دكتور الوليد آدم مادبو
من الخطأ المنهجي، بل من السذاجة السياسية، افتراض أن التصنيف الأخلاقي للتنظيمات يجب أن يطابق سجلّ أفعالها الإجرامية. هذه الفرضية قد تُرضي الضمير، لكنها لا تفسّر سلوك الدول الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، التي لا تدير قوائم الإرهاب باعتبارها سجلًّا للجرائم، بل باعتبارها خرائط تهديد. في هذا المنطق، لا يُقاس التنظيم بما ارتكبه، بل بموقعه الجغرافي، ووظيفته الإقليمية، وقدرته على الإخلال بتوازنات أشد حساسية من دماء الأطراف، وعلى رأسها أمن دولة الكيان الصهيوني.
لهذا السبب، لا تُقرأ حالات مصر والأردن ولبنان في واشنطن بوصفها دولًا “عادية”، بل بوصفها خطوط تماس مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل. وأي تنظيم أيديولوجي يمتلك في هذه الجغرافيا قدرة تعبئة جماهيرية أو خطابًا عقديًا صداميًا يُصنَّف تلقائيًا بوصفه تهديدًا استراتيجيًا، لا لأنه الأكثر عنفًا، بل لأنه الأقل قابلية للضبط. فالإسلاميون في هذه الدول — رغم تخلفهم الفكري وضيق أفقهم — يحتفظون بقدر من الالتزام العقائدي، وبحدّ من الطموح السياسي، ما يجعلهم عصيّين على الابتزاز الكامل، وقادرين، ولو نظريًا، على تعطيل معادلات أمنية إقليمية لا تحتمل المفاجآت.
على الضفة الأخرى، يظهر النموذج السوداني بوصفه نقيضًا وظيفيًا كاملًا. فإخوان السودان تموضعوا خارج هذا القوس الجيوسياسي الحرج، في منطقة لا تُهدِّد إسرائيل مباشرة، ولا تُحرج واشنطن أخلاقيًا أمام حلفائها الأقربين. والأهم من ذلك أنهم لم يخرجوا، يومًا، عن شرط “قابلية التوظيف”. هم عديمو الضمير السياسي بالمعنى الدقيق للكلمة؛ بلا سردية خلاص، بلا قاعدة اجتماعية راسخة، وبلا التزام عقدي يُقيّد حركتهم. يمكن ابتزازهم بلا حدود لأنهم بلا جمهور يُحاسِب، ويمكن دفعهم لإدارة الفوضى لا لحلّها لأن الفوضى هي رأس مالهم الوحيد.
من هنا يبدأ فهم غيابهم عن قوائم الإرهاب. فالأمر لا يتعلّق ببراءة غير موجودة، ولا بجهل بالوقائع، بل بوعي كامل بوظيفتهم. فالتصنيف، في منطق الدولة الحديثة كما تمارسه القوى الكبرى، ليس حكمًا أخلاقيًا يُنزَل بعد اكتمال البيّنة، بل أداة سياسية تُفعَّل حين يخرج الفاعل عن الدور المرسوم له. وإخوان السودان لم يخرجوا عن هذا الدور، بل أتقنوه حتى الذوبان.
منذ استيلائهم على السلطة، لم يتصرّفوا بوصفهم حركة أيديولوجية تسعى إلى شرعية رمزية أو قبول شعبي، بل بوصفهم جهازًا إداريًا للعنف أعاد تعريف الدولة لا كمؤسسة سيادة، بل كمنصّة تشغيل. لم يكن همّهم بناء عقد اجتماعي، ولا إنتاج خطاب خلاص، بل إعادة هندسة أدوات السيطرة: الجيش عبر تفريغ عقيدته الوطنية، الاقتصاد عبر الريع والاحتكار والتهريب، والدين عبر نزع مضمونه الأخلاقي وتحويله إلى لغة إجرائية تُستدعى عند الحاجة وتُعلّق عند الضرورة.
في هذا السياق، لا يبدو استقبال شخصيات مثل أسامة بن لادن أو كارلوس حادثةً استثنائية، بل تعبيرًا مكثفًا عن منطق الدولة ذاتها: دولة لا ترى في الإرهاب خطرًا مبدئيًا، بل موردًا سياسيًا قابلًا للتداول. لم تكن تلك العلاقات نابعة من التزام عقدي، بل من حسابات باردة ترى في العنف سلعة مؤقتة تُستخدم ثم تُستبدل. وهنا تحديدًا، لا يعود الحديث عن “الانحراف الفقهي” ذا معنى، لأن الفقه ذاته جرى تجاوزه. لقد تحرّر التنظيم من العقيدة، لا ليصير حداثيًا، بل ليصير أكثر قابلية لأيّ شيء.
ومن هذه الزاوية، يتضح الفرق الجوهري بين إخوان السودان ونظرائهم في مصر أو الأردن. فهؤلاء — رغم انسداد أفقهم — ظلّوا أسرى حدّ أدنى من الأخلاق السياسية: جمهور يُخاطَب، ونصّ يُؤوَّل، وفتوى تُستخرج لتبرير الفعل. كانوا في حاجة دائمة إلى الشرح، لأنهم ادّعوا تمثيل الدين. أما إخوان السودان، فقد تخلّوا عن الادّعاء ذاته، فاستغنوا عن التبرير. تحوّلوا من حركة ذات خطاب إلى شبكة بلا خطاب، ومن مشروع هوية إلى إدارة مصالح، ومن تنظيم أيديولوجي إلى مقاول دولة.
غير أن هذا الوضع ليس حماية دائمة، بل تأجيل محسوب. فالتاريخ الإمبراطوري لا يكافئ الأدوات، بل يستنزفها. وتأخير تصنيف إخوان السودان ليس إنقاذًا لهم، بل انتظار اللحظة التي يصبحون فيها عبئًا لا أداة. عندها فقط، لا تُفتح الملفات بدافع العدالة، بل بدافع التخلّص. فالعميل الذي لا سقف له لا يُوثق به طويلًا، وحين يفقد وظيفته، يُترك وحيدًا في مواجهة مجتمع دمّره، ودولة فرّغها، وعنفٍ لم يعد له اسم ولا غاية.
بهذا المعنى، لا يمثّل النموذج السوداني ذروة الإسلام السياسي، بل نهايته الأكثر فجاجة: نهاية الحركة حين تفقد الوهم وتبقى الجريمة، ونهاية الدين حين يُستعمل ثم يُرمى، ونهاية الدولة حين تكتشف — متأخرة — أنها لم تكن سوى مسرحٍ لعنفٍ صالح للاستخدام… إلى أن يتلف.

