إثيوبيا ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة:توسع رقعة القتال بين تيغراي وعفر وأمهرة

0
10
إثيوبيا ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة:توسع رقعة القتال بين تيغراي وعفر وأمهرة
إثيوبيا ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة:توسع رقعة القتال بين تيغراي وعفر وأمهرة

وحدة الشؤون الأفريقية – مركز تقدم للسياسات، لندن

تقديم

يشهد الشمال الإثيوبي منذ 23 سبتمبر 2026 تصعيداً عسكرياً هو الأخطر منذ اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. فبعد ثلاثة أيام من إعلان تحالف مسلح من سبع جماعات يهدف صراحة إلى إسقاط حكومة آبي أحمد، شنّت جبهة تحرير شعب تيغراي هجوماً واسعاً على مواقع حكومية في عفار وأمهرة، وسيطرت على مطارات ميغيلي وأكسوم وشيري. وتزامن هذا التوسع الميداني مع تبادل اتهامات حادة بين أديس أبابا من جهة، وأسمرا والخرطوم من جهة أخرى، بما يضع الصراع على عتبة مواجهة إقليمية مفتوحة.

 المعطيات الميدانية

       على المحور الجنوبي لتيغراي، أعلنت “قوة سلام تيغراي”، وهي فصيل تيغراوي منشق يقاتل إلى جانب الحكومة، أن الجيش الإثيوبي وحلفاءه سيطروا على بلدة ألاماطا، وهي عقدة إمداد رئيسية على الطريق المؤدي إلى ميغلي، عاصمة الإقليم. وتشير مصادر ميدانية إلى أن آلاف الجنود يتجهون نحو عاصمة الاقليم، دون تأكيد مستقل حتى الآن. وفي المثلث الحدودي بين عفار وأمهرة وتيغراي، سيطر الجيش الإثيوبي والقوات العفرية على المنطقة.

       في إقليم أمهرة، استعاد الجيش بلدة سقوطا، عاصمة منطقة واغ هيمرا، بعد أن دخلتها قوات تيغراي وحلفاؤها. وتبادلت الأطراف السيطرة على البلدة أكثر من مرة خلال الأيام الماضية. أما في إقليم عفار، فتتواصل قوات تيغراي وحلفاؤها في التقدم شرقاً. فقد سيطرت على بلدة إربتي، وهي بلدة استراتيجية تقع على طريق يربط إثيوبيا بجيبوتي، وتتقدم نحو أفدرا على بعد نحو 100 كلم، فيما يبدو محاولة لقطع خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، الممر الرئيسي لمعظم واردات إثيوبيا، ومنها الوقود.

       صرّح حاكم إقليم عفار، أول عربا، بأن الجيش الإريتري شنّ هجوماً واسعاً على الإقليم وسيطر على نحو ثلث مساحته، بما في ذلك أربع مدن، وأنه يحاصر أكثر من 80 ألف شخص. وأعلن التعبئة العامة في الإقليم، واتهم إريتريا بالتورط المباشر في الحرب بجنرالاتها وأسلحتها الثقيلة، معتبراً أن الحرب تهدف إلى إبعاد إثيوبيا عن البحر الأحمر وتغيير الحدود بالقوة وقطع الطريق الذي يربطها بمواني جيبوتي.

       وثّقت الأمم المتحدة أثراً مدنياً متصاعداً للقتال. فقد أفاد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بأن غارات جوية للجيش الإثيوبي، بعضها بطائرات مسيّرة، أصابت خمس مدارس في تيغراي في 22 سبتمبر، وقعت فيها وفيات وإصابات. وفي 23 سبتمبر، أدى قصف مدفعي على بلدة كوبو في أمهرة، نُسب إلى الجيش الإثيوبي سقوط قتلى مدنيين. كما قطعت الاتصالات والإنترنت في ميغيلي وأجزاء من أمهرة، وأُغلقت طرق في عفار، وتأثرت الرحلات الجوية بعد تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشيري. وتشير تقديرات منظمات الإغاثة إلى نزوح نحو 150 ألف شخص في عفار وحدها.

 الاتهامات الإقليمية

قال رئيس الأركان الإثيوبي، المشير برهانو غولا، إن “لا إريتريا ولا جبهة تيغراي قادرتان على تحقيق أي شيء بمفردهما، حتى لو تحالفتا، ما لم تتلقيا دعماً وإسناداً وإمدادات من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى”، واتهم إريتريا بلعب دور الوسيط بين هذه القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، دون تقديم أدلة.

وردّت القوات المسلحة السودانية في 27 سبتمبر برفض قاطع لهذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، مؤكدة التزام السودان بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وبالمقابل، اتهم البيان السوداني إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في دعم قوات الدعم السريع وإسنادها، بما يشمل التدريب والإمداد وتشغيل طائرات مسيّرة استراتيجية وانتحارية، وحذّر من أي مساس بسيادة السودان أو أمنه الوطني.

ولم تصدر القاهرة ولا أسمرة رداً رسمياً مباشراً على تصريحات رئيس الأركان الإثيوبي حتى الآن. واكتفى مصدر مصري بنفي أي صلة للقاهرة بالتطورات في تيغراي. وقد سبق أن اتهمت إريتريا إثيوبيا بمحاولة تحويل الأنظار عن مشكلاتها الداخلية، معتبرة أن سعي أديس أبابا للوصول إلى ميناء عصب الإريتري هو ما يزعزع استقرار المنطقة، وأن استضافة إثيوبيا لتدريبات ميليشيات دعم السودان وضعتها في خلاف مع جيرانها.

 التحليل

استراتيجية مزدوجة الأهداف

يبدو أن تحالف تيغراي يعمل وفق استراتيجية ذات شقين. ففي تيغراي، يسعى إلى تثبيت سيطرته على الإقليم وانتزاع ما تبقى من مظاهر الحضور السيادي الفيدرالي، كما فعل بالسيطرة على المطارات. وفي عفار، يستهدف قطع شريان جيبوتي الاقتصادي، وهو الممر الذي تمر عبره معظم واردات إثيوبيا ومنها الوقود، ما يمنحه ورقة ضغط اقتصادية مباشرة على أديس أبابا. وإذا نجح في الوصول إلى أفدرا أو ما بعدها، فقد يصبح قادراً على تعطيل التجارة الإثيوبية بشكل مؤثر، دون أن يعني ذلك بالضرورة قطع الطريق بشكل كامل.

       حرب الاستنزاف وتوزيع الجبهات

وتكمن أهمية التحالف الجديد في قدرته المحتملة على إجبار الجيش الفيدرالي على توزيع قواته وموارده على جبهات متباعدة. فالجيش الإثيوبي، بحسب تقييمات مركز دراسات “أكليد”، كان ممتداً قبل التجدد الأخير للقتال مع جبهة تيغراي، بسبب انشغاله بمواجهة تمرد “فانو” في أمهرة وجيش تحرير أورومو في أوروميا. وإذا تمكنت بقية مكونات التحالف من فتح جبهات متزامنة في أوروميا وأقاليم أخرى، فإن الصراع سيتحول من مواجهة مركزة في الشمال إلى حرب متعددة الجبهات على مستوى البلاد.

       خطر التدويل

لكن الأخطر في المشهد الحالي هو التحول المحتمل من صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية. فالاتهامات الإثيوبية بتدخل إريتري مباشر، إذا ثبتت، تضع الصراع في إطار عدوان خارجي، وهو ما يمنح أديس أبابا مسوغاً للتحرك العسكري خارج حدودها. وقد سبق أن أعلنت إريتريا رفضها القاطع لسعي إثيوبيا إلى منفذ بحري سيادي، واعتبرت أن هذا السعي هو ما يزعزع استقرار المنطقة. وأي انخراط إريتري مباشر في القتال سيغيّر طبيعة الأزمة جذرياً، من مواجهة داخلية بين الحكومة وقوى مسلحة إلى صراع ذي بعد بين دول.

ترابط الحربين الإثيوبية والسودانية

بلغ تبادل الاتهامات بين أديس أبابا والخرطوم مستوى رسمياً من الجانبين، بعد أن اتهم السودان إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع، واتهمت إثيوبيا السودان بدعم جبهة تيغراي. وهذا الترابط يعني أن الحربين الإثيوبية والسودانية باتتا مترابطتين عبر محورين إقليميين متقابلين، ومن المرجح أن يزيد هذا الترابط من تعقيد أي تسوية في البلدين، وأن يفتح الباب أمام تصعيد على الحدود المشتركة، لا سيما في مناطق التماس بين إقليم النيل الأزرق السوداني وإقليم بني شنقول–قمز الإثيوبي.

 المسارات المرجحة

السيناريو الأول: استمرار القتال على جبهتين. الأرجح في المدى القريب أن تستمر العمليات العسكرية عبر جبهتين: ضغط الجيش الفيدرالي شمالاً على المحور الجنوبي نحو مقلي، بينما يضغط تحالف تيغراي شرقاً في عفار نحو ممر جيبوتي. وفي هذا السيناريو، تحقق الحكومة الفيدرالية مكاسب على المحور الجنوبي وتراهن على تآكل الجبهة الداخلية لخصومها، بينما يراهن تحالف تيغراي على الضغط على شريان جيبوتي الاقتصادي.

السيناريو الثاني: توسع الصراع إلى حرب متعددة الجبهات. يتحقق هذا السيناريو إذا نجحت بقية مكونات التحالف في فتح جبهات متزامنة في أوروميا وأقاليم أخرى، بما يحوّل الصراع من مواجهة مركزة في الشمال إلى حرب على مستوى البلاد. ويبقى هذا السيناريو مرهوناً بقدرة التحالف على تجاوز خلافاته الداخلية وبناء تنسيق عسكري فعلي.

السيناريو الثالث: مواجهة إثيوبية–إريترية مفتوحة. إذا ثبت انخراط إريتري مباشر في القتال، أو إذا قررت أديس أبابا الرد على ما تعتبره عدواناً على أراضيها، فإن احتمالات المواجهة المفتوحة بين البلدين ترتفع، خاصة مع تمسك أديس أبابا بخطاب الوصول إلى البحر الأحمر. وهذا السيناريو سيكون الأعلى كلفة على الاستقرار الإقليمي.

خلاصة

       ما يجري في الشمال الإثيوبي ليس مجرد جولة جديدة من القتال، بل إعلان عملي عن انتهاء اتفاق بريتوريا. ويمثل التصعيد تحولاً نوعياً في الصراع، إذ تجاوز حدود التنافس على السلطة داخل تيغراي إلى مواجهة أوسع تستهدف موازين الحكم الفيدرالي، مع محاولة قطع شريان جيبوتي الاقتصادي.

       يستمد التحالف المناهض لآبي أحمد أهميته من قدرته على تشتيت القوات الحكومية عبر جبهات متعددة، لكنه يظل هشاً بسبب تناقضات داخلية مؤجلة. وتسعى الحكومة الفيدرالية إلى تثبيت رواية تبرر أي تصعيد لاحق، مع التعويل على تفوقها الجوي والعسكري لاستعادة المواقع التي فقدتها.

       يبقى العاملان الإريتري والسوداني من أخطر المتغيرات، إذ قد ينقلان الصراع من مواجهة داخلية متجددة إلى أزمة إقليمية مفتوحة. وقد دعت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو، الذي قاد الوساطة التي أنتجت اتفاق بريتوريا، للتدخل مجدداً لإنقاذ الاتفاق. لكن غياب آلية وساطة فاعلة حتى الآن، مع إعلان التحالف المعارض هدفه صراحة بإسقاط الحكومة، يجعلان فرص وقف إطلاق نار قريب محدودة، ويتوقع أن تتحرك الوساطة بعد أن تتضح موازين القوى الميدانية.