كتب:حسين سعد
في الحياة السياسية السودانية، نادرًا ما تعترف السلطة بخطأ، وأندر من ذلك أن تعتذر عنه. فثقافة الحكم، لعقود طويلة، بُنيت على الإنكار، لا على المراجعة، وعلى تبرير القرارات، لا مساءلتها. لذلك، عندما ورد في سياق أزمة مقترح قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021 حديث عن اعتراف بالتقصير، بدا الأمر استثناءً يستحق التوقف عنده طويلًا، لكن السؤال الذي تطرحه هذه الحلقة ليس: هل كان الاعتذار مهمًا؟ بل السؤال الأعمق هو: هل يكفي الاعتذار في بنية سياسية تعيد إنتاج الخطأ نفسه؟
لحظة الاعتراف: كيف ولماذا؟ يكشف الكتاب أن إيقاف تمرير القانون، وما رافقه من جدل داخل مجلس الإدارة وخارجه، فتح الباب أمام مراجعة داخلية لمسار الصياغة، هذه المراجعة لم تأتِ نتيجة قناعة ذاتية فقط، بل تحت ضغط إعتراض المزارعين الذين تم تغيبهم ، ومن مخاوف سياسية من انفجار الأزمة، وإدراك متأخر لخطورة تجاوز القواعد، في هذا السياق، جرى الاعتراف بأن المشورة كانت ضعيفة، وأن تمثيل أصحاب المصلحة لم يكن كافيًا، وأن الاستعجال أضر بشرعية القانون.
الاعتذار: مضمون أم إجراء:
الاعتذار، كما يورده الكتاب، لم يكن بيانًا عامًا واسع التداول، بل جاء في سياق لقاءات وتصريحات محدودة. ورغم ذلك، حمل دلالة سياسية مهمة: الاعتراف بأن ما جرى لم يكن مثاليًا، وأن هناك تقصيرًا يجب الإقرار به لكن الاعتذار، في حد ذاته، يطرح أسئلة حرجة؟ هل صاحبه تغيير فعلي في النهج؟ أم كان محاولة لامتصاص الغضب؟ وهل تحوّل إلى التزام بإعادة بناء المسار؟ الإجابات، للأسف، لم تكن مطمئنة بالكامل؟ الاعتذار في الثقافة السياسية السودانية لفهم أهمية هذه اللحظة، لا بد من وضعها في سياق أوسع. ففي السودان، نادرًا ما يُسأل المسؤول عن قراره، أو يُطلب منه الاعتذار، أو يُحاسب على النتائج، لذلك، فإن مجرد الاعتراف بالتقصير يمثل خرقًا لعرف سياسي راسخ. لكنه في الوقت ذاته يظل خطوة ناقصة إن لم يُستكمل بإصلاح مؤسسي، الاعتذار بلا مساءلة من أبرز ما تكشفه هذه المرحلة أن الاعتذار لم يُرافقه، تحقيق مستقل، مساءلة واضحة، إعادة هيكلة لآليات الصياغة، بقيت الأخطاء في إطار (سوء التقدير)، لا في إطار الخلل البنيوي. وهو ما يعني أن الأسباب التي أدت إلى الأزمة ظلت قائمة، وقابلة للتكرار، وهنا يتحول الاعتذار من فعل شجاعة، إلى إقرار بالعجز عن التغيير..
موقف المزارعين:
الثقة المكسورة بالنسبة لكثير من المزارعين، لم يكن الاعتذار كافيًا. فالثقة التي تضررت لا تُرمم بالكلمات، بل بالأفعال ، كان المطلوب ، فتح حوار قاعدي واسع، إشراكهم فعليًا في صياغة أي قانون جديد، تقديم ضمانات بعدم تكرار ما حدث، لكن هذه الخطوات لم تُنفّذ بالشكل المطلوب، ما جعل الاعتذار يبدو – في نظر البعض – متأخرًا ومحدود الأثر، وفي إتجاه ذي صلة يؤكد الكتاب أن كثيرًا ممن شاركوا في مسار القانون لم تكن لديهم نوايا سيئة. لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج، والنتيجة هنا كانت قانون فاقد للشرعية ، وأزمة ثقة ، وإحساس واسع بالاقصاء ، وهذا يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل تكفي النية الحسنة في ظل مؤسسات ضعيفة ؟
الاعتذار كحدّ أقصى للإصلاح أحد أخطر ما يكشفه هذا المسار هو أن الاعتذار بدا وكأنه السقف الأعلى للإصلاح، لا بدايته، فبدلًا من أن يكون مدخلًا لإعادة بناء العلاقة مع المزارعين، تحوّل إلى نهاية مؤقتة للأزمة، دون معالجة جذورها، وهنا تتجلى أزمة الحكم الانتقالي، القدرة على التراجع دون القدرة على التأسيس لمسار جديد، فالاعتراف بالتقصير خطوة مهمة، لكنها لا تُسقط، حق المشاركة وحق المساءلة ، فضلاً عن حق التعويض الرمزي والمعنوي، فالحقوق لا تُستعاد بالاعتذار، بل بضمان عدم الانتهاك مستقبلًا، هل كان يمكن أن يكون الاعتذار مختلفًا؟ نعم. ، علنياً وشاملاً ، كان يمكن أن يكون مصحوبًا بخارطة طريق واضحة، ومرتبطًا بجدول زمني لإعادة الصياغة بمشاركة القواعد، لكن غياب هذه العناصر جعل الاعتذار خطوة ناقصة.

مكانه بين الناس وليس خلف الأبواب الموصدة..
دعونا نتابع معاً ما أشار له صديق عبد الهادي في كتابه : أن لجنة صياغة القانون الجديد لمشروع الجزيرة تعمل منذ أشهر في سياق أعقب ثورة ديسمبر، التي أنهت نظاماً أضرّ بصورة عميقة بالمؤسسات الإنتاجية، وكان مشروع الجزيرة في مقدمتها. ويرى أن إعادة تأهيل المشروع تبدأ، بالضرورة، من إصلاح مؤسسي جوهري يتمثل في صياغة قانون ديمقراطي وعادل ينظم هوية المشروع، وملكية الأرض، وعلاقات الإنتاج، وإدارته ومؤسساته المختلفة. ويشير إلى أن أصحاب المصلحة الحقيقيين، وبعد تجارب قاسية خاصة في ظل قانون 2005، يتطلعون إلى قانون يعبر عنهم وينظم علاقتهم بالمشروع على أسس عادلة. ويؤكد أن ديمقراطية القانون لا تتحقق إلا عبر فتح أبواب المشورة الواسعة أمام جميع أهل المشروع، وإتاحة مسودة القانون للنقاش العلني دون مواربة، باعتبار أن المشاركة حق أصيل لا تجوز فيه الإنابة أو الالتفاف. ويشدد عبد الهادي على أن إشراك الناس في الحوار حول القانون ليس واجباً مهنياً فحسب، بل التزاماً أخلاقياً، وأن اختلاف الآراء يمثل مصدر قوة وغنى لا مبرراً للإقصاء أو التخوف. فجوهر ديمقراطية القانون يكمن في قدرته على التعبير عن تطلعات المنتجين الحقيقيين، وهو ما يستوجب طرح القانون خارج “الأبواب الموصدة” وتمكين الناس من مناقشته بوعي وحرية. ويحدد النص أربع ركائز أساسية لعدالة القانون: الحفاظ على وحدة أراضي المشروع وصون حقوق الملكية، حماية المشروع من تكرار تجارب التدمير السابقة عبر مشاركة الناس لا الاكتفاء بالنصوص، التركيز على الإنتاج والإنتاجية بوصفهما جوهر وجود المشروع، وترسيخ مفهوم قومية المشروع بما يضمن أن تعود خيراته أولاً على أهله والمنتجين فيه. ويؤكد أن أي قانون يتجاهل هذه المهام لن يكون عادلاً ولن يحظى بقبول الناس. كما يشير إلى أن مجلس إدارة مشروع الجزيرة أقرّ، ضمن سياساته العامة، التزاماً واضحاً بالحوار المجتمعي الواسع حول قانون 2021، باعتباره جزءاً من برنامج التغيير الذي أفرزته ثورة ديسمبر. وهو التزام يضع المجلس ولجنة صياغة القانون أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية مشتركة لفتح نقاش شامل يفضي إلى قانون يعبر فعلاً عن إرادة ومصالح أهل المشروع.
الخاتمة من المحرر:
شجاعة الاعتراف… ومأزق التغيير تكشف هذه الحلقة أن الاعتراف بالتقصير في أزمة قانون مشروع الجزيرة 2021 كان لحظة نادرة في السياسة السودانية، لكنه ظل محاصرًا ببنية عاجزة عن التغيير الجذري، فالاعتذار، مهما كان صادقًا، لا يكفي إن لم يتحول إلى سياسة، ولايحمي الحقوق إن لم يترجم الي مؤسسات ، في الحلقة القادمة، ننتقل إلى تفكيك مواد القانون نفسه، ونكشف ما الذي غاب عنه: الأرض، النساء، والضمان الاجتماعي… ولماذا كان ذلك سببًا إضافيًا لسقوطه (يتبع)

