأخرى.

2. اتساع دائرة العنف في دارفور وجبال النوبة

يربط المقال بين التعبئة القائمة على الهوية وبين النزاعات المسلحة والانتهاكات التي شهدتها دارفور وجبال النوبة، ويطرح خطاب الكراهية باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تسهم في تبرير استهداف جماعات بعينها.

وتتطلب دراسة هذه الصراعات التمييز بين التحريض على العنف، والقرارات العسكرية والسياسية، والأفعال المرتكبة على الأرض، مع توثيق مسؤولية الجهات المختلفة عن الانتهاكات المنسوبة إليها.

3. حرب 15 أبريل وتفاقم الانتهاكات

يرى المقال أن الحرب الحالية كشفت عن مستويات خطيرة من خطاب التحريض والتصنيف الجماعي، في ظل اتساع دائرة الاتهامات المتبادلة، وتداول محتوى يحرض على الانتقام أو يبرر الاعتداء على المدنيين.

ويشير المقال إلى أن الانتهاكات المرتبطة بالحرب تشمل، وفق ما يطرحه، العنف الجنسي والاستعباد الجنسي والاتجار بالنساء، وهي جرائم تستوجب التحقيق والتوثيق ومساءلة المسؤولين عنها، بصرف النظر عن هوية الضحايا أو الجهات المنسوب إليها ارتكابها.

ويخلص المقال إلى أن التوظيف السالب للتنوع لا يهدد العلاقات بين المواطنين فحسب، بل قد يقوض أسس المواطنة والثقة العامة ويعمق تفكك مؤسسات الدولة.

سابعاً: التكييف القانوني.

ينتقل المقال من التحليل السياسي والاجتماعي إلى الإطار القانوني، مستنداً إلى اتفاقيات دولية ونظام روما الأساسي وسوابق قضائية، للتمييز بين التعبير المحمي قانوناً والتحريض الذي قد يستوجب المسؤولية الجنائية.

1. القانون الدولي لحقوق الإنسان

يستند المقال إلى المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تلزم الدول بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية متى شكلت تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

كما يشير إلى المادة الرابعة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي تتناول نشر الأفكار القائمة على التفوق العنصري والكراهية العنصرية والتحريض عليها.

ويستدل المقال بهذين النصين على أهمية وجود تشريعات وآليات وطنية لمواجهة التحريض العنصري، مع مراعاة الضمانات القانونية وحرية التعبير.

2. التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية

يشير المقال إلى المادة 25 (3) (هـ) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تتعلق بالتحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

أن التحريض المباشر والعلني على الإبادة يمكن أن يشكل جريمة حتى إذا لم تقع الإبادة بالفعل، متى توافرت الشروط القانونية ذات الصلة.

ويضرب المقال مثالاً بعبارات تدعو إلى قتل جماعة محددة بسبب هويتها العرقية أو الجهوية. غير أن التكييف القانوني لأي عبارة بعينها يتطلب فحص مضمونها وسياقها والنية المرتبطة بها، وتطبيق النص القانوني المختص؛ فليس كل خطاب كراهية جريمة إبادة جماعية، ولا تتطابق أركان الجرائم الدولية المختلفة.

3. السابقة القضائية في رواندا

يستشهد المقال بقضية الإعلام المرتبطة بإذاعة RTLM، المعروفة باسم قضية المدعي العام ضد فرديناند ناهيمانا وآخرين أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.

ويورد القضية بوصفها مثالاً على الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في التحريض على العنف ضد جماعة محددة، مستحضراً استخدام كلمة «الصراصير» في الإشارة إلى التوتسي.

ويخلص المقال إلى أن الكلمات والرسائل الإعلامية قد تتحول إلى أدوات خطرة عندما تستخدم لتجريد جماعة من إنسانيتها أو التحريض على استهدافها. وتبقى الأحكام القضائية وتفاصيل المسؤولية الفردية فيها هي المرجع لتحديد ما ثبت قانوناً في كل حالة.

4. خطة عمل الرباط

يشير المقال إلى خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية، التي تتضمن ستة معايير للمساعدة في تقييم ما إذا كان خطاب معين يتجاوز حدود التعبير المحمي إلى التحريض الذي يستوجب الحظر أو التجريم.

وتتمثل المعايير في:

السياق الذي صدر فيه الخطاب.

مكانة المتحدث ودوره.

القصد أو النية.

محتوى الخطاب وشكله.

مدى انتشاره ووصوله إلى الجمهور.

احتمالية وقوع الضرر، بما في ذلك العنف.

ويشدد المقال على أهمية تطبيق هذه المعايير على المحتوى المتداول في السودان، بدلاً من الاكتفاء بتوصيفات عامة لا تستند إلى فحص قانوني لكل واقعة.

ثامناً: دور منظمات المجتمع المدني..

يثمن الكاتب الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع المدني في التوعية ومناهضة خطاب الكراهية عبر الورش والندوات والأنشطة التدريبية، لكنه يرى أن طبيعة التحدي الرقمي تستدعي تطوير وسائل العمل وأدوات الوصول إلى الجمهور.

ويطرح فكرة أساسية مفادها أن مواجهة المحتوى الرقمي واسع الانتشار لا يمكن أن تعتمد على الورش التقليدية وحدها، خصوصاً عندما يكون الجمهور المستهدف بعيداً عن مراكز التدريب أو يعيش في مناطق النزاع والنزوح.

ومن هنا، يقترح المقال الانتقال من التوعية العامة إلى تدريب متخصص على إنتاج المحتوى المضاد للكراهية، عبر برامج تدريب المدربين (TOT)، بحيث يتحول المشاركون إلى منتجين للمحتوى الرقمي وقادرين على إيصال رسائل بديلة إلى مجتمعاتهم.

ويشمل هذا التوجه، وفق المقال، تطوير مهارات إنتاج البودكاست ومقاطع الفيديو القصيرة «ريلز»، وإعداد مواد تستند إلى الوقائع والشهادات والمعلومات الموثوقة، وتدعم التعايش والمواطنة المتساوية، وتفكك الصور النمطية التي تستخدم لتبرير التمييز أو التحريض.

ويشير المقال إلى أن المواطن في دارفور أو في معسكرات النزوح قد لا يتمكن من حضور ورشة في الخرطوم، بينما يستطيع الوصول إلى محتوى مناسب عبر الهاتف. ولذلك يدعو إلى تحويل جزء من الموارد المخصصة للأنشطة التقليدية إلى تجهيزات واستديوهات صغيرة لإنتاج المحتوى في الولايات.

وتقتضي هذه المقاربة، عملياً، ألا يقتصر التدريب على مهارات التصوير والمونتاج والنشر، بل يشمل أيضاً التحقق من المعلومات، وحماية مصادر المعلومات والضحايا، وعدم إعادة نشر مشاهد العنف دون ضرورة، وفهم مخاطر التحريض الرقمي، وتطوير رسائل مضادة لا تعيد إنتاج خطاب الكراهية نفسه.

وبذلك تصبح التكنولوجيا، وسيلة لتوسيع التوعية وبناء خطاب بديل يقوم على احترام التنوع، لا مجرد قناة إضافية لنشر الرسائل.

خاتمة شاملة للحلقتين
يطرح المقال، عبر الحلقتين، قراءة تربط بين تاريخ إدارة التنوع في السودان وبين استخدام الهوية أداةً للإقصاء والتعبئة والصراع، وصولاً إلى المخاطر التي يفرضها التحريض الرقمي في ظل الحرب. وتؤكد هذه القراءة أهمية الجمع بين التوثيق والمساءلة القانونية والتثقيف المجتمعي وإنتاج المحتوى المضاد للكراهية.

