زعماء كبار، استطاعوا أن يدونوا لأنفسهم سجلات باهرة في تاريخ هذا العالم، رغم أنهم ليسوا في نظر أطباء النفس سوى أشخاص مرضى، ومعتلين نفسياً، غير أسوياء بالطبع.
فالزعيم النازي أدولف هتلر على سبيل المثال كان مصاباً بشكل من أشكال جنون العظمة الخطير، الذي بلغ به درجة توهم من خلالها أنه منذور من الغيب لإعلاء شأن الجنس الآري على سائر الأعراق الأخرى.
فأضحى متأثراً بنوع من جنون العظمة المركب، على مستوى ذاته الفردية كقائد تاريخي ملهم، وعلى مستوى ذاته الجمعية كألماني ينحدر من العرق الآري الذي هو بنظره “شعب الله المختار”.
وإلى أن انتهى هذا الرجل في آخر أيام حياته بالوقوع في “عُقدة المسيح”، حيث بات يظن نفسه المسيح وأن القدر أرسله واختصه واصطفاه من أجل أن يقود شعبه المختار، في مهمة حرب صليبية كبيرة ضد الشيطان، متجسداً في أعدائه من اليهود وغير اليهود.
بل إن لوثة مثل هذه لم تكن قاصرة على هتلر فقط، بل إنها قد ألمت بقادة كبار عبر التاريخ، منهم نابليون الذي كان مصاباً أيضاً بجنون العظمة، والإسكندر، وكاليجولا.
فعلماء النفس قد سجلوا عدة حالات تماهى فيها المصابون بجنون العظمة بأنبياء كثر.
بل إن الأدهى من ذلك كله، أن بعض هؤلاء قد تمثلوا من فرط جنونهم حتى مقام خالقهم وخالق الناس.
ومن أولئك نيرون الذي أحرق روما وهو يستمتع بأنغام الموسيقى التي تصدح في قصره، بينما هو يحرق مدينته بيديه.
على أية حال، هو ضرب من الجنون العدواني الشرير والمدمر، الذي يقود ضحاياه لأن يتصوروا أنفسهم أنبياء أو رسلاً أو آلهة من شأنهم أن يغيروا الكون وأن يحطموا الوجود كي يعيدوا بناءه وفق تصوراتهم وكما يريدون.
لكن اليوم بينما يحتضر العالم القديم كشجرة يابسة، تتساقط أوراقها تذروها الرياح.
وفيما يواجه العالم الجديد مخاضاً عسيراً كولادة جبل من رحم البراكين.
يتشكل الآن رويداً رويداً عالم يتخلق، تتبدل فيه تحالفات ما بعد الحرب العالمية الثانية لتستحيل إلى مجرد أشباح، ويتحول الذكاء الاصطناعي عنوان هذا القرن، هو نفسه إلى إله جديد يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ربما يشعل ناره ويتعبدها مجوساً معاصرين جدد.
هنا في هذه اللحظة، يبرز على سطح الأحداث رجل يجيد إلى حد بعيد فن الإدارة بالجنون، شخص يقدم نفسه على أنه الوحيد القادر على إخماد كل الحرائق، في وقت يظهر مع كل يوم يمر قدرة مضاعفة على إشعال مزيد من الحرائق الإضافية، التي ربما لا تقل في خطورتها عن سابقاتها.
هذا الرجل هو دونالد ترامب الذي أعادته الأقدار إلى المكتب البيضاوي، حاملاً في جعبته هذه المرة حلماً لا يهدأ، يتمحور حول قضية واحدة، هي أن تصبح أمريكا أولاً، وأن يصبح هو سيد البيت الأبيض، سيداً على العالم بأسره.
فقد سأله أحد الصحفيين:
لقد قلت سابقاً بأن الله هو من اختارك لهذا المكان لتقوم بما يجب القيام به.
فهل تعتقد أن الله فخور بأفعالك الآن؟
أجاب ترامب وضحكة تعلو وجهه:
أعتقد أن الله فخور بي وبما فعلته لأنني حفظت الكثير من أرواح المسيحيين واليهود.
وللحقيقة فإن ترامب المفتون إلى حد بعيد بحقيقة امتلاكه لأقوى الجيوش، وأفضل أنواع الأسلحة، قد صار حتى عند أقرب حلفائه الأوروبيين، في صورة أفضل نموذج لأسوأ رجل على الأرض.

