كتب:حسين سعد
توصلت ورقة دكتور حامد الأمين أحمد ( تحديد الاحتياجات وصيغ التمويل) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير ) توصلت الي حزمة من الخلاصات والتوصيات ، وشددت الورقة أن إعادة تأهيل مشروع الجزيرة لا تمثل مجرد استثمار زراعي، بل هي فرصة تاريخية لإعادة التوازن التنموي في السودان، وتحقيق اختراق اقتصادي واجتماعي حقيقي في قلب الريف السوداني، بما يعزز فرص السلام والاستقرار والنمو المتوازن. وقدرت الورقة حجم التمويل المطلوب بصورة واقعية، وتصنيف مجالات الإنفاق، واقتراح صيغ عملية مبتكرة ومتعددة المصادر، ترتكز على مشاركة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
أو لا: خلاصة ما توصلت إليه الورقة
أولا: تتراوح التكلفة الكلية لإعادة تأهيل وتشغيل مشروع الجزيرة بين 3.85 و6.85 مليار دولار، دون احتساب التشغيل السنوي المتكرر، ويشمل ذلك مكونات الري، البنية التحتية، الخدمات، البيئة، والحوكمة.
ثانياً : التمويل المطلوب يتوزع بين تمويل رأسمالي طويل الأجل، تمويل للمعدات، وتمويل تشغيلي سنوي، مما يتطلب أدوات مالية متنوعة وغير تقليدية.
ثالثاً: صيغ التمويل المقترحة شملت: صندوق وطني مستقل، محافظ استثمارية زراعية، شركات مساهمة عامة، صيغ تمويل إسلامية، الشراكات الثلاثية، الزراعة التعاقدية، والتمويل المرتبط بالأداء.
رابعاً: نجاح التمويل مرتبط بإصلاح بيئة المشروع المؤسسية، وتطبيق الحوكمة والشفافية، وضمان المشاركة المجتمعية ،وربط التمويل بالنتائج، وتوجيهه للقطاعات المنتجة.
ثانيًا: التوصيات
- إطلاق مبادرة وطنية شاملة لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة، تحت إشراف قيادة عليا، وبشراكة مع المنظمات الإقليمية والدولية.
- إنشاء صندوق سيادي أو تنموي خاص بالمشروع، يتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويتلقى مساهمات من الحكومة، المانحين، والقطاع الخاص، ويخضع للرقابة المهنية والمجتمعية.
- إصدار تشريعات تسمح بإنشاء شركات مساهمة عامة ومحافظ تمويلية خاصة بالمشروع، مع ضمان حقوق المزارعين والمواطنين في تملك أسهم ومشاركة عادلة.
- اعتماد خطة تمويلية وتنفيذية على مراحل) 3–5 سنوات(، تبدأ بالمناطق ذات الأولوية، وتربط فيها كل دفعة تمويلية بنتائج قابلة للقياس.
- ربط التمويل بالتحول المؤسسي والإداري داخل المشروع، وتفعيل نظم الإدارة الحديثة، ونشر الشفافية ،وتفعيل دور المجتمعات المحلية في التخطيط والمساءلة.
إدماج العدالة التنموية كهدف صريح ضمن أهداف المشروع الجديدة، بحيث يكون مشروع الجزيرة ليس فقط مشرو عا زراعياً، بل أداة وطنية لإعادة بناء السودان من الريف
أموال ضخمة:
وأكدت الورقة إن مشروع الجزيرة لا يحتاج فقط إل ضخ أموال ضخمة، بل إلي مصفوفة تمويلية ذكية ومتعددة المصادر، تراعي الطبيعة المركبة للاحتياجات وتضمن استدامة التشغيل بعد التأهيل، ودفعت الورقة بحزمة من القسم المقترحات لصيغ التمويل العملية التي تستجيب لهذا التحدي. وإعتبرت تأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة بأنه يمثل تحدي كبير، لا يمكن أن يواجه من خلال آلية تمويل واحدة تقليدية، بل يتطلب تصميم محفظة تمويلية مركبة تجمع بين المصادر المحلية والدولية، العامة والخاصة، التعاونية والتجارية ،في إطار شفاف وفعال. تنطلق مقترحات التمويل في هذه الورقة من ثلاثة مداخل أساسية: وهي تنويع مصادر التمويل، توعزيز الشراكات، وربط التمويل بالأداء والإنتاج.
أو لا: صندوق وطني لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة
تقترح المبادرة بإنشاء صندوق وطني مستقل لإعادة تأهيل المشروع، يكون خاضعا ًللحوكمة والرقابة العامة، وتساهم فيه الحكومة المركزية، والولايات، والقطاع الخاص، والمؤسسات المصرفية، والجاليات السودانية، والشركاء الدوليون. ويدار الصندوق بمنهج “التمويل الموجه للنتائج”، بحيث يتم ربط تدفقات التمويل بمؤشرات أداء واضحة كيلومترات قنوات تم تأهيلها، مساحات مزروعة، وظائف تم خلقها… إلخ.
ثانيا: المحافظ الاستثمارية الزراعية
يقترح إنشاء محافظ استثمارية متخصصة تتيح للأفراد والمؤسسات الاستثمار في أنشطة المشروع، مثل محفظة المعدات الزراعية – محفظة تصنيع الأغذية – محفظة الحصاد والنقل – محفظة الخدمات الريفية(، ويمكن إدارتها بواسطة بنوك التنمية أو شركات إدارة أصول عامة، وتُمنح حوافز ضريبية وجمركية لتشجيع رؤوس الأموال الوطنية.
ثالثا: إنشاء شركات مساهمة عامة
تعد فكرة إنشاء شركات مساهمة عامة مملوكة جزئي ا للمزارعين والمستثمرين المحليين أحد أكثر النماذج ملاءمة لاستدامة التمويل والإدارة المشتركة. يمكن تخصيص شركات لإنتاج القطن، الحبوب، الأعلاف، الصناعات التحويلية، وتقوم هذه الشركات بجذب التمويل من سوق الأوراق المالية أو من الشركاء الاستراتيجيين الدوليين، مع ضمان تمثيل عادل للمزارعين والمجتمع المحلي في مجالس الإدارة.
رابعا: التمويل الاسلامي ؟
اقترحت الورقة استخدام صيغ تمويل إسلامية مرنة مثل:
• السلم الزراعي: تمويل المدخلات مقابل المحصول المستقبلي.
• المضاربة الجماعية: استثمار الأموال العامة والخاصة في أنشطة محددة.
• المشاركة بالأصول: مثل تمويل الجرارات أو مصانع المعالجة.
وأوضحت هذه الصيغ تتماشى مع البنية الفقهية والمالية في السودان، وتقلل من عبء الفائدة، وتربط التمويل بالإنتاج الفعلي.
خامساً: الشراكات الثلاثية والتمويل المختلط
ودعت الورقة الي تشجيع الشراكة بين الحكومة، القطاع الخاص، والمجتمع المحلي في صيغة “الشراكة الثلاثية” يتيح تموي لا مشتر كا للمشاريع الكبرى مثل صوامع، مصانع، شبكات طاقة، كما يقترح استخدام التمويل المختلط(Blended Finance) الذي يجمع بين المنح والقروض التجارية لتحسين الجدوى المالية للمشاريع التي قد لا تكون جذابة بمفردها.
سادسا:ً الزراعة التعاقدية والتمويل المرتبط بالسوق
ربط المزارعين مباشرة بالمصدرين والمصنعين من خلال عقود إنتاج مسبقة، يوفر التمويل مقدماً مقابل التوريد لاحقاً، مع توفير التدريب والدعم الفني. ويمكن للبنوك الدخول كشركاء ممولين بضمان العقود.
سابعا: التمويل القائم على الأداء (Results-Based Financing)
من خلال هذه الآلية، تصرف الأموال بناء على نتائج قابلة للقياس )وليس النفقات فقط(، ويشمل ذلك إنتاجية الفدان، نسبة تنفيذ مشروعات البنية، أو زيادة المساحات المزروعة. تفضّل هذه الصيغة من قبل المانحين، وتسهم في تحسين الشفافية والرقابة.
ثامنا: التمويل المرحلي متعدد السنوا ت
توصي الورقة بتبني خطة تمويلية تمتد لثلاث إل خمس سنوات، تقسّم خلالها الأولويات على مراحل، تبدأ بالبنية التحتية والري، ثم الخدمات، ثم التوسيع والإنتاج الصناعي. يتيح ذلك توزيع العبء المالي، واختبار النماذج، وتصحيح المسار تدريجياً. وقالت الورقة إن متطلبات نجاح التمويل وضمان الحوكمة الفعالة لخطة لتمويل مشروع الجزيرة لا يتوقف فقط على وفرة الموارد المالية، بل يعتمد بصورة حاسمة على توفر بيئة مؤسسية وتنفيذية موثوقة، تضمن توجيه الموارد بكفاءة، وتحقق الأهداف التنموية المرجوة. وفي هذا السياق، تبرز جملة من المتطلبات الضرورية التي ينبغي توافرها لضمان نجاح التمويل واستدامته.
أو لا: إصلاح البيئة المؤسسية والإدارية
يعاني مشروع الجزيرة من تدهور مؤسسي مزمن، نتج عن تآكل مؤسسات الإدارة الجماعية، وتفكيك هياكل الإشراف ،وضعف التنسيق بين الجهات المختصة. ولذا فإن أول خطوات نجاح التمويل تكمن في:
• إعادة تأسيس إدارة موحدة وفعّالة للمشروع، تتسم بالكفاءة والشفافية.
• مراجعة قانون مشروع الجزيرة لضمان التوازن بين الدولة والمزارعين والمستثمرين.
• إنشاء وحدة مركزية لإدارة التمويل والإشراف على العقود والمشروعات، تتمتع بالاستقلالية والرقابة.
ثانيا:ً الشفافية والمساءلة
أي تمويل كبير، خصو صا إذا شارك فيه القطاع العام أو المانحون الدوليون، يتطلب نظا ما محك ما للحوكمة. ومن هنا، توصي الورقة بـ:
• نشر تقارير دورية عن أوجه استخدام الأموال، وتقدم التنفيذ، والتحديات الميدانية.
• إنشاء آلية رقابة مجتمعية، تتيح للمزارعين والمجتمع المحلي متابعة أداء المشروع.
• تفعيل دور ديوان المراجعة القومي، ووضع مؤشرات قياس أداء مرتبطة بكل مكون تمويلي.
ثالثا: التدرج المرحلي وربط التمويل بالنتائج
ينبغي ألا يضخ التمويل دفعة واحدة دون خطة تنفيذية واضحة. ولهذا يُقترح:
• تصميم خطة تمويلية مرحلية تمتد من 3 إل 5 سنوات، تربط فيها كل دفعة تمويلية بنتائج ملموسة )مثل عدد الكيلومترات المؤهلة من القنوات، أو عدد الوحدات الزراعية التي دخلت الإنتاج(.
• تحديد أولويات زمنية ومكانية، مثل البدء بالمواقع الأعلى جاهزية أو الأكثر تدهو را.
رابعا: المشاركة المجتمعية وضمان العدالة
لضمان قبول اجتماعي واسع واستدامة التمويل، يجب إشراك المزارعين والنساء والشباب والمجتمع المحلي في تحديد أولويات الإنفاق ومتابعة التنفيذ. ويمكن تحقيق ذلك عبر:
• تفعيل جمعيات مستخدمي المياه، وروابط المنتجين
• إشراك ممثلين عن المزارعين في مجالس إدارة الصناديق والشركات.
• ربط التمويل بتحسين الخدمات الاجتماعية في القرى، ما يعزز الشعور بالعدالة والتنمية المتوازنة.
خامسا: المرونة والتكيف مع الواقع الميداني
يجب أن تكون الخطة التمويلية مرنة وقابلة للتعديل حسب الواقع الميداني، بما يشمل:
• وجود مكوّن احتياطي لمواجهة المخاطر غير المتوقعة )فيضانات، تقلبات أسعار، نزاعات محلية(.
• مراجعة دورية للخطة المالية والتنفيذية كل 12 شهرا.
• اعتماد نظم معلومات جغرافية(GIS) ونظم متابعة رقمية لتحسين الاستجابة الفورية للتحديات.
سادسا: توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية
وقالت الورقة لا ينبغي أن ينحصر التمويل في النواحي الإدارية أو الإنشائية فقط، بل يجب أن يوجّه الجزء الأكبر منه إل ما يخلق قيمة مضافة فعلية. ويشمل ذلك:
• تمويل المدخلات الزراعية والخدمات اللوجستية والتصنيع الزراعي.
• تمكين النساء والشباب عبر التمويل الصغير وبرامج الدعم الفني.
• تحسين قدرة المشروع على التصدير من خلال تطوير الجودة وسلاسل القيمة. (يتبع)

