الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةاستراتيجية الامن القومي الأميركية لعام 2026 في إفريقيا

استراتيجية الامن القومي الأميركية لعام 2026 في إفريقيا

ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات


تقديم: في ظل التحولات العالمية المتسارعة وإعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية، أصدرت الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية الامن القومي لعام 2026، التي تعيد فيها تقييم الدور الأميركي في الساحات العالمية، بما في ذلك إفريقيا. لم يعد القارة السمراء، أو تحديداً القرن الأفريقي، موقعاً ثانوياً في الخريطة السياسية العسكرية الأميركية فحسب، بل أصبحت مفهوماً استراتيجياً يتقاطع فيه الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والمنافسة مع قوى عظمى مثل الصين.
تعكس الاستراتيجية الجديدة تحولاً من الإنخراط المباشر الواسع إلى نهج أكثر انتقائية وتركيزاً، يربط التدخل الأميركي مباشرة بالمصالح الوطنية الأساسية، ويعطي الأولوية لردع المنافسين الكبار بدل الانخراط طويل الأمد في مشاريع بناء الدولة وتحقيق التحوّل الديمقراطي.
التحليل:
-منطلقات المقاربة الأميركية في القرن الأفريقي:
تعتمد الاستراتيجية على ثلاث اعتبارات مركزية:
أ. مكافحة الإرهاب:
تظل حركة الشباب في الصومال التهديد الرئيسي الذي يبرر أنشطة مكافحة الإرهاب الأميركية والعمليات الدقيقة داخل الصومال، بهدف منع الجماعات الجهادية من التنسيق أو استخدام ملاذات آمنة لتهديد المصالح الأميركية أو إرسال خلايا إلى الخارج.
ب. الأمن البحري:
يقع القرن الأفريقي على مفترق ممرات بحرية استراتيجية حيوية للتجارة الدولية. وتقلبات الأمن في هذه المنطقة يمكن أن تؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي، بما يجعل تأمين هذه الممرات أولوية أميركية متصلة بالمصالح الاقتصادية الوطنية.
ج. المنافسة بين القوى العظمى:
تظهر المنافسة الأميركية–الصينية بوضوح في المنطقة، لاسيما في جيبوتي، حيث تستضيف القاعدة الأميركية الأولى الدائمة في إفريقيا وكذلك أول قاعدة صينية خارج حدودها. تسعى واشنطن لتقييد نفوذ بكين دون الدخول في مواجهة مفتوحة، عبر نهج توازني يحتفظ بالوجود الاستراتيجي الأميركي ويُشعر الشركاء المحليين بخيارات بديلة.
**المكونات الإقليمية في الاستراتيجية:
-الصومال: محور العمليات.
يحتل الصومال موقعاً مركزياً في الاستراتيجية بسبب تحديات مكافحة الإرهاب، وخاصة استهداف حركة الشباب. وقد حدّدت الاستراتيجية الأميركية:
•الاعتماد على ضربات دقيقة ومدروسة بدل الانتشار العسكري التقليدي.
•إبقاء مشاركة الولايات المتحدة مرتكزة على الاستخبارات والدعم اللوجستي، مع تكليف القوات الصومالية والشركاء الإقليميين بالعبء الأكبر لتحقيق الاستقرار.
•دعم المؤسسات الفيدرالية دبلوماسياً وسياسياً، مع ترك الإصلاحات الداخلية والتوافق الوطني كقضايا صومالية محضة.
هذه المقاربة تعكس انتقالاً من التدخل الشامل إلى تدخل محدود ومستدام يُركّز على منع الانهيار وليس إعادة بناء الدولة.
-إثيوبيا: عمود استقرار غير مركزي.
تعامل الولايات المتحدة إثيوبيا في الوثيقة كشريك مهم ليس لكونها ساحة لمكافحة الإرهاب، بل لكونها ركيزة استقرار إقليمي. بعد الصراع في إقليم تيغراي، وتُركّز السياسة الأميركية على:
•الحفاظ على تماسك الدولة ومنع تجدد النزاع الداخلي الواسع.
•خفض التصعيد ومنع اتساع دوائر العنف التي قد تؤثر على دول الجوار.
•الحذر من العلاقات المتنامية بين أديس أبابا والصين، مع الاحتفاظ بعلاقات دبلوماسية واقتصادية أقوى من الارتباطات الأمنية.
يقوم النهج هنا على مبدأ تقاسم الأعباء، حيث تُترك أثيوبيا لمعالجة تحدياتها الداخلية إلا من أدوات نفوذ أميركية غير عسكرية.

جيبوتي: النقطة الاستراتيجية المحورية.
تُعد جيبوتي عنصر القوة الأهم في المنطقة الأميركية:
تضم قاعدة ليمونييه، أول قاعدة دائمة للولايات المتحدة في إفريقيا.
تعتبر مفصلية لعمليات عسكرية في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي.
تواجه في الوقت ذاته أول قاعدة صينية، ما يجعل المنافسة عليها رمزية وعملية.
تعتمد الاستراتيجية هنا على التعايش المدار ومحافظة واشنطن على التفوق التشغيلي دون تصادم مباشر مع بكين، عبر الاستثمار في البنى التحتية الاستخباراتية واللوجستية.

كينيا: الشريك الإقليمي “النموذجي”
تعامل كينيا كشريك إقليمي قادر على:
استضافة منشآت عسكرية أميركية.
التعاون الأمني والاستخباراتي في مكافحة الإرهاب، خاصة في الصومال.
لعب دور فاعل ضمن الهيئات الإقليمية.
تؤكد الاستراتيجية على الدور الذي يمكن أن تلعبه كينيا في القيادة غير المباشرة للأمن الإقليمي، مما يتسق مع تفضيل واشنطن لتقليل البصمة العسكرية المباشرة.
-إريتريا: حالة العزلة والتوجُّه الاستراتيجي.
تصنف الولايات المتحدة إريتريا من الجهات المزعزعة للاستقرار، وهي ليست شريكاً أمنياً أو أولوية في الاستراتيجية، وتتبنى تجاهها:
سياسة المسافة الاستراتيجية.
مراقبة الأداء الدبلوماسي والعسكري.
ممارسة ضغط دبلوماسي للحد من أي أدوار معاكسة للأمن الإقليمي.
جوهر التوجّه الاستراتيجي في القرن الأفريقي:
تعكس استراتيجية الدفاع لعام 2026 تحوّلاً من التزامات واسعة النطاق إلى مشاركة محدودة ومصلحية تُركّز مباشرة على:
منع التهديدات الإرهابية التي قد تهدد الأمن الوطني الأميركي. -تأمين الممرات البحرية الحيوية.
منع توسع النفوذ العسكري أو التجاري للقوى المنافسة، وخاصة الصين.
دفع الدول الإقليمية لتحمل العبء الأكبر من أمنها واستقرارها.
يتسم هذا النهج بالتوازن بين الحد من الانكشاف الأميركي المباشر والحفاظ على النفوذ الاستراتيجي، مع تقديم ضمانات أقل ودور محوري أقل للدعم الأميركي التقليدي.
خلاصات:
1.تحويل الأولويات الأميركية: عادت الولايات المتحدة لربط التدخل في إفريقيا بالمصالح القومية المباشرة، وليس بضمانات عامة لبناء الدولة أو التحول الديمقراطي.
2.استراتيجية انتقائية: الأفضلية الآن لنهج محدود، يعتمد على الشراكات الإقليمية، والإسناد المالي والاستخباراتي أكثر من الوجود العسكري التقليدي.
3.التنافس الدولي في تصاعد: الصين هي الخصم الأبرز، لا في شكل مواجهة، ولكن عبر احتواء نفوذها في مواقع استراتيجية مثل جيبوتي.
4.دور إقليمي معادَل: الدول الكبرى في المنطقة (إثيوبيا، كينيا، جيبوتي) لم تعد ساحات نزاع أميركية، بل شركاء أو كيانات محورية في الأمن الإقليمي الذي تعمل واشنطن على تنظيمه بشكل مرن.
في ضوء هذه الرؤية الامريكية الواضحة والتي تعد استدارة من نهج الديمقراطيين في المقاربات الدولية، يمكن القول ان افريقيا ستكون امام سياسات تقوم على:

تُعميق التعاون مع الدول المحلية القادرة على إدارة أمنها بمساعدة استخباراتية وليس عسكرية مباشرة.
-دعم المؤسسات المدنية في الصومال: التركيز يجب أن يتحوّل إلى بناء قدرات محلية لتحقيق الأمن والاستقرار طويل الأمد.
-تشجيع جيبوتي على التوازن بين القوى الخارجية مع الاحتفاظ بقدرات دفاعية مستقلة.
-ابتعاد السياسة الأميركية عن الاعتماد على التصعيد العسكري، بل على أدوات دبلوماسية واقتصادية لردع النفوذ المنافس.
5.استدامة الأمن البحري: مواصلة الشراكات الأمنية متعددة الأطراف لضمان حرية الملاحة في الممرات الحيوية دون زيادة الوجود العسكري الأميركي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات