الثلاثاء, يناير 13, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةأرض بلا حصاد.. وبلاد يحاصرها الجوع (2-2)

أرض بلا حصاد.. وبلاد يحاصرها الجوع (2-2)

تقرير:حسين سعد
لم تكن الحرب التي إجتاحت السودان مجرّد مواجهة عسكرية على الأرض، بل كانت زلزالًا عميقًا هزّ جذور الحياة اليومية للسودانيين، وفي مقدمتها الزراعة التي ظلّت عبر القرون صمام الأمان وعماد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ففي بلدٍ شكّلت فيه الأرض والمطر والنيل ذاكرة مشتركة، جاءت الحرب لتكسر العلاقة الحميمة بين الإنسان وأرضه، وتحوّل الحقول الخضراء إلى مساحات صامتة، والقرى المنتجة إلى نقاط نزوح وقلق وإنتظار، على إمتداد الريف السوداني، تعطّلت المواسم الزراعية، وغاب الفلاح عن أرضه قسرًا لا اختيارًا، بعدما حاصرته المخاوف وانقطعت طرق الإمداد وإنهارت سلاسل الإنتاج. البذور لم تُزرع في وقتها، والسماد لم يصل، والوقود صار عملة نادرة، والآلات إمّا تعطّلت أو نُهبت أو أُحرقت. ومع كل موسم ضائع، تتسع دائرة الجوع، ويتحوّل الاكتفاء الذاتي الذي طالما ميّز المجتمعات الزراعية إلى اعتماد مؤلم على المساعدات الإنسانية، وسط هذه المأساة يقف مشروع الجزيرة والمناقل، ليس بوصفه أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا فحسب، بل كرمز تاريخي للعدالة الاجتماعية والعمل الجماعي وحلم الدولة الوطنية المنتجة. هذا المشروع الذي أطعم السودان لعقود، ووفّر سبل العيش لملايين الأسر، وجد نفسه فجأة في مرمى الحرب، بلا حماية ولا رؤية إنقاذ. قنوات الري التي كانت شرايين حياة جفّت أو تعطّلت، المحالج والمخازن أُغلقت أو تضررت، والمزارعون الذين كانوا عماد المشروع صاروا نازحين أو محاصرين بالفقر والخوف، الحرب لم تضرب الأرض وحدها، بل ضربت الإنسان الزراعي نفسه: المزارع الذي فقد مصدر رزقه، المرأة الريفية التي كانت تسند الاقتصاد المنزلي، والعمال الزراعيون الذين انقطعت بهم السبل. في الجزيرة والمناقل، لم يعد السؤال عن إنتاج القطن أو القمح أو الذرة، بل عن كيفية البقاء، وكيف يمكن لعائلة زراعية أن تصمد دون دخل، ودون دولة، ودون أفق واضح لنهاية هذا الخراب، هكذا تحوّلت الزراعة من مساحة أمل إلى جبهة صامتة من جبهات الحرب، يدفع ثمنها الفقراء والبسطاء، وتُهدّد عبرها منظومة الأمن الغذائي الوطني بأكملها، في بلدٍ كان يُفترض أن يكون سلة غذاء لا ساحة مجاعة.
المزارعون ضحايا الحرب لا أطراف فيها:
أعلنت حركة الفلاحين العالمية – المنطقة العربية، المعروفة بـ«لا ڤيا كامبسينا»، تضامنها الكامل مع المزارعين والمزارعات في السودان، مؤكدة أن ما يتعرضون له منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة الخاصة بحماية حقوق الفلاحين والعاملين في المناطق الريفية، وجاء هذا الموقف خلال مشاركة ممثلي حركة الفلاحين العالمية في مؤتمر الإغاثة، الذي نظمته (18) جسمًا نقابيًا ومهنيًا وسياسيًا خلال الفترة من 19 إلى 21 ديسمبر 2025، حيث ناقش المؤتمر أوراقًا متعددة حول الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، كان من أبرزها ورقة «الزراعة والسيادة الغذائية» التي قدّمها مقرر تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، الأستاذ عبد الرؤوف عمر، وأكدت الحركة أن المزارعين السودانيين يواجهون خطر الطرد من أراضيهم، وتلوّث الحقول بمخلفات الحرب، ونهب الأصول الزراعية، وتدمير البنى التحتية، وحرمانهم من المدخلات الزراعية، إضافة إلى النزوح القسري، وهي ممارسات تهدد الأمن الغذائي في السودان بشكل مباشر. وشددت على أن المزارعين ليسوا طرفًا في النزاع، بل هم من أكثر الفئات تضررًا من آثاره، خاصة في المشاريع القومية الكبرى مثل مشروع الجزيرة والمناقل، إلى جانب مناطق الإنتاج التقليدي والمطري في مختلف أقاليم البلاد، ودعت حركة الفلاحين العالمية طرفي الحرب إلى تحييد الزراعة وحماية الأراضي والمشاريع الزراعية، وصون مصادر المياه والبذور، وضمان وصول المزارعين إلى حقولهم بأمان، باعتبار الزراعة حقًا إنسانيًا وليس مجرد نشاط اقتصادي.
الأرض في مواجهة الشركات والحروب
وفي تعليقها على ورقة الزراعة، قالت ممثلة حركة الفلاحين العالمية مورغن أودي إن هناك «استراتيجية عالمية للسيطرة على الأراضي والموارد الزراعية عبر إشعال الحروب، بما يؤدي إلى طرد المزارعين من أراضيهم»، مؤكدة أن هذا النمط لا يقتصر على السودان بل يتكرر في مناطق عديدة حول العالم. وأضافت أن نضال الحركة يهدف إلى تمكين المزارعين والمزارعات من البقاء على أرضهم وضمان حقهم في الغذاء وكسب العيش، وشددت أودي على أهمية التمسك بإعلان الأمم المتحدة المتعلق بحقوق الفلاحين وغيرهم من العاملين في المناطق الريفية الذي إعتمدته الجمعية العامة في ديسمبر 2018، وأعتبرته وثيقة تاريخية تعترف بحقوق الفلاحين في الأرض والموارد الطبيعية والسيادة الغذائية، وتضمن حمايتهم من التمييز والتهجير، وتؤكد دورهم المحوري في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، وتشدد قوانين ومواثيق الأمم المتحدة على ضرورة حماية المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي في السودان، خاصة في ظل الحرب المستمرة وما تسببت فيه من نزوح قسري، وتدمير سبل العيش، وانتهاكات واسعة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل إنسان في العمل، وسبل كسب العيش، والغذاء الكافي، وهي حقوق أساسية تنطبق مباشرة على المزارعين الذين فقدوا أراضيهم ومدخلات الإنتاج بسبب النزاع. كما يلزم العهد الدول الأطراف باتخاذ تدابير تحمي مصادر الغذاء والإنتاج الزراعي من التدمير أو النهب،.
كما تشدد مواثيق القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، على حماية الأعيان المدنية، بما فيها الأراضي الزراعية، ومرافق الري، والمخازن الغذائية، وتحظر استهداف أو تدمير الموارد الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما يشمل المحاصيل الزراعية ووسائل إنتاج الغذاء.


دعوات أممية للمساءلة والحماية
من جانبه، طالب عضو حركة الفلاحين العالمية زينات فؤاد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بممارسة ضغوط حقيقية لحماية حقوق المزارعين المتضررين من الحرب في السودان. كما أدان ديفيد أوتينيو، عضو الحركة، الانتهاكات الواسعة التي طالت المزارعين والمزارعات، فيما أكد حاتم لاتينو وقوف الشعب التونسي مع الشعب السوداني ومزارعيه، واصفًا ما يحدث بأنه (معركة ضد اغتصاب الأرض)، ومؤكدًا أن الشعب السوداني (باقٍ ومتحد) وأكدت حركة الفلاحين العالمية دعمها لهذه المبادرة، معتبرة إياها نموذجًا لصمود المجتمعات الريفية في وجه الحرب، ودليلًا على أن حماية الزراعة تمثل مدخلًا أساسيًا لبناء السلام وإعادة الإعمار
نداء عالمي مفتوح
واختتمت حملة الفلاحين العالمية تضامنها بنداء مفتوح إلى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، والاتحاد الإفريقي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، للتحرك العاجل من أجل حماية المزارعين السودانيين، ومحاسبة من ينتهك حقوقهم، وتفعيل مواثيق الأمم المتحدة، وعلى رأسها إعلان حقوق الفلاحين، وأكدت الحملة أن الدفاع عن مزارعي السودان هو دفاع عن الحق في الحياة والغذاء والكرامة الإنسانية، وأن صوت الفلاحين السودانيين لن يُترك وحيدًا، في معركة تعتبر الزراعة فيها خط المواجهة الأول ضد الحرب والجوع والانهيار ، وسلّطت مداخلات المؤتمر الضوء على التدمير الواسع الذي طال مشروع الجزيرة والمناقل، أكبر المشاريع الزراعية المروية في إفريقيا، والذي خرجت مساحات واسعة منه من دائرة الإنتاج لأول مرة في تاريخه بسبب الحرب، بعد نهب الآليات الزراعية وتخريب قنوات الري ومخازن التقاوي. وقد انعكس ذلك على تراجع الإنتاج الزراعي على مستوى البلاد، وارتفاع مخاطر الجوع وانعدام الأمن الغذائي لملايين السودانيين؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات