السودان بين محورين: قراءة في موقع الجيش والدعم السريع على خريطة التحالفات التي عرضها نتنياهو

0
15
السودان بين محورين: قراءة في موقع الجيش والدعم السريع على خريطة التحالفات التي عرضها نتنياهو
السودان بين محورين: قراءة في موقع الجيش والدعم السريع على خريطة التحالفات التي عرضها نتنياهو

السودان بين محورين: قراءة في موقع الجيش والدعم السريع على خريطة التحالفات التي عرضها نتنياهو

ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن.

تقديم:

خلال تقديمه إحاطة إعلامية عن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي الجديد، يوم الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة تحمل شعار مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية. تضع الخريطة إثيوبيا وأرض الصومال وبونتلاند ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دائرة أصدقاء محوره، مقابل إريتريا والصومال ومناطق سيطرة الجيش السوداني في دائرة أصدقاء المحور السعودي–المصري–التركي–الباكستاني، أو ما تسميه الخريطة “الماسة السنية”. وترسم الخريطة خط تقسيم جغرافي يمتد من غرب السودان عبر إثيوبيا وصولًا إلى خليج عدن، كساحة نشاط إسرائيلية لمجابهة التهديدات الرئيسية.

تحليل:

تصنّف الخريطة الحكومة السودانية بقيادة قائد الجيش ضمن الدائرة القريبة من المحور السعودي–المصري–التركي–الباكستاني، وتضع مناطق سيطرة الدعم السريع في دائرة أصدقاء المحور الإسرائيلي. وتتعامل مع الدعم السريع بوصفه وحدة جيوسياسية قائمة بذاتها، أي فاعلًا شبه دولي له اصطفاف خارجي، لا طرفًا متمردًا في حرب أهلية. ويتسق هذا التعريف مع مشروع الحكومة الموازية الذي يسعى إليه الدعم السريع وحلفاؤه في تحالف تأسيس، ويمنحه رمزيًا ما لم يمنحه إياه أي اعتراف رسمي.

وتعكس الخريطة وتصريحات نتنياهو اصطفافات الحرب السودانية ومواقع الأطراف من التنافس السعودي–الإماراتي، أكثر مما تعكس موقفها من التطبيع مع إسرائيل. فامتلاك علاقات سابقة مع إسرائيل لا يضمن بالضرورة وجود الجيش بقيادة البرهان داخل الدائرة الاستراتيجية الإسرائيلية، بعد أن أصبحت أولويته الحفاظ على الجيش السوداني ومؤسسات الدولة، وتعزيز شرعيته، وموقعه العسكري، والسياسي. وفي هذا السياق، اكتسبت علاقاته مع مصر والسعودية وتركيا أهمية استراتيجية تفوق، في المدى المباشر، أهمية استكمال التطبيع والالتزام باشتراطاته، لذلك لا يمكن قراءة وجوده ضمن المحور السعودي كتصنيف نهائي أو كموقف ثابت من إسرائيل، وإنما كتعبير عن مركز ثقله الإقليمي خلال الحرب؛ لأن إسرائيل تقيس الاصطفاف الفعلي الآني لأطراف الحرب السودانية، لا الالتزامات الدبلوماسية التي لم تنفذ. كما أن التشكيلات العسكرية المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية والنظام السابق، وأبرزها كتائب مثل “البراء بن مالك” التي تقاتل مع الجيش، تنسجم مع التصور الإسرائيلي الذي صاغه نتنياهو منذ فبراير 2026، والذي يصنّف السداسية محورًا سنيًا تعتبره إسرائيل حاضنة للإسلام السياسي ولتيار الإخوان.

ويُثير إدراج السودان ضمن المحور السعودي–المصري–التركي–الباكستاني، رغم التعاون العسكري القائم بين الجيش السوداني وإيران، تساؤلات بشأن المعايير التي اعتمدتها المقاربة الإسرائيلية للتحالفات الإقليمية. ويبدو أن التصنيف يستند إلى مركز الثقل السياسي والاستراتيجي للسودان في شبكة العلاقات الإقليمية أكثر من استناده إلى مصادر تسليح الجيش السوداني، إلى جانب فعالية القوى الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش، والمحسوبة على تيار الإسلام السياسي السني، وهو أقرب إلى ما تسميه إسرائيل “المحور السني” منه إلى محور طهران. والأمر الآخر أن أعضاء المحور الإيراني في الخريطة – حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية – يرتبطون بإيران عقائديًا وتنظيميًا، ويشكّلون جزءًا من منظومة قيادة وتمويل متكاملة، أما الجيش السوداني فعلاقته بطهران تعاقدية، يحصل على مسيّرات وعتاد عسكري، دون أي التزام عقائدي أو دور في مشروع إيران الإقليمي.

الخلاصة:

– تُظهر الخريطة أن التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي والغربي بات يتعامل مع السودان بوصفه كيانين لا دولة واحدة، وأن الحرب السودانية أصبحت عمليًا جبهة في صراع المحورين على البحر الأحمر والقرن الأفريقي, والخطر السياسي الحقيقي أن يتحول هذا التوصيف إلى تطبيع ذهني لفكرة التقسيم.

– لم يعد لتوقيع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان على مسار التطبيع بعد لقائه نتنياهو عام 2020 وزن فعلي في الحسابات الإسرائيلية، إذ أصبح الاصطفاف الإقليمي للراعي هو المحدد، لا الاتفاقات الموقعة.

– يعكس نتنياهو غرضًا استراتيجيًا من خلال استصحابه خارطة التحالفات، يتمثل في إظهار إسرائيل قوة إقليمية تسعى إلى بناء شبكات تحالفات لموازنة مراكز القوة المنافسة، وغرضًا انتخابيًا يتمثل في إعادة تقديم نتنياهو باعتباره القائد الأقدر على إدارة المرحلة الأمنية المقبلة.

– تفصل الخريطة التي عرضها نتنياهو الدولة السودانية بين قائدي الجيش وقوات الدعم السريع، وتضعهما ضمن اصطفافين إقليميين مختلفين: البرهان في دائرة التقارب مع السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وحميدتي في دائرة التقارب مع إسرائيل والإمارات.

– لا تظهر قوات الدعم السريع في الخريطة مجرد قوة مسلحة تتنافس مع الجيش السوداني على السلطة، بل بوصفها جزءًا من شبكة مصالح إقليمية أوسع، وجزءًا من التنافس بين القوى الإقليمية على النفوذ والممرات الاستراتيجية.

– تشكّل الخريطة لقوات الدعم السريع سلاحًا ذا حدين: من جهة، اعتراف ضمني بأنها صارت رقمًا إقليميًا، ومن جهة أخرى، كلفة سياسية عالية في الرأي العام العربي والسوداني.

– تعكس الخريطة التي عرضها نتنياهو معادلة إقليمية مختلفة، لم يعد فيها الاصطفاف يُحدَّد على أساس اتفاقات التطبيع السابقة، بل وفق شبكة التحالفات والدعم السياسي والعسكري التي أفرزتها الحرب السودانية.

– يُعدّ عرض الخريطة في استعراض نتنياهو لمفهوم الأمن القومي الجديد مؤشرًا إلى تصور استراتيجي إسرائيلي يربط القوى المحلية في السودان واليمن وليبيا والصومال بالتنافس على النفوذ البحري والبري، ويكشف عن اهتمام إسرائيلي بنتائج الصراع السوداني.