الصحافيون في غرف الأخبار يتصورون أن كل القصة تكتمل عناصرها بالجواب على كل أو بعض الأسئلة التالية: من، وماذا، ومتى، وأين، وكيف، ولماذا.
هي أسئلة تعرف في أدبيات الصحافة بأنها الأسئلة المنتجة للخبر.
لكن أي خبر هذا الذي تنتجه مجرد إجابات على هذه الأسئلة الخمسة أو الستة، أو على بعضها على الأقل.
إنه في الواقع طرف من خبر، فرعه وجه من الحقيقة، التي تتعذر الإحاطة بها من جانب واحد فقط.
إن هذا النوع من الإجابات التي درجنا على تلقيها، على نوع هذه الأسئلة، لا يسبر بطبيعة الحال غور الحقيقة الكاملة، ولا يحيط تمامًا بوصف الخبر كما ينبغي أن يكون.
إذ لكل خبر في هذا الكون بُعدانِ، بُعدٌ مباشر وظاهر، لا يتجاوز نطاق بحث الصحافة فيه إلى الآن على الأقل، السطح الخارجي لأي حدث، مهما كانت آثاره عميقة، وتداعياته شاملة، وبُعدٌ غير مباشر، أدق خفاءً، وأقل بروزًا، رغم أنه الأعلى أثرًا، والأوسع رؤية.
وبالطبع ليس كل مخبر مؤهل للإحاطة بنوع هذا الخبر، المتشابك الأبعاد، والمتعدد الزوايا.
فحين سأل نبي الله موسى، العبد الصالح “الخضر”، أن يتبعه كي يعلم من علمه رشدا، كان رد الخضر مباشرا وقاطعا حتى دون حاجة لاختبار قدرات طالبه، ومدى وسعه المعرفي، وطاقة احتماله، قائلا بجزم تام: “إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً”.
مبررا تحفظه لموسى بشرح لعلته الخطيرة المفحمة، قائلا: “وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً”.
فالخبر المحيط، أو المحاط به، الذي من أينع ثماره الصبر عليه، هو غير خبرنا المجتزأ والمنقوص، الذي نظن أن مجرد حصولنا على إجابات قصيرة النظر، على أسئلته الكلاسيكية، يكفي لإنتاجه كخبر مبريء للذمة الصحفية.
المهم فإن صورة هذا النوع من الخبر لا تكتمل سوى بقراءة تأويلية لوقائعه، تتجاوز ما تقول به معطياته الظاهرة، ومجرياته الفعلية، وتفاصيله المجردة.
ولهذا ربما كان العبد الصالح عند انتهاء هذا الدرس المدهش، بحاجة إلى شيء من الشرح التأويلي لكل حادثة من حوادثه الثلاث: “قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً”.
فالخبر المأول، أو الخبر المحيط، أو المحاط به، هو بالضرورة غير الخبر التجريدي الذي ندعي له على علاته إلى يومنا هذا، قداسة زائفة تضعه فوق الأجناس الصحفية الأخرى.
وللحقيقة فإن معادلات الحياة كلها تقوم على مبدأ الربط الدائم لظاهر كل أمر، بباطنه.
ومن دون هذا الربط الصعب للغاية، لن تتوفر شروط “الإحاطة الخبرية” اللازمة، أو الحصول على نوع هذا “الخبر المحيط الجامع” الذي يجمع بين طرفي المعادلة، الظاهر منها والباطن، في خلاصة خبرية واحدة، مدمجة.
الجميل الفاضل يكتب: إعادة تعريف الخبر، وحِكاياتٌ أُخر؟! (1)
مقالات ذات صلة