ويختتم الكاتب بدعوة إلى تجاوز الاكتفاء بالدعوات الأخلاقية للمصالحة، والعمل على بناء ضمانات قانونية ومؤسسية تحمي المواطنين من التمييز والتحريض، وتدعم المساواة والمواطنة المتساوية. كما يدعو إلى إنشاء آليات مستقلة للتحقيق في جرائم التحريض الرقمي، وتطوير قدرات منظمات المجتمع المدني في إنتاج المحتوى، وتوسيع الوصول إليه في مختلف الولايات.

وتظل مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية تتطلب حماية حرية التعبير، ومحاسبة المسؤولين عن التحريض والجرائم وفق القانون، وضمان ألا يتحول الانتماء القبلي أو الديني أو الجهوي أو السياسي إلى أساس لاستباحة الحقوق أو تبرير العنف.

المراجع والمصادر
فيما يلي المراجع كما وردت في التقرير الأصلي، مع الحفاظ على ترتيبها ومضمونها، بما في ذلك الترقيم والصياغات الواردة فيه.

أولا: المراجع القانونية الدولية (الأساس التجريمي).
1 / الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) – المادة 20 (1) و (2): “تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.” – السودان مصادق عليه منذ 1986.

2. الأمم المتحدة، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965) – المادة (4) تلزم الدول بتجريم نشر الأفكار القائمة على التفوق العنصري. السودان مصادق عليها.

3. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) – المادة 25 (3) (هـ): تجرم التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، حتى لو لم تقع الإبادة.

4. خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية (2012) – وثيقة المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي وضعت الاختبار السداسي الستة: السياق، المتحدث، النية، المحتوى، مدى الانتشار، الاحتمالية.

استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة لمكافحة خطاب الكراهية (2019) – تعريف الأمم المتحدة المعتمد الذي استخدمناه في الورقة.

ثانيا: السوابق القضائية الدولية.
6. المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، قضية المدعي العام ضد فرديناند ناهيمانا وآخرين (قضية الإعلام RTLM) ICTR-99-52-T (2003) : الحكم التاريخي الذي أدان صحفيين بالمؤبد لاستخدامهم كلمة “الصراصير – Inyenzi” ضد التوتسي. القاعدة: الميكروفون سلاح والكلمة رصاصة.

7. محكمة العدل الدولية، قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة – البوسنة ضد صربيا (2007) : اعتبرت التحريض الإعلامي دليلا على نية الإبادة.

ثالثا: المراجع الوطنية السودانية (أدلة التقنين).
8. قانون المناطق المقفولة 1922 – صادر عن الحاكم العام البريطاني.

9. قانون قوات الدفاع الشعبي لسنة 1989 – المادة (5) التي أعطت الحق بتسليح المواطنين خارج القوات المسلحة.

قانون النظام العام لولاية الخرطوم 1996 – المادة المتعلقة بالزي الفاضح والحفلات.

قانون الأمن الوطني 1999 و 2010 – المادة 50 و 51 (تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة) التي استخدمت ضد المعارضين.

قانون الخدمة المدنية وتعديلات الصالح العام 1989-1995 – التقارير الرسمية لديوان الخدمة التي وثقت فصل أكثر من 70 ألف موظف حسب تقرير نقابة المحامين 1991.

رابعا: التقارير الدولية والحقوقية
Human Rights Watch,Darfur in Flames: Atrocities in Western Sudan (2
وثق تسليح قوات الدعم السريع واستخدام خطاب “الزرقة”.

International Commission of Inquiry on Darfur to UN Security Council (2005) – تقرير لجنة التحقيق الدولية في دارفور الذي أثبت سياسة الدولة في تسليح قبائل ضد أخرى.

UN Human Rights Council, Report of the UN Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan (2024-2025 -وثق فيديوهات جز الرؤوس والتحريض العرقي في حرب 15 أبريل كجرائم حرب.

UNESCO, Countering Online Hate Speech (2015) – حول دور الخوارزميات والكتائب الإلكترونية.

خامسا: المراجع الفكرية.
عبدالله علي إبراهيم، تاريخ العنصرية في السودان .

فرانسيس دينق، الدين والهوية في السودان – صراع الهويات.

منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل.