الأحد, مارس 1, 2026
الرئيسيةمقالاتالدبلوماسية السودانية وإشكالية الهوية: قراءة نقدية في مسارات الإقصاء وآليات البناء الوطني...

الدبلوماسية السودانية وإشكالية الهوية: قراءة نقدية في مسارات الإقصاء وآليات البناء الوطني (1956-2026)(1 – 3)


دكتور صابر ابوسعدية (افريكا)
(المديرالتنفيذى لمركز ابنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية)

مقدمة
في خضم عالم يضج بالصراعات والتوترات، تبقى الدبلوماسية طوق النجاة الأخير، والسبيل الأرقى لبناء الجسور بين وجهات النظر والمصالح المختلفة. لقد اعتادت البشرية على تعريف الدبلوماسية باعتبارها “فن التفاوض” أو “الحرب اللطيفة على العنف”. إلا أن هذه النظرة المثالية غالباً ما تخفي وجهاً آخر لها؛ فهي ليست مجرد أداة لصنع السلام، بل يمكنها، عبر التاريخ، أن تكون أيضاً أداة لخلق الحروب وتأجيجها، أو على الأقل، لفشلها في إدارة التنوع مما يؤدي إلى انفجارالصراعات.
يهدف هذه دراسة الى تعريف القارئ السودانى بقضية الدبلوماسية عالمياً والإشكالية الجدلية للدبلوماسية عبرالتاريخ، بوصفها قادرة على نسج السلام أو فك أواصر المجتمعات، ثم ينتقل البحث فى الجزء الثانى على كشف حساب الدبلوماسية السودانية الانحيازية منذ الاستقلال و من ثم إلى صياغة تصورلدبلوماسية سودانية عصرية قادرة على بناء مجتمع متصالح ومستقر. حيث كشفت العقود الماضية عن تداعيات فشل الدبلوماسية السودانية دورها السلبى عبر التاريخ فى خدمة الدكتاتوريات و اشعال الحروب و الفتن وعليه كيف ناسس لدبلوماسية سودانية جديدة لتعزيز التفاهم بين الشعوب عبرالتبادل الثقافى وفى ادارة التعدد و التنوع الثقافى و الدينى و العرقى فى السودان .
هذه الدراسة سوف تنشر فى حلقات مصمّمه لتوضيح فن الدبلوماسية بصورةٍ حية: وهو ما من شأنه أن يجذب القارىء او الباحث ويرشده فى الوقت نفسه، كيف نأسس لدبلوماسية من الواقع السودانى مقارنة بالدول التى تاسست على المواطنة و حقوق الانسان (جنوب افريقيا). من اهداف هذه الدراسة شرح كيف يمكن أن تكون للسياسات الدبلوماسية المحنَّكة – كما للتهوُّر و للمغالاة فى الحذر و للحماقة – آثار مهمة على مقدرات الشعوب.
هذه الدراسة ستُبين أن الدبلوماسية كانت – و لاتزال – عنصراً مهماً فى إدارة شئون الدولة السودانية منذ عصرالاستقلال، ومن دون الحنكة الدبلوماسية قد يبقى النجاح السياسى هدفاً صعب المنال فى عصر التقلبات الجيوسياسية الحالى. سنتناول تطور الدبلوماسية الحديثة مع التركيز على بعض النماذج الدبلوماسية الناجحة، نلقى الضوء على دور منظمات المجتمع المدنى التى فتحت آفاقاً جديدة فى ممارسة الدبلوماسية – على سبيل المثال لا الحصرالدبلوماسية الشعبية فى بناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب من خلال التبادل الثقافي والحوار المباشر بين المواطنين، بعيداً عن القنوات الرسمية الحكومية، وتلعب دوراً حيوياً في تعزيز السلام والتعاون الدولي.
الدبلوماسية عبر التاريخ – من صنع السلام إلى خلق الحروب:
لم تكن الدبلوماسية وليدة العصر الحديث، بل تعود اصل كلمة “دبلوماسية” الى قدماء الإغريق؛ فأُطلِقت لفظة الدبلوماسى فى اليونان القديمة، فى الواقع، على الرجل كبيرالسن، ثم استُخدمت فيما بعدُ فى اللغة الفرنسية للاشارة الى عمل المُفاوض و للنشاط الدبلوماسى بلا شك تاريخ طويل، يعود – بمعنى الكلمة – الى آلاف السنين؛ فأول أثرٍ باقٍ يدل على الأنشطة الدبلوماسية هو خطاب نُقش على لوح حجري يعود إلى قرابة 2500 عام قبل الميلاد، عُثر عليه فى المنطقة المعروفة الآن بشمال إيران، كما يؤرّخ ديفيد رينولدز بداية ظهورها الى العصر البرونزى على اقل تقدير، و تكتشف وثائق من عهد حكم إختاتون لمصر، عن عالم من المبعوثين المتنقلين تُحرّكهم قضايا الحرب والسلام. و رغم أنه كان عالماً بدائياً وفقاً لمعايير اليوم، فقد كان شكلاً واضحاً من أشكال الدبلوماسية. وقد تطوَّرت الدبلوماسية منذ صُلح وستفاليا 1648، و الذى وضع حدّا لنزاعات حرب الثلاثين عاماً، وأرسى مبدأ استقلال الدول، و حرية الاعتقاد و التسامح الدينى. بدرجةٍ كبيرةٍ منذ ذاك العهد لتغدوَ لها معانٍ مختلفة تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، بدءاً من تعريفها المنمَّق – تعريف هارولد نيكسون بانها “ادارة العلاقات بين الدول المستقلة عبر المفاوضات” ووصولًا إلى تعريفها غيرالمنمق الذى وضعه وين كاتلين: “فن انتقاء المعسول من الكلام إلى أن تجد حجارة تقذف بها”. واضاف هنرى كسنجر: ” لعبة وحشية تدورحول سياسة القوة”. و مع انهيار الملكية – التى كانت تزعم حقها الالهى فى الحكم – امام الانظمة الملكية الدستورية و الجمهورية، ترسخ أكثر فأكثر إنشاء السفارات و المفوضيات و تبنَّى الدبلوماسية على الطريقة الاوروبية فى جميع انحاء العالم. لكن أيًّا كان تعريفنا للدبلوماسية، لا يشكك كثيرون فى أن مسار الأحداث الكبرى فى الدبلوماسية الدولية الحديثة وعواقبها قد شكَّلت عالمنا الذى نحيا فيه و غيَّرت منه.
يرى باحثو علم الاجتماع أن الدبلوماسيين الأوائل كانوا يتمتعون بصفات بقيت جوهر العمل الدبلوماسي: وهم غير مسلحين، يسعون للإقناع، ويُعتبرون في مأمن من الأذى . لكن تطور المجتمعات من جماعات بدوية إلى إمبراطوريات جعل من الدبلوماسية أداة أكثر تعقيداً – على سبيل المثال لا حصر- تمزقت أوصال الامبراطورية البريطانية فى سبعينيات القرن الثامن عشر، و الأصول الدبلوماسية للحرب العالمية الأولى و معاهدة فرساى التى تلتها و التى قوضت أربع امبراطوريات، الى عصرنا الحالى من أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات، والمنظمات الحكومية الدولية، و السياسات الدبلوماسية التى تنتهجها منظمات المجتمع المدنى التى فتحت آفاقاً جديدة فى ممارسة الدبلوماسية مع تسهيل مشاركة أطراف جديدة.
نقطة التحول فى صنع النظام الدولي:
تاريخيا شكل صلح وستفاليا (1648) نقطة تحول حاسمة في تاريخ الدبلوماسية الأوروبية والعالمية. فبعد حرب الثلاثين عاماً المدمرة، أرست هذه المعاهدات مبدأ السيادة الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما اعترفت بالمذهب البروتستانتي منهية بذلك الحروب الدينية التي مزقت القارة. هنا، لعبت الدبلوماسية دور “صانع السلام” بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لأوروبا على أسس جديدة . ينقسم الدبلوماسية الى شقين الدبلوماسية العامة (الشعبية) تشمل تأسيس علاقة اتصال بين الحكومات و المواطنين – وهو مصطلح صاغه الدبلوماسى الامريكى المحنك إدمون جوليون عام 1965 و هدفها أن تغذيَ الحكومات الرأى العام فى الدول الأخرى، فإن الدبلوماسية العامة تدعم صراحة تفاعل الدوائر الخاصة و المصالح فى دولة مع نظائرها فى دولة اخرى، الأمر الذى يسهله تدفُّق المعلومات و الأفكار عبر حدود الدول. من اهم خصائصها تتسم بالشفافية وتنتقل ممارستها من الحكومات إلى مجتمعات اكبر من المواطنين. اما الشق الثانى الدبلوماسية الرسمية التى تُعنى بممارسات الحكومات و سياساتها الرسمية.
الوجه الآخر للدبلوماسية كأداة لخلق الحروب:
على النقيض من صنع السلام، يمكن للدبلوماسية أن تكون أداة فتاكة لإشعال الصراعات. فتصريح واحد لمسؤول دبلوماسي كبير يمكن أن يخلق أزمات ويوسع الفجوات بين الدول . كما أن المعاهدات نفسها، التي تهدف للسلام، كثيراً ما احتوت على بذور حروب مستقبلية؛ فمعاهدة “توردسيلاس” (1494) التي قسّمت العالم بين البرتغال وإسبانيا، تم تجاهلها لاحقاً من قبل القوى الصاعدة مثل إنجلترا وهولندا مما أشعل صراعات استعمارية جديدة. أما معاهدة فرساي (1919) التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فكانت ببنودها العقابية القاسية ضد ألمانيا أحد الأسباب المباشرة لصعود النازية والحرب العالمية الثانية. هنا تتحول الدبلوماسية من وسيلة لإرساء سلام عادل إلى أداة لفرض إملاءات المنتصر، مما يخلق إحباضاً يتحول إلى حرب لاحقاً.
ثانياً: نحو دبلوماسية عصرية لبناء مجتمع متصالح
مع تعقيدات القرن الحادي والعشرين، وانتشار الصراعات الداخلية على حساب الحروب بين الدول، لم تعد الدبلوماسية التقليدية القائمة على القنوات الرسمية فقط كافية. هنا يبرز مفهوم “الدبلوماسية متعددة المسارات” (Multi-Track Diplomacy) التي تشمل، إلى جانب الدبلوماسيين الرسميين، دور الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام في بناء السلام . لكي تنجح هذه الدبلوماسية العصرية في مجتمعات متعددة، يجب أن تقوم على أسس متينة:
-الانتقال من الهوية الفرعية إلى المواطنة الشاملة: المشكلة في المجتمعات المتعددة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في إدارته. غالباً ما يلجأ المواطن إلى هويته الفرعية (القبلية، العرقية، الدينية) عندما يشعر بالإقصاء أو التهميش . الدبلوماسية العصرية يجب أن تعمل على بناء “دولة للجميع” تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، حيث تكون الهوية الوطنية جامعة لكل الهويات الأخرى. الدولة يجب أن لا تتبنى ديناً أو عرقاً معيناً، بل تحمي الجميع .
-الاعتراف بالآخر وتعزيز ثقافة التعايش: التعايش ليس موقفاً سلبياً، بل عملية تفاعل إيجابي وقبول اجتماعي واعتراف متبادل. يحتاج هذا إلى أطر دستورية وقانونية راسخة، وإلى استراتيجيات إعلامية تعزز خطاب التسامح وتفكك خطاب الكراهية، حيث يمكن للإعلام أن يكون “جسراً لبناء التفاهم بين المجتمعات” .
-الحوار المستمر كآلية مؤسسية: المبادرات المحلية التي يقودها فاعلون مجتمعيون هي الأكثر نجاحاً في إعادة بناء الثقة، لأنها تستند إلى معرفة ميدانية وشرعية مجتمعية. يجب أن تتحول ثقافة الحوار من رد فعل للأزمات إلى مؤسسة دائمة تعمل في أوقات السلم قبل الحرب .
ثالثاً: السودان نموذجاً – تنوع غير مُدار يتحول إلى حروب أهلية

يشكل السودان نموذجاً صارخاً لتحول التعددية غير المدارة إلى حروب أهلية مستدامة. تمثل الفترة من الاستقلال فى 1 يناير
1956 المرحلة التاسيسية للدبلوماسية السودانية، حيث ورثت الدولة الفتية تحديات معقدة تمثلت فى أزمة الهوية، و الصراع حول الدستور، و مشكلة الجنوب، و معضلة التنمية، إضافة إلى الصراعات الأيديولوجية بين الاحزاب اليمينية و اليسارية و بين الديمقراطيين و الشموليين . يمكن تقسيم الى ثلاثة فترات رئيسية:
اولاً: دبلوماسية الديمقراطية الاولى (1956 -1958): عند الاستقلال ، ورثت الدبلوماسية السودانية اشكاليات جوهرية، ابرزها وضع الخدمة المدنية حيث تم استبدال الاداريين البريطانيين بسودانيين من الشمال فقط، مما خلق استياء جنوبياً .
كما واجهت البلاد أزمة دستورية حيث لم يتم الاتفاق على نمط الحكم (نيابى بريطانى أم رئاسى امريكى) و تم اعتماد دستور مؤقت لحين إقرار دستور دائم الذى لم يرى النور الى يومنا هذا.
شهدت الفترة محاولة للتوجه غرباً، حيث بدأت محادثات مع الولايات النتحدة منتصف 1957 و صدق البرلمان على اتفاقية مساعدات أمريكية فى يوليو 1958، بهدف تنويع الاقتصاد السودانى و تطوير البنية التحتية. لكن هذا التوجه قوبل بمعارضة داخلية من حزب الشعب الديمقراطى تحديدا. على ضوء هذه الانقسامات حول السياسة الخارجية عكست صراعاً ايديولوجيا أعمق داخل النخبة السياسية وكان سبب مباشرلانقلاب الجنرال عبود فى 17 نوفمبر1958
ثانياً: الدبلوماسية فى عهد حكم ابراهيم عبود (1958-1964): اتسمت دبلوماسية عبود بالبراغماتية، حيث سارع إلى حل الخلافات مع مصر بشأن مياة النيل. لكن سياساته الاقتصادية استلهمت النموذج الناصرى، مما اثار غضب التيارات اليسارية اكبر إخفاقات دبلوماسية عبود كانت فى التعامل مع مشكلة الجنوب. اتبع سياسات القمع و التكتم، مما فاقم الازمة وادى إلى اندلاع الحرب الاهلية. هذا الفشل كان سبباً مباشراً فلى ثورة أكتوبر 1964.
ثالثاً: الدبلوماسية فى عهد الحكم الديمقراطى الثانى (1964-1969)
شهدت هذه الفترة استمرار الصراعات بين الاحزاب التقليدية (الأمة والاتحادى) و التيارات الايديولوجية (الشيوعى، الإخوان، البعث) هذه الانقسام انعكس سلباً على السياسة الخارجية، فاستمر التذبذب بين التوجه العربى و الافريقى، و بين التحالفات الشرقية و الغربية. من ابرز ملامح هذه الفترة مؤتمر المائدة المستديرة(مارس 1965) يمثل هذا المؤتمر محاولة دبلوماسية داخلية فريدة بحضور إقليمى و دولى لمناقشة قضية الجنوب باعتراف مبتكر بانها ازمة وطنية لا مجرد “دسيسة استعمارية”. لكن رفض حركة “انانيا” المسلحة لوقف إطلاق النار حال دون نجاحه.
يمكن القول إن الدبلوماسية السودانية فى هذه الفترة عكست بدقة حالة الدولة من إخفاقات بنيوية تمثلت فى غياب رؤية استراتيجية واضحة بسبب الصراع على الهوية، و هيمنة النخبة الشمالية المركزية على صنع القرار الخارجى مع تهميش الاصوات الاقاليم الاخرى، و ارتهان الدبلوماسية للصراعات الداخلية و الانقسامات الحزبية.
دبلوماسية اتفاقة سلام أديس أبابا 1972:
كانت الدبلوماسية هى القلب النابض لاتفاقية اديس ابابا 1972، جيث لعبت دوراً محورياً فى إنجاحه لمدة عشرة سنوات وكانت نموذجاً أولياً لإدارة الأزمة في مجتمع متعدد. و التى نصت على منح الجنوب حكماً ذاتياً فيدرالياً، وإنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية جنوبية، وتطبيق مبدأ التمثيل النسبي للجنوبيين في المؤسسات المركزية. بل واعترفت الحكومة بالتباين الثقافي وحق الجنوب في تطوير ثقافاته و رددنا اغانى السلام (مافى شمال بدون جنوب ومافى جنوب بدون شمال كلنا اخوان). السؤال كيف نجحت الاتفاقية دبلوماسياً فى وقف الحرب؟ الاجابة هى دورالدبلوماسية مبتكرة لرأب الصدع بعد 17 عاماً من الحربز تمثل هذا الدور فى ثلاثة مسارات رئيسية:
• وساطة دينية غير تقليدية: لعب مجلس الكنائس العالمى و مجلس كنائس عموم افريقيا دوراً ريادياً كوسيط محايد . قدما المبادرة فى مايو 1970 و هيئا الارضية للقاءات السرية بين وفدى الحكومة و الحركة المسلحة بقيادة الجنرال جوزيف لاقو( 2021).
• احتضان إقليمى حاسم: وفر الإمبراطور هيلا سلاسى منصة التفاوض برعاية اثيوبية مباشرة. هذا الاحتضان أعطى الاتفاقية شرعية إقليمية ووفر غطاء سياسياً و دبلوماسياً للطرفين للوصول إلى حل وسط.
• الدور الايجابى لشخصيات دبلوماسية مؤثرة: هنا لم تقتصر الدبلوماسية على الدول، بل امتدت إلى خبراء قانونيين، مثل الخبير البريطانى السير دنقل فوت الذى عمل مستشاراً لوفد الحركة، مما ساعد فى صياغة نصوص قانونية محكمة للحكم الذاتى (أبيل ألير).
اذا لماذا فشلت الاتفاقية بعد كل هذا الجهد؟ هل بسبب عيوب في نصها ام كان بسبب غياب إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها. إذا كانت الدبلوماسية قد بنت الاتفاقية، فإن غيابها هو من هدمه. وعليه فشل الاتفاقية لم ياتِ بين ليلة و ضحاها، بل كان نتيجة تراكمات دبلوماسية و سياسية:
1- تحولات اقليمية و دولية: لقد تغيرت خرائط التحالفات فى المنطقة. تقارب الرئيس نميرى مع انور السادات بعد حرب أكتوبر1973، تحالفه مع الشاه إيران، قلص من هامش المناورة الدبلوماسية و أضعف الحاجة الملحة للحفاظ على الدعم الغربى الذى ساعد فى إنجاح الاتفاقية.
2- تقويض داخلى للاتفاقية: النجاح الدبلوماسى الاكبر على توقيع الاتفاقية قوبل بفشل دبلوماسى تنفيذى – قيام نميرى عام 1977 بتحالفات مع احزاب شمالية تحت مسمى” الجبهة الوطنية” دفعه تدريجياً للتراجع عن التزماته تجاه الجنوب، متجاهلا آليات التشاور المتفق عليها.
3- الانهيار الأحادى: الذروة كانت فى عام 1983 عندما قام نميرى، عبر قرارات فردية، بتقسيم الاقليم الجنوبى إلى ثلاثة مديريات منفصلة، و اصدر قوانين سبتمبر التى فرضت الشريعة الاسلامية. هذه الأفعال احادية الجانب قضت على روح الاتفاقية الدبوماسية التى كانت تقوم على الشراكة و الثقة المتبادلة.
كان هذا القرار الأحادي بمثابة إعلان حرب على التنوع، وأشعل الحرب الأهلية الثانية التي استمرت عقدين من الزمن . هنا نرى نموذجاً لفشل “الدبلوماسية الداخلية” وتحولها إلى أداة لخلق الحرب.
ماذا تعلمنا من فشل اتفاقية اديس ابابا؟ الاجابة بان الدبلوماسية لا تنتهى بتوقيع الاتفاقية، بل يجب المتابعة المستمرة لحل النزاعات قبل تفاقمها، مع وجود شبكة أمان اقليمية و دولية قوية تمنع أى طرف من التفرد بالقرارات السيادية. بالاضافة لآليات تنفيذ واضحة لاتترك النصوص عرضة للتأويل او التعديل الاحادى.
فى ختام هذا التحليل لمسار الدبلوماسية السودانية منذ الاستقلال حتى سقوط نميرى، يمكن القول إن هذه الفترة مثلت مخاضاً عسيراً لدولة حديثة التكوين، عكست فيه الدبلوماسية – كغيرها من مؤسسات الدولة – حالة التمزق و البحث عن هوية، و غياب المشروع الوطنى الجامع لان الدولة نفسها كانت عاجزة عن تحديد هويتها (عربية؟ إفريقية؟ إسلامية؟ علمانية؟). عجزت الدبلوماسية السودانية عن بناء علاقات متوازية مع المحيطين الافريقى و العربى. انغمست فى صراعات إقليمية دون أن تحمى مصالحها الوطنية. تجاهلت العمق الافريقى لصالح أوهام “العروبة السياسية” مما افقدها اوراق ضغط مهمة و جعلها تابعة لا شريكة فى التحالفات الاقليمية.
نواصل فى الحلقات القادمة عهد الدبلوماسية الانحيازية الاسلاموية، عهد التمكين و السقوط العمودى للدبلوماسية السودانية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات