الأربعاء, مارس 18, 2026
الرئيسيةمقالاتالواقواق وديك العِدّة -حكاية الأعشاش التي تُسرق باسم الحماية -

الواقواق وديك العِدّة -حكاية الأعشاش التي تُسرق باسم الحماية –

بقلم: مازن أبو الحسن

في تلك الغابة، لم تكن العلاقات بين الطيور كلها هادئة.
فالعصافير الصغيرة والغراب الكبير ورثوا عن أسلافهم خلافات قديمة؛ قصصًا عن تنافس على الأغصان وممرات الماء ومناطق الغذاء. ومع الزمن تحوّلت تلك القصص إلى شك متبادل، حتى وإن لم تكن العداوة حاضرة دائمًا في الواقع.

وكان يمكن لتلك الحكايات القديمة أن تبقى مجرد ذكريات لو وُجد من يمدّ الجسور ويطمئن القلوب.
لكن بدلاً من ذلك، ظهر من يذكّر العصافير بالخلافات كلما هدأت الغابة، ويضخم قصص الماضي حتى تبدو كأنها خطر حاضر.

وهكذا بقيت المسافة بين العصافير والغراب… تنتظر من يستغلها.
.

الواقواق… صاحب النبوءة

في أطراف الغابة كان يعيش طائر الواقواق، يحمل في ذاكرته خرافة قديمة ورثها عن أجداده.
كانوا يرددون له أنه الطائر المختار، وأن الغابة خُلقت في النهاية ليحقق نبوءة تقول إن الأعشاش الكثيرة ستصبح يومًا تحت ظل عشّه.

كبر الواقواق وهو يؤمن أن تلك الحكاية ليست خرافة، بل قدر.

ولذلك لم يكن يبني عشّه بجهده.

كان يفعل ما اعتاده أسلافه: يضع بيضته في عش طائر آخر، ويتركه يحتضنها.

وحين تفقس البيضة، يخرج فرخ الواقواق قويًّا قاسيًا.
يدفع البيض الآخر خارج العش، أو يرمي الفراخ الصغيرة إلى الأرض حيث الهلاك.
ثم يبقى وحده في العش، يأكل الطعام كله وينمو سريعًا، بينما العصفور المسكين يظن أنه يربي أحد أبنائه.

وهكذا يبدأ الاستيلاء… ببيضة.
.

العشّ الذي في الوسط

في قلب الغابة كان هناك عش يقع في وسط إثنان وعشرين عشاً لعصافير مختلفة.

كان العش الأوسط ذا مكانة خاصة بين الأعشاش، كأنه قلب الغابة وروحها.
وفي صباح هادئ، وضع الواقواق بيضته هناك.

فقست البيضة، وكبر الفرخ، وسقطت الفراخ الأخرى من العش واحدًا بعد الآخر.
وبعد سنوات، صار العش كله له.

لكن الواقواق، حين اشتدّ عوده، لم يكتف بالعشّ الواحد.
نظر إلى الأعشاش الأخرى وقال في نفسه:

“هذه الغابة كلها جزء من الحكاية التي وعد بها أجدادي.”
.

الغراب… الحارس القلق

غير بعيد عن الأعشاش كان يعيش غراب أقوى من العصافير.

كان يرى الواقواق طائرًا دخيلًا جاء من خارج الغابة، ويعرف جيدًا حيله القديمة.
ولذلك بدأ يبني أعشاشًا محصّنة، ويضع حولها الأغصان الشائكة، ويتحين الفرصة ليمنع الواقواق من التمدد.

كان يقول:

“إن لم نوقفه اليوم… فلن يبقى غدًا عش واحد لأصحابه.”

لكن صوته كان يضيع وسط الضجيج.
.

ديك العِدّة

وفي الأغصان العالية وقف ديك العِدّة.

تعرفه الطيور من المثل القديم:
يقف فوق الأواني النظيفة المغسولة.

إن تركته يوسّخها، وإن حاولت إبعاده قد يكسرها.

كان الديك مفتونًا بقوته الجسدية وصوته العالي، ويحب أن ترى العصافير فيه الحارس القوي.

اقترب منه الواقواق يومًا وقال له:
“هذه الأعشاش ضعيفة… والغراب قد يهاجمها يومًا.
ابقَ هنا لتحميها.”

أعجب الديك بالفكرة.

فوقف على غصن عالي يطل على سبعة أعشاش مليئة بالغذاء الوفير، وأعلن نفسه حارسًا لها.
ومنذ ذلك اليوم بدأت العصافير تقدم له الطعام والهبات، نظير الحماية التي وعد بها.

لكن العصافير كانت تخشى شيئًا آخر أيضًا:
لو طلبت منه الرحيل… قد يدمّر أعشاشها بقدميه القويتين.
.

التحالف

لم يكن الواقواق بحاجة إلى قوة… بل إلى غطاء.

وجود الديك في المكان كان يعني أن الواقواق يستطيع التحرك بحرية.

وحين جاء الحديث عن الغراب، قال الواقواق:

“الغابة لن تنعم بالأمان ما دام الغراب موجودًا.”

فاتفق الاثنان على خطة:
مهاجمة عش الغراب من جهتين.

قالوا إن ذلك لحماية الغابة…

لكن الهدف الحقيقي كان فتح الطريق أمام الواقواق.
.

العصافير المغلوبة

أما العصافير فكانت مغلوبة على أمرها.

بعضها يخشى الغراب.
وبعضها يخشى الديك.
وكثير منها لا يفهم أصل الحكاية.

قالت عصفورة عجوز يومًا:
“الغابة لم تكن هكذا من قبل.
كنا نخاف العواصف… لا الحراس.”

لكن صوتها ضاع وسط صياح الديك وخطب الواقواق عن النبوءة القديمة.
.

الحكاية التي تتكرر

وفي النهاية بدأت بعض العصافير تفهم أن المشكلة لم تبدأ بالغراب.

بل بدأت يوم وُضعت بيضة الواقواق في العش الأول…
ويوم وقف ديك العِدّة فوق الأواني النظيفة للأعشاش السبعة بحجة حراستها.

فالواقواق كان يؤمن أنه الطائر المختار.
والديك كان مفتونًا بقوته.
والغراب كان يحاول حماية مكانه.
أما العصافير… فكانت تدفع الثمن.

وهكذا تبقى الغابة معلّقة بين سؤالين:

هل ستظل الطيور تصدّق خرافة الطائر المختار؟
أم تدرك يومًا أن حماية الأعشاش لا تكون بديك يقف فوقها…
ولا بواقواق يضع بيضه فيها؟

مازن أبو الحسن
فيلادلفيا، المتحدة الأمريكية
18 مارس 2026

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات