الخميس, فبراير 12, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةأرض بلا حماية… مشروع بلا مستقبل (الأخيرة)

أرض بلا حماية… مشروع بلا مستقبل (الأخيرة)

كتب: حسين سعد
الأرض في مشروع الجزيرة ليست مجرد وسيلة إنتاج، بل هي الذاكرة، والضمان الاجتماعي، بمحازاة الترع والكنارات بالمشروع ، ووسط الحواشات، تشكّلت علاقة فريدة بين الإنسان والأرض، علاقة لم تُنظَّم يومًا بوصفها صفقة تجارية عابرة، بل كعقد اجتماعي غير مكتوب، ظل يحكم المشروع منذ نشأته، حيث كان قانون علاقات الإنتاج لسنة 1984م ، أحد روافع تلك العلاقة ، التي صمدت أمام تقلبات السياسة والاقتصاد، لكنها تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فمقترح قانون مشروع الجزيرة 2021، بحسب ما يراه قانونيون ومزارعون، مرّ مرورًا عابرًا على قضية الأرض، دون أن يوفّر لها الحماية الصريحة التي تستحقها، في زمن باتت فيه الأرض هدفًا مباشرًا للاستيلاء باسم الاستثمار والتنمية، هذا التقرير يفتح واحدة من أخطر ثغرات المقترح: غياب نصوص واضحة تحمي ملكية الأرض والحواشات، في سياق عالمي وإقليمي يتسع فيه خطر (الاستيلاء على الأرض)
لفهم خطورة هذا الغياب، لا بد من التذكير بحقيقة أساسية، وهي إن ملكية الأرض في مشروع الجزيرة مختلطة—بين ملك حكومي وملك حر خاص، هذه الخصوصية ليست تفصيلًا قانونيًا، بل حجر الأساس الذي بُنيت عليه علاقات الإنتاج، وتوازنات القوة، وحتى السلم الاجتماعي داخل المشروع، أي قانون لا ينطلق من هذه الحقيقة، ولا يعالجها بوضوح، إنما يفتح الباب لإعادة إنتاج صراعات قديمة بثوب جديد. فالأرض هنا ليست فائضًا يمكن إعادة توزيعه بقرارات إدارية، بل حقوق تاريخية متراكمة، تمسّ حياة مئات الآلاف.
من أكثر الملاحظات إثارة للقلق في مقترح قانون 2021، أنه لم يستجب للتطورات العالمية في مجال حماية الأرض، فخلال العقدين الأخيرين، شهد العالم توسعًا مقلقًا لظاهرة باتت تُعرف بـ (الاستيلاء على الأرض) حيث تستحوذ دول أو شركات عابرة للحدود على مساحات شاسعة من أراضي الدول الفقيرة، بعقود استثمار تمتد أحيانًا إلى 99 عامًا.
هذا النوع من (الاستثمار) لا يقوم، في الغالب، على مبدأ المنافع المتبادلة، بل على اختلال فادح في ميزان القوة، تكون فيه المجتمعات المحلية الخاسر الأكبر، يرى مختصون أن تضمين نص صريح في القانون، يؤكد أن ملكية الأرض في الجزيرة محمية أيضًا بالقوانين والمواثيق الدولية، كان سيشكّل حاجزًا وقائيًا مهمًا، ليس فقط لأنه يمنح المزارعين أداة قانونية إضافية، بل لأنه يرسل رسالة ردع لأي سلطة حالية أو قادمة تفكر في العبث بالأرض، غياب هذا النص لا يعني بالضرورة فتح الباب للاستيلاء، لكنه بالتأكيد لا يغلقه، المشكلة لا تكمن فقط في ما أغفله القانون، بل في الصياغات العامة والمرنة التي استخدمها في التعامل مع الأرض، فعندما لا تحدد بوضوح مسؤولية الدولة ومسؤولية مجلس الادارة حدود التصرف في الارض، فإن المجال يُترك واسعًا للتأويل، والتأويل في مثل هذه القضايا غالبًا ما يكون على حساب الطرف الأضعف: وهو المزارع.
حماية الأرض ليست قضية قانونية مجردة، بل مدخل أساسي للعدالة الاجتماعية، عندما يفقد المزارع شعوره بالأمان تجاه أرضه، يفقد الدافع للإنتاج، وتنهار الثقة بينه وبين الدولة، ويتحول المشروع من رافعة اقتصادية إلى بؤرة توتر، أي حديث عن رفع الإنتاجية، أو دعم الاقتصاد الوطني، يصبح بلا معنى، إذا لم يُحسم سؤال الأرض أولًا.
وفي كتابه أشار صديق عبد الهادي إلى أن اللجنة تعاملت بعجلة وبتحفظ غير مبرر، تجلّى في ضعف إشراك أصحاب المصلحة، إذ لم تعقد سوى لقاءات محدودة حضرها عدد ضئيل من المزارعين مقارنة بعددهم الكلي، إضافة إلى اجتماع طارئ مع مجلس الإدارة وُزعت فيه المسودة ثم جُمعت في نهايته، وهو سلوك اعتبره طعناً في جوهر ديمقراطية القانون، ورغم ذلك، يقرّ الكاتب بأن اللجنة بذلت جهداً مهنياً ملحوظاً، وأن المسودة احتوت على نصوص رصينة تعكس إلماماً بالإرث القانوني للمشروع، غير أن هذه الإيجابيات تآكلت – بحسب رأيه – بسبب غياب الشفافية والمشاركة الواسعة، ويؤكد أن قانون مشروع الجزيرة قانون استثنائي، لأن المشروع نفسه استثنائي من حيث تركيبته، خاصة تعقيد ملكية الأرض (حكومي/حر)، وتأثير ذلك على علاقات الإنتاج ومستقبل المشروع. ويرى أن أي قانون ناجح يجب أن يحقق مهام مركزية، أهمها: حماية وحدة أراضي المشروع وصون حقوق الملكية بالتراضي،وحماية المشروع من تكرار تجارب التدمير السابقة، والتركيز على الإنتاج والإنتاجية، وترسيخ قومية المشروع بما يضمن إنصاف المنتجين وحمايتهم، وينتقد النص غياب معالجة جادة لقضية حماية الأرض في ظل تصاعد ظاهرة (الاستيلاء على الأراضي) عالمياً، داعياً إلى تضمين نص صريح يربط حماية أراضي الجزيرة بالقوانين الدولية، كما يتناول المقال ضعف تمثيل المرأة في مؤسسات المشروع، رغم كونها تشكل نسبة معتبرة من المزارعين، ويرى أن الثورة فرضت واقعاً جديداً يقتضي إدماج النساء والشباب صراحة في نصوص القانون، بما يتسق مع الوثيقة الدستورية والتحولات الاجتماعية العميقة، ويشير كذلك إلى إغفال بند المسؤولية المجتمعية (الخدمات الاجتماعية)، الذي شكّل تاريخياً أحد أعمدة مشروع الجزيرة، منتقداً الاكتفاء بصياغات عامة حول تنمية المشروع، ومطالباً بإعادة النص الصريح على هذا البند وربطه أيضاً بمعالجة البطالة واستيعاب الشباب، ومن بين الملاحظات الإضافية: ضعف تحديد مسؤوليات مجلس الإدارة في حماية المشروع وأراضيه، غموض معالجة قضية الري والعلاقة مع وزارة الري، وغياب نصوص واضحة حول الإيجارات، وبناء القدرات، والضمان الاجتماعي للمزارعين، ويخلص الكاتب إلى أن مقترح قانون 2021 يحتاج إلى مراجعة شاملة ومشاركة أوسع، وأن تسليمه المتعجل لوزير الزراعة لا ينسجم مع حساسية المرحلة ولا مع حجم المشروع. ويدعو إلى فتح نقاش علني واسع، خاصة مع أهل المصلحة، باعتباره السبيل الوحيد لإنتاج قانون ديمقراطي وعادل
الخاتمة من المحرر:
في مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021، بدت الأرض—وهي جوهر المشروع—كأنها مسألة هامشية، في وقت تُخاض فيه حولها معارك صامتة في كل أنحاء العالم، إن تجاهل التطورات الدولية، والتجربة المحلية القريبة، يجعل من هذا الغياب ثغرة خطيرة، لا تقل شأنًا عن أي خلل إداري أو مالي، فبدون نصوص واضحة تحمي ملكية الأرض، وتربطها بإرادة المزارعين وحقوقهم، يظل مشروع الجزيرة مكشوفًا أمام رياح المصالح والاستثمارات غير العادلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات