الإثنين, يناير 19, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب: "حرب الالف يوم وأكثر" (1): حين يَلتهِمُ غُولُ الكذب...

الجميل الفاضل يكتب: “حرب الالف يوم وأكثر” (1): حين يَلتهِمُ غُولُ الكذب عُقولَ الناس كقطع الحلوي؟!

أصبح السودان أكبر مسرح للتلفيق وللكذب، ولتبادل السرديات الزائفة المضللة.
المدهش هو أن غول الكذب هذا، بات يلتهم كافة العقول كقطع الحلوي الصغيرة سريعة الذوبان.
إذ أضحي الجميع بلا استثناء، قابلا لتصديق أي رواية للحرب تتماشي مع مصالحه أو رغائبه الذاتية، أو لا تصادم علي الأقل مشاعره الخاصة.
ينطبق عليهم ربما قول أحد الفلاسفة: ‏”إن أكثر الناس لا يكافحون من أجل فهم الحقيقة، بل يكافحون من أجل إثبات أن ما يؤمنون به هو الحقيقة.”
فالإختلاف القائم  بين الناس هنا، ليس هو إختلاف حول الحقيقة، بل هو إختلاف في الزوايا التي يري كل طرف منها صورة هذه الحقيقة، بما يتوافق مع مصالحه وهواه.
لينتج هذا الإختلاف واقعا أقرب لقول الروائي واسيني الأعرج: “إن الكذب في بلادنا ليس استثناء، لكنه من فرط التكرار صار يشبه الحقيقة”.
المهم فمنذ أن أوحى شيخ الحركة الإسلامية الراحل، حسن الترابي، لقائد انقلابها الأول، المخلوع البشير، كلمة سرّها: “اذهب إلى القصر رئيسًا، وسأذهب إلى السجن حبيسًا”، قبل بضع وثلاثين عاما.
كشف هؤلاء الإسلاميون عن أنهم يتمتعون بكفاءة عالية في رفع الكذب إلى مرتبة الطرب، إذ لا يخرج الصدق من أفواههم إلا هفوة هاربة، تأتي فقط كزلة لسان.
ملأوا الفضاء بسرديات تآكل بعضها حين وقع تناقض بين الرواية والواقع، فاستعاضوا عنها بأخريات أقرب لمزاج الناس، ولمصالحهم الخاصة كأفراد أو كمجموعات إثنية وجهوية متفرقة.
رغم أن سقوط أي سردية من هذا النوع لا يحدث دائما بسرعة خاطفة بل من خلال مسار تراكمي طويل، خاصة في مثل هذا العصر الذي يعتقل العقول داخل فقاعات رقمية ضيقة، تعظم الإنفعال وتعمق الإنقسام.
ففي عالم اليوم، لك أن تتصور أن موقع يوتيوب وحده يُحمِّل حوالي 500 ساعة من الفيديو في كل دقيقة، أي نحو 720 الف ساعة يوميا.
إضافة الي ما يقارب 34 مليون فيديو آخر ينشر كذلك في كل يوم علي منصة تيك توك.
فضلا عن أن بث هذه المنصات الثلاثة، يوتيوب، وانستغرام، وتيك توك، يقدر في مجمله بنحو مليار فيديو وصورة في اليوم الواحد.
فيما تضخ منصة X وحدها بشكل يومي أكثر من 500 مليون تغريدة.
ناهيك عن فيسبوك الذي يضيف ملايين الصور والتحديثات في كل دقيقة.
المهم فإن حجم البيانات المولدة رقميا عبر الإنترنت علي مدار اليوم يقدر بحوالي 402 مليون تيرابايت، تشمل محتوي الفيديو، والنص، والصوت، والوسائط المتعددة، علي كل هذه الشبكات.
غير أن الأولوية تصبح هنا دائما، لا للأهم أو الأصدق، بل للأكثر تفاعلا، وللأشد إثارة.
فالترندات وحدها هي التي تصنع الحقيقة اللحظية، إذ أن المحتوي لا يُقيمُ بصدقه أو بجودته لكن بسرعة انتشاره، وما يصبح ترندا ينظر إليه كأمر واقع، وإن كان زائفا أو سطحيا.
إن العالم الرقمي قد أضحي مرتعا لتبرير كل فعل يرتكبه هذا النوع من الساسة الذين قال عنهم “فلاديمير لينين”: إنهم أكثر الناس قدرة علي الخيانة، لأنهم الأكثر قدرة علي تبريرها.
هؤلاء هم أنفسهم الساسة الذين قيل عنهم: إنهم قابلون لأن يفعلوا أي شيء للحفاظ على أوضاعهم، حتى لو اضطروا لأن يصبحوا وطنيين.
علي أية حال، في مثل هذه السوق المفتوحة يبرر حاليا كثير من الخونة خيانتهم ببراعة، ويصور إسلاميون عقائديون أنفسهم كوطنيين نبلاء، من أجل إستمرار حرب أوقدوا نارها، ويريدون لها أن تبقي مشتعلة رغم فداحة الثمن.
لادراكهم أن وضع ما بعد هذه الحرب، لن يكون كوضع ما كان قبلها.
وأن خوفهم من مترتبات ما بعدها، بات يفوق اليوم حتي الخوف من مجازفتهم الرعناء في بدايتها، بإطلاق رصاصتها الاولي.
ولهذا هم يتشبثون الآن بالزناد الي آخر طلقة أو جندي أو ثانية، لأن إستمرار الحرب بحد ذاته، ربما يمثل لهم آخر أمل في إستمرار سيطرتهم علي البلاد، أو في حلم إستعادة سطوتهم بالكامل عليها، أو للنجاة علي الأقل من شبح نهاية لا يطيقونها، ولا يحتملون تبعاتها، أو حتي مغبة إنتظارها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات