الخميس, فبراير 12, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالدولة الإثنية وإدارة المخاطر المركّبة: تحليل لاستقرار النظام السياسي في إثيوبيا

الدولة الإثنية وإدارة المخاطر المركّبة: تحليل لاستقرار النظام السياسي في إثيوبيا

ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الإفريقية – مركز تقدم للسياسات
تقديم:
تشهد العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا تصعيداً ملحوظاً في الخطاب السياسي والأمني، في ظل تبادل اتهامات رسمية بشأن العدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة عبر الحدود، بالتوازي مع تنامي نقاشات داخلية وإقليمية تشكك في قدرة الحكومة الفيدرالية الإثيوبية على الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها. ويأتي ذلك في سياق إقليمي مضطرب تتداخل فيه تداعيات الحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في القرن الإفريقي، والرهانات الاستراتيجية المرتبطة بسد النهضة ومسألة الوصول إلى البحر الأحمر.
تنطلق هذه الورقة من قراءة المعطيات السياسية والأمنية المتاحة وتحليلات الخبراء والتقارير الإعلامية الدولية، لتفكيك محددات القوة والضعف في بنية النظام الإثيوبي، وتقدير قدرة حكومة آبي أحمد على إدارة المخاطر المتراكبة داخلياً وخارجياً.
المعطيات:
اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية إريتريا، في رسالة رسمية، بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، حيث أفاد وزير الخارجية جديون تيموثيوس في رسالة بتاريخ 7 فبراير لنظيره الإريتري عثمان صالح بأن القوات الإريترية احتلت أراضي إثيوبية على امتداد أجزاء من الحدود المشتركة لفترات طويلة، وقدمت دعماً مادياً لجماعات مسلحة ناشطة داخل البلاد، مشيراً إلى تصعيد إضافي تمثل في مناورات عسكرية مشتركة قرب الحدود الشمالية الغربية. وفي المقابل أكد الجانب الإثيوبي استعداده للحوار المشروط باحترام وحدة الأراضي، بما يشمل مناقشة ملفات حساسة مثل الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب.
رفضت وزارة الإعلام الإريترية هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها ملفقة وتشكل جزءاً من حملة عدائية سياسية، مؤكدة عدم رغبتها في تفاقم التوتر.
وفي سياق متصل، أفاد تقرير إعلامي دولي بأن السلطات الإثيوبية أنشأت معسكراً تدريبياً مرتبطاً بقوات الدعم السريع السودانية قرب الحدود، مع تحديثات لوجستية وعسكرية في المنطقة منذ عام 2025، الأمر الذي فُسّر ضمن بيئة اصطفافات إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات الأمن الحدودي والمنافسة الجيوسياسية.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الاشتباكات الداخلية بين الجيش وقوى منشقة في إقليمي تيغراي وأمهرة، ما يعيد طرح التساؤلات بشأن قدرة الدولة الفيدرالية على ضبط التوازنات الداخلية ومنع تآكل سلطتها المركزية.
التحليل:

  • يستند نظام آبي أحمد إلى مجموعة مركبة من عناصر القوة التي تفسر قدرته على الصمود رغم الاضطرابات، ويتمثل العامل البنيوي الأبرز في استمرار السيطرة المؤسسية على أجهزة الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية والأمنية التي أعيدت هيكلتها بعد حرب تيغراي، بما حافظ على مركزية القرار ومنع تشكل تحالفات مسلحة واسعة تهدد السلطة المركزية، وهو عامل يعده خبراء القرن الإفريقي محدداً أساسياً لاستقرار الأنظمة في الدول متعددة الإثنيات. كما يتمتع النظام بدرجة معتبرة من الشرعية الدولية والإقليمية عبر علاقاته مع الشركاء والمؤسسات المالية، ما يوفر مظلة دبلوماسية تقلل احتمالات عزله وتحد من شرعنة أي دعم خارجي للمعارضة المسلحة، إضافة إلى نجاح نسبي في إدارة التوازنات الإثنية عبر إعادة تشكيل التحالفات السياسية خارج الهيمنة التقليدية لجبهة تيغراي، بما حال دون نشوء محور إثني جامع معارض للمركز.
  • يعزز هذه العناصر الموقع الجيوسياسي لإثيوبيا بوصفها دولة محورية في القرن الإفريقي وشريكاً دولياً في ملفات الأمن والهجرة والاستقرار، ما يدفع القوى الدولية إلى تفضيل استقرارها، فضلاً عن الرصيد التعبوي المرتبط بمشاريع البنية التحتية وسد النهضة الذي يمثل رمزاً سيادياً وطنياً يعزز شرعية القيادة داخلياً.
  • في المقابل، ينبغي قراءة التدخلات الإريترية المحتملة ضمن حدودها الواقعية، إذ تشير التحليلات إلى أن قدرة أسمرة على التأثير تظل مقيدة بمواردها وبالكلفة الاستراتيجية لأي انخراط مباشر، بينما تُظهر التجارب التاريخية أن مصادر التهديد البنيوي للدولة الإثيوبية تنبع أساساً من الداخل، حيث يشكل العامل الإثني والتمرد المسلح المحدد الرئيس لزعزعة الاستقرار، ما يجعل أي دعم خارجي عاملاً مضاعفاً للأزمات وليس صانعاً لها ما لم يتقاطع مع تفكك داخلي واسع.
  • غير أن بنية الدولة الإثنية ذاتها تمثل في الوقت نفسه نقطة ضعف جوهرية، إذ إن احتمال تزامن صدامات واسعة بين الأمهرة والتيغراي والأورومو قد يعيد إنتاج سيناريوهات الانفجار الداخلي، خاصة مع بقاء ملفات أمنية عالقة بعد اتفاق سلام تيغراي، الأمر الذي قد يستنزف الجيش ويضاعف الضغط في حال نشوب مواجهة مباشرة مع إريتريا أو تفاقم التوترات على الحدود السودانية.
  • كما يتصل ذلك بإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية حول إثيوبيا، في ظل اصطفافات مرتبطة بسد النهضة ومسألة الوصول البحري، بما يحول أي احتكاك حدودي إلى ملف استراتيجي يتجاوز الإطار الأمني التقليدي، إضافة إلى موقع البلاد في قلب تنافس إقليمي وخليجي متصاعد.
  • يشكل العامل الاقتصادي بدوره مصدر ضغط بنيوي، مع استمرار أزمة النقد الأجنبي والتضخم والاعتماد على التمويل الخارجي، ما يجعل أي اضطراب أمني واسع تهديداً مباشراً للاستقرار المالي ويزيد كلفة إدارة الدولة.
    الخلاصات:
    ** تشير القراءة إلى أن استقرار النظام الإثيوبي لا يتحدد عبر متغير واحد، بل عبر تفاعل معقد بين عناصر القوة المؤسسية والهشاشة البنيوية. فلا تظهر مؤشرات انهيار وشيك، إلا أن بنية المخاطر المتصاعدة تجعل الدولة في حالة توازن حساس يعتمد على قدرتها على منع التقاء الضغوط الداخلية والاقتصادية والإقليمية في نقطة زمنية واحدة. وبذلك، فإن التحدي المركزي أمام القيادة الإثيوبية لا يكمن في مواجهة تهديد منفرد، بل في إدارة التزامن بين أزمات متعددة قد يؤدي تقاطعها إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية للدولة في المدى المتوسط.
    **لا تبدو إثيوبيا على حافة تفكك وشيك، لكنها تقف عند توازن دقيق يعتمد استمراره على قدرة القيادة على منع التقاء الضغوط الداخلية والاقتصادية والإقليمية في لحظة واحدة، وهي المهمة التي ستحدد مستقبل الاستقرار السياسي للدولة في المدى المتوسط.
    **في المقابل، تكشف طبيعة الفيدرالية الإثنية عن هشاشة كامنة، إذ إن احتمال تزامن التوترات بين الأقاليم الرئيسية قد يعيد إنتاج أنماط التفكك التاريخي، خاصة في ظل ملفات أمنية غير محسومة بعد اتفاقيات السلام. ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع إمكانية انزلاق العلاقة مع إريتريا نحو مواجهة مفتوحة، أو مع توسع الضغوط على الحدود السودانية، ما يضاعف عبء الانتشار العسكري ويختبر قدرة الدولة على إدارة المخاطر متعددة الجبهات.
    **يضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي، حيث تشكل هشاشة الموارد الأجنبية والتضخم والاعتماد على التمويل الخارجي عامل ضغط بنيوي يجعل الاستقرار الأمني شرطاً ضرورياً للاستقرار.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات