ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات لندن
تقديم
أثار تصاعد التوتر بين المملكة العربية السعودية وقوات الدعم السريع احتمال إنهاء أحد أوجه العلاقة العسكرية التي استمرت بين الطرفين منذ عام 2017 حتى الآن، ورغم اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023. ويأتي هذا التطور في لحظة تتزامن فيها الضغوط العسكرية على قوات محمد حمدان دقلو داخل السودان مع عودة المواجهة العسكرية بين السعودية وجماعة أنصار الله في اليمن. ويفتح الخلاف الراهن مسارين متوازيين: الأول يتعلق بمستقبل العلاقة السياسية بين الرياض والدعم السريع، والثاني بتأثير عودة محتملة لآلاف المقاتلين على بعض جبهات الحرب السودانية، في مقابل ما قد يتركه خروجهم من ضغط على الانتشار البري السعودي في الجنوب.
تحليل
بدأ التوتر عقب كلمة المندوب الدائم للسعودية لدى الأمم المتحدة، عبد العزيز الواصل، أمام مجلس الأمن في 25 أغسطس/آب 2026، خلال جلسة تناولت الوضع الإنساني في السودان، حيث أدان هجمات وانتهاكات قوات الدعم السريع ضد المدنيين. وحملت اللهجة السعودية دلالة سياسية مهمة بالنسبة إلى قيادة الدعم السريع؛ فمنذ اندلاع الحرب، سعت الرياض إلى تقديم نفسها وسيطاً من خلال منبر جدة، وتجنبت لفترة طويلة اتخاذ مواقف يمكن تفسيرها باعتبارها انحيازاً صريحاً إلى أحد طرفي الحرب.
أفادت مصادر صحفية بأن عناصر من الدعم السريع العاملين ضمن قوات التحالف في السعودية انسحبوا من بعض المواقع الأمامية القريبة من الحدود اليمنية، وأعيد تجميعهم داخل معسكراتهم بانتظار تعليمات القيادة. وتحدثت المصادر نفسها عن استياء قيادة الدعم السريع من الموقف السعودي، وعن تنامي اتجاه داخل القوة يدعو إلى إنهاء مشاركتها في التحالف والانسحاب من الأراضي السعودية. كما تؤكد تقارير تمسك حميدتي بخيار الانسحاب رغم اتصالات ووساطات من أطراف مشاركة في التحالف، وأن قيادة الدعم السريع وجهت قائد قواتها في السعودية بالشروع في ترتيبات الانسحاب.
يقدر عدد عناصر الدعم السريع الموجودين في السعودية بنحو خمسة آلاف مقاتل، شارك بعضهم لسنوات طويلة في العمليات المرتبطة بالحرب اليمنية. ولا تكمن أهمية هذه القوة في حجمها العددي وحده، وإنما في الخبرة المتراكمة لدى جزء من عناصرها نتيجة سنوات من الانتشار العسكري والتعامل مع بيئة حدودية معقدة، شملت مراقبة الحدود ومنع محاولات تسلل الحوثيين. وبالنسبة إلى الدعم السريع، يمكن أن تعني عودة عدة آلاف من هؤلاء المقاتلين استعادة قوة منظمة وجاهزة للقتال، بدلاً من الاعتماد بصورة أكبر على التجنيد الجديد. وتزداد أهمية ذلك مع اتساع مسارح العمليات التي يتعين على الدعم السريع وحلفائه تغطيتها بين دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إلى جانب حماية طرق الإمداد والمواقع الخلفية.
وأثارت زيارة حميدتي الأخيرة غير المعلنة إلى إثيوبيا في 26 أغسطس/آب 2026 تكهنات حول احتمال ارتباطها ببحث ترتيبات سياسية أو لوجستية يمكن أن تسهّل عودة القوات الموجودة في السعودية، وفق الجغرافيا العسكرية للحرب التي تجعل المسار الإثيوبي أحد الاحتمالات التي تستحق المتابعة. وقد اكتسبت الحدود السودانية–الإثيوبية أهمية إضافية بعد توسع نشاط الدعم السريع وحلفائه في الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال في منطقة النيل الأزرق خلال أغسطس/آب 2026، بعد تزايد العمليات وسيطرتهم على الكرمك وعدد من المواقع الاستراتيجية الأخرى.
ولا يمثل الانسحاب مكسباً صافياً للدعم السريع. فقد وفر الانتشار في السعودية لعناصر القوة رواتب ومزايا مالية تفوق ما يمكن توفيره في ظروف الحرب داخل السودان، واكتسب هذا الانتشار قيمة اقتصادية مهمة بالنسبة إلى بعض الضباط والمقاتلين وأسرهم. ومن ثم، فإن الانتقال من بيئة توفر دخلاً مستقراً نسبياً إلى حرب داخلية عالية المخاطر قد يولد تذمراً داخل الوحدات. وتزداد حساسية المسألة في ظل الانشقاقات التي شهدتها قوات الدعم السريع خلال 2026 ومحاولات الجيش السوداني استقطاب بعض قادتها وعناصرها. وقد يدفع ذلك بعض العناصر إلى رفض العودة أو البحث عن ترتيبات بديلة، وربما الالتحاق بوحدات أخرى. إلا أن احتمال انتقال أعداد كبيرة منهم بصورة جماعية إلى الجيش السوداني يظل أقل ترجيحاً؛ فبنية الدعم السريع لا تقوم على الحوافز المالية وحدها، وإنما تتقاطع فيها العلاقات القبلية والاجتماعية والولاءات الشخصية.
على الجانب السعودي، أدت القوات السودانية المنتشرة ضمن التحالف دوراً في الحراسة والمراقبة وتأمين بعض المواقع الحدودية الجنوبية، بما يخفف العبء البشري المباشر عن وحدات سعودية أخرى. ويأتي احتمال فقدان جزء من هذه القوة في توقيت غير ملائم للرياض؛ فبعد سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت هدنة 2022، عادت المواجهة مع الحوثيين إلى التصاعد خلال 2026، وبلغت مستوى أكثر خطورة في سبتمبر/أيلول مع هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، بالتوازي مع تصاعد العمليات داخل اليمن. لذلك سيكون الأثر الأكثر مباشرة لانسحاب قوات الدعم السريع متعلقاً بكثافة الانتشار البري وتأمين الحدود والمواقع. وبحسب حجم المواقع التي تخليها قوات الدعم السريع، قد تضطر الرياض إلى إعادة توزيع وحدات سعودية، أو توسيع الاعتماد على قوات يمنية حليفة، أو إعادة تنظيم قوات أخرى ضمن ترتيبات التحالف. وقد يمثل الانسحاب الكامل ضغطاً عملياتياً وتكتيكياً ملموساً على السعودية في توقيت حساس، لكنه لا يشكل تحولاً استراتيجياً مستقلاً في ميزان القوى مع الحوثيين.
على صعيد آخر، يمكن قراءة تحركات قيادة الدعم السريع كورقة ضغط على الرياض لمنع مزيد من التدهور في العلاقة أو الحيلولة دون انتقال السعودية إلى موقف أكثر قرباً من القوات المسلحة السودانية. ويستمد هذا الافتراض قوته من التوقيت؛ فالحاجة السعودية إلى المحافظة على كثافة الانتشار على حدودها الجنوبية ازدادت بالتزامن مع تجدد الهجمات الحوثية، وبالتالي أصبحت كلفة الاستغناء الفوري عن قوات الدعم السريع أعلى مما كانت عليه خلال فترة التهدئة. لكن قدرة حميدتي على استخدام هذه الورقة لها حدود واضحة. فالسعودية قادرة، خصوصاً على المدى المتوسط، على تعويض القوة السودانية وإعادة هيكلة انتشارها. كما أن تحويل أمن الحدود السعودية إلى أداة ضغط سياسي مباشرة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، ويدفع الرياض إلى النظر إلى الدعم السريع باعتباره شريكاً غير موثوق في لحظة أمنية حرجة.
وفي هذا الإطار، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول: احتواء الخلاف وبقاء القوات، حيث تتراجع قيادة الدعم السريع عن الانسحاب بعد اتصالات مباشرة أو وساطات من أطراف في التحالف، وتجري معالجة الخلاف بعيداً عن العلن. وهو السيناريو الأقل كلفة للطرفين؛ إذ تحتفظ السعودية بقوة قائمة ومندمجة في انتشارها الحدودي، بينما يحتفظ الدعم السريع بالمزايا المالية وبقناة اتصال عسكرية وسياسية مهمة مع الرياض. الثاني: انسحاب جزئي وإعادة تموضع، حيث تسحب قيادة الدعم السريع جزءاً من قواتها مع إبقاء وحدات أخرى في السعودية. ويوفر هذا السيناريو مساحة أوسع للمساومة، إذ يسمح لحميدتي بإظهار جدية تهديده والاستفادة من جزء من القوة في السودان، من دون قطع العلاقة مع الرياض بصورة كاملة. كما يمنح السعودية وقتاً لإعادة ترتيب انتشارها الحدودي. الثالث: الانسحاب الكامل، حيث تعود غالبية القوة عبر دولة مجاورة باتجاه مناطق سيطرة الدعم السريع وحلفائه. ويوفر ذلك مكسباً عسكرياً قصير الأجل للدعم السريع، لكنه يحمل في المقابل كلفة مالية وسياسية مرتفعة، ويعني عملياً انتهاء أحد آخر أوجه العلاقة العسكرية المباشرة بين الرياض وقيادة الدعم السريع.
خلاصة:
يتجاوز الخلاف الراهن بين السعودية وقوات الدعم السريع مسألة تصريحات دبلوماسية متبادلة، لأنه يقع عند نقطة تقاطع بين حربين ظلتا منفصلتين نسبياً: الحرب السودانية وتجدد المواجهة السعودية–الحوثية. وقد منح هذا التقاطع قيادة الدعم السريع ورقة ضغط مؤقتة على الرياض، لكنه منحها في الوقت نفسه خياراً عسكرياً يتمثل في استعادة عدة آلاف من المقاتلين ذوي الخبرة وإعادة توظيفهم في الداخل السوداني.
إذا نجحت الاتصالات في احتواء الأزمة، فمن المرجح أن تظل ورقة الانسحاب جزءاً من المساومة السياسية دون الوصول إلى قطيعة كاملة. أما إذا أصبح التدهور في العلاقة غير قابل للاحتواء، فسيتحول الانسحاب من أداة تفاوضية إلى عملية إعادة تموضع عسكري ذات انعكاسات مباشرة على الحرب السودانية.
سيوفر انسحاب قوات الدعم السريع احتياطياً عملياتياً مفيداً لها في كردفان أو دارفور أو النيل الأزرق، لكنه سيترافق مع خسارة الرواتب والامتيازات المرتبطة بالانتشار السعودي، ومع اختبار جديد لتماسك القوة وانضباط عناصرها. كما سيخلق الانسحاب فراغاً يتطلب إعادة توزيع القوات السعودية، وتعويض بعض مهام تأمين الحدود في توقيت يشهد تصاعداً حاداً للتهديد الحوثي. إلا أن أثره سيظل عملياتياً أكثر منه استراتيجياً، نظراً إلى طبيعة التهديد الحوثي الحالي.
في المحصلة، سيؤدي انسحاب قوات الدعم السريع إلى قطع آخر الروابط العسكرية المباشرة بين الرياض والدعم السريع، وقد يكون مؤشراً على انتقال العلاقة من خلاف قابل للاحتواء إلى إعادة تموضع سعودي أوسع تجاه الحرب السودانية.