كتب:حسين سعد
مع حلول كل موسم زراعي جديد في مشروع الجزيرة والمناقل، لاينصب حديث المزارعين حول توفير التقاوي المحسنة فقط، بل هنالك سؤال قديم المتجدد: كيف يزرع المزارع وهو محاصر بندرة، وشح في المدخلات، وغلاء التكاليف، وضيق سبل التمويل؟ وفي شيخ المشاريع الزراعية بالسودان (جمل الشيل) الذي أطعم السودان لعقود، لم تعد المشكلة في خصوبة الأرض ولا في خبرة الإنسان، بل في فجوةٍ تتسع كل موسم بين ما يحتاجه المزارع ليزرع، وما يُتاح له فعليًا ليصمد، تراكمت الاحتياجات حتى أصبحت عبئًا يوميًا: مدخلات زراعية شحيحة أو مرتفعة الثمن، وقود غير مستقر، آليات غائبة أو متهالكة، وقنوات ريٌّ متعثرة وبعضها إغلاقها الطمي والحشائش ، وأسواق لا تنصف المزارع المنتج، بينما يقف التمويل كعنق الزجاجة؛ تمويلٌ متأخر، أو مشروط، أو مُرهق بالفوائد، لا يراعي طبيعة الدورة الزراعية ولا هشاشة أوضاع المزارعين. فتحوّل القرض، الذي كان ينبغي أن يكون أداة تمكين، إلى مصدر قلق وخطر يهدد المزارع قبل أن يرى محصوله النور.
وتقترب ورقة دكتور حامد الأمين أحمد ( تحديد الاحتياجات وصيغ التمويل) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير ) تقترب من الواقع كما هو، وتعيد طرح سؤال الاحتياجات والتمويل من زاوية إنسانية واقتصادية معًا. فهي تسعى لتشخيص الاحتياجات الحقيقية لمشروع الجزيرة والمناقل، وتناقش صيغ التمويل المطلوبة التي تحمي المزارع ولا تستنزفه، تمويلٌ عادل ومرن، مرتبط بالإنتاج لا بالعقاب، ويعيد الثقة بين المزارع والمؤسسات، ليعود المشروع إلى دوره الطبيعي: أرضًا منتجة، وإنسانًا قادرًا، واقتصادًا يتنفس من عرق الحقول.
منظومة متكاملة:
ووصفت الورقة مشروع الجزيرة أنه رمزاً حياً للتجربة التنموية الكبرى في السودان، فهو ليس فقط مشروعاً زراعيا ًمرويا ًعلى نطاق واسع، بل هو منظومة متكاملة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تشكيل ملامح الدولة السودانية الحديثة، تأسس المشروع رسمي ا عام 1925 بعد بناء خزان سنار، وامتد ليغطي ما يزيد على مليوني فدان بين النيلين الأزرق والأبيض، معتمدا على الري الانسيابي بالجاذبية الطبيعية. وقد صُمم المشروع في بدايته لتوفير القطن الخام لمصانع بريطانيا، إلا أنه تحوّل تدريجيا إلي رافعة تنموية وطنية أسهمت في توطين الزراعة النقدية، وتنظيم علاقات الإنتاج ،وخلق شبكات سكن وخدمات وتعليم وصحة في الريف السوداني، فضلا عن مساهمته في الناتج القومي السوداني ، ودعّم الصادرات الزراعية وميزان المدفوعات، ومثل مدرسة للإدارة الزراعية الديمقراطية من خلال مجالس المزارعين، لكن هذه المكانة أخذت في التراجع منذ سبعينيات القرن الماضي، مع ضعف الصيانة، وتفكيك البنية المؤسسية، وتغير أولويات الدولة التنموية، ثم جاءت برامج التحرير الاقتصادي في التسعينيات لتقضي عمليا على ما تبقى من دعم حكومي للزراعة، مما أدى إل تدهور واسع في البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالمشروع.
تدهور الخدمات:
وقالت الورقة إن القرى المرتبطة بالمشروع شهدت خلال العقود الأخيرة تراجع حاد في مستويات التعليم والصحة والبنية الأساسية، وازدادت فيها معدلات الفقر والهجرة إل المدن، وتقلصت المساحة المزروعة فعليًا من طاقتها التاريخية إلي أقل من (40%) .وبذلك انتقل المشروع من كونه (سلة غذاء السودان) إلي منطقة تراجعت فيها الكفاءة الاقتصادية والاجتماعية، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية وبنية أساسية يمكن إعادة تأهيلها. وأوضحت الورقة بأن مشروع الجزيرة ما زال يمثل فرصة تنموية كبرى، وأن إعادة تأهيله تتطلب رؤية متكاملة تبدأ من تقدير دقيق للاحتياجات التمويلية، وتصميم صيغ تمويل واقعية ومُتنوعة، تنسجم مع المعطيات الاقتصادية وتراعي العدالة التنموية بين الأقاليم. وسيتم في الورقة تقديم تحليل شامل للاحتياجات حسب القطاعات، مع مقترحات لصيغ تمويل متعددة المصادر، إلي جانب استعراض المتطلبات المؤسسية لضمان نجاح التمويل وفاعلية التنفيذ.
المبررات الاقتصادية والتنموية للتمويل:
إن تمويل مشروع الجزيرة لا ينظر إليه بوصفه عملية فنية محض تتعلق بإعادة تشغيل منشأة زراعية متوقفة، بل هو في جوهره استثمار استراتيجي في مستقبل الاقتصاد السوداني، وفي استعادة التوازن التنموي بين المركز والأقاليم. ذلك أن مشروع الجزيرة يمثل حالة مركبة، تتجاوز كونه حق لا إنتاجياً، ليشكّل منظومة اجتماعية واقتصادية تضم مئات القرى، وعشرات الآلاف من المزارعين، وعمال الري، والنساء العاملات في الحواشات، والشباب الباحثين عن فرص عمل في الريف. من الناحية الاقتصادية، يتمتع مشروع الجزيرة بمزايا نسبية نادرة: تربة طينية خصبة، نظام ري طبيعي لا يتطلب طاقة ضخ مكلفة، بنية تحتية قابلة للإصلاح، قرب نسبي من الموانئ والأسواق، وسوق محلي جاهز للطلب على منتجاته
.وتظهر التجارب الدولية أن كل دولار يستثمر في البنية الزراعية المتكاملة يعود على الاقتصاد بـنحو (3-5) دولارات كعائد مباشر وغير مباشر، من خلال الإنتاج، التشغيل، والنشاطات المصاحبة نقل، تصنيع، تجارة. وبالتالي فإن إعادة تمويل المشروع ليست عبئاً، بل استثمار عالي العائد في ميزان الاقتصاد الكلي. أما من حيث التنمية، فإن تمويل المشروع يعالج جذور التفاوت الجغرافي الذي شكّل أحد أعقد معضلات السودان الحديث. إذ أن الجزيرة، التي كانت ذات يوم أنموذ جا للقرى المتكاملة، أصبحت اليوم في كثير من محلياتها تعاني من تردٍ واسع في البنية التحتية، وانخفاض معدلات التعليم والصحة، وتراجع في شبكات الكهرباء والمياه. إعادة التمويل هنا لا تستهدف المزارع فحسب، بل تشمل المدرسة، والمركز الصحي، والطرق، والأسواق، ما يجعل التمويل وسيلة لإعادة بناء الريف السوداني المتكامل. كما أن السياق الحالي – سياسياً واقتصاد ياً – يجعل من إعادة تأهيل مشروع الجزيرة ضرورة وطنية. فالسودان يمر بمرحلة مفصلية بعد سنوات الحرب والتدهور الاقتصادي، ويحتاج إل مشروعات وطنية جامعة قادرة على إعادة الثقة في الدولة ،وخلق فرص عمل حقيقية، واستعادة الأمن الغذائي. التمويل العادل والمنظم لمشروع الجزيرة يمكن أن يشكل نموذ جا يُحتذى، يظهر كيف يمكن للدولة أن تنحاز للتنمية الشاملة لا المركزية.
فرصة إستراتيجية:
أخيراً، فإن تمويل المشروع يوفر أيضا فرصة استراتيجية لمواءمة التنمية المحلية مع أهداف التنمية المستدامة ، خاصة ما يتعلق بالقضاء على الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي، والمساواة بين المناطق، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل، كما يمكن أن يعاد توجيه التمويل الخارجي من المانحين والمؤسسات التنموية ليخدم أهداف وطنية واضحة، بدلا من التشتت في مبادرات صغيرة وضعيفة الأثر.
تقدير الاحتياجات التمويلية لمشروع الجزيرة:
تستلزم إعادة تأهيل وتشغيل مشروع الجزيرة توافر تمويل واسع النطاق ومتعدد الأغراض، يراعي تنوع احتياجات المشروع من حيث البنية التحتية، الإنتاج الزراعي، الخدمات الاجتماعية، والإصلاح المؤسسي. ويقوم هذا القسم بتقدير هذه الاحتياجات بصورة كمية استناداً إلي تحليل شامل يغطي المساحة الكلية للمشروع، متوسط التكلفة للفدان بحسب مؤشرات الاسعار للعام 2024م ، وتجارب مقارنة من مشاريع مماثلة إقليميا، بالإضافة إل دراسات وطنية مثل تقرير البنك الدولي للعام 2015م وخطة وزارة الري السودانية للعام 2020م
أولاً: المجالات التمويلية الرئيسية
إعادة تأهيل نظام الري والصرف، وهذا يشمل تنظيف وتوسيع القنوات، إصلاح البوابات، تأهيل محطات الضخ، إنشاء شبكات الصرف، وتحديث أنظمة التحكم. قدّرت التكلفة بين (1-5) الي (2-5) مليار دولار ، إستناداً إلي تكلفة وتأهيل الفدان ما بين (700 الي ألف ومائة دولار) مع تعديل التدهور البنيوي، وتقدير تكلفة الكيلومتر الواحد في شبكة القنوات ما بين ( الف الي ألفان دولار) وإعادة هيكلة الإدارة والحوكمة: التي تتطلب تطوير الهياكل الإدارية، إدخال أنظمة رقمية ، تدريب الكوادر، وإصلاح السياسات المؤسسية. قدّر التمويل المطلوب لهذا البند بين 150 و300 مليون دولار، وتمويل النشاط الزراعي والمدخلات :
الذي يشمل شراء البذور، الأسمدة، الوقود، صيانة الآلات، ودفع الأجور الموسمية. قدّرت تكلفة الفدان سنوياً بنحو (230) دولار، أي ما يعادل 506 مليون دولار لـ2.2 مليون فدان، مع إضافة هامش طوارئ بنسبة 30%، ليصبح التمويل المطلوب سنو يا في حدود 400 إل 700 مليون دولار.
وتأهيل البنية التحتية الإنتاجية والخدمية والتي تشمل إنشاء الصوامع ، ومصانع الأعلاف، ومراكز
مراكز التجميع، الطرق الزراعية الداخلية، تمديد الكهرباء، وتحسين الاتصالات. قدّر هذا البند بين 800 مليون و1.5 مليار دولار. وتاهيل الخدمات الاجتماعية في القري الزراعية التي تشمل بناء أو تأهيل المدارس، المراكز الصحية، شبكات مياه الشرب، الصرف الصحي، والكهرباء المنزلية. يقدّر التمويل اللازم ما بين 500 و850 مليون دولار، وهو تقدير مرتبط بكثافة السكان في القرى وخدماتهم الأساسية. وادخال
نظم ري حديثة، حصاد المياه، زراعات مقاومة للجفاف، وأنظمة إنذار مبكر. يقدّر هذا البند بين 500 مليون إل مليار دولار، استجابة للتهديدات المناخية المباشرة التي تواجه المشروع، وبهذا، يتراوح إجمالي التمويل المطلوب لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة – دون احتساب التشغيل السنوي المستمر – بين
3.85 و6.85 مليار دولار أمريكي. وأقترحت الورقة تقسيم التمويل المطلوب الي ثلاثة أنواع رئيسية وهي :
• التمويل الرأسمالي: يشمل الاستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية الثابتة مثل قنوات الري، محطات الضخ ،الصوامع، المدارس، والطرق. يقدّر ما بين 2.8 و4.6 مليار دولار، ويفضل أن يُموّل عبر المنح أو القروض التنموية الطويلة الأجل.
• تمويل المعدات والآليات: ويشمل الجرارات، الحصادات، أنظمة الري الحديث، ومعدات ما بعد الحصاد. يقدّر هذا التمويل بنحو 0.3 إل 0.6 مليار دولار، ويمكن تمويله من خلال أدوات مرنة مثل التأجير التمويلي أو الشراكات مع القطاع الخاص.
• التمويل التشغيلي: ويغطي التكاليف السنوية المتكررة لتسيير المشروع، بما في ذلك المدخلات الزراعية، الأجور ،الوقود، الصيانة والإدارة. يقدّر هذا النوع من التمويل بين 550 مليون و1.4 مليار دولار سنو يا، ويشكّل التحدي الأكبر من حيث الاستدامة والتقلبات الاقتصادية.(يتبع)
الإحتياجات وصيغ التمويل الزراعي: (10)
مقالات ذات صلة

