كمبالا.. حسين سعد
تتواصل في الأيام الأخيرة من شهر رمضان الكريم مباريات بطولة السلام الرياضية بالعاصمة اليوغندية كمبالا، بمشاركة 20 فريقاً، في تظاهرة رياضية لم تعد مجرد منافسة على الألقاب، بل تحولت إلى مساحة إنسانية رحبة تحتضن أحلام الشباب وتداوي شيئاً من وجع الغربة.
انطلقت البطولة مطلع مارس الجاري، ومن المنتظر أن تمتد منافساتها إلى ما بعد عطلة عيد الفطر المبارك، في مشهد يعكس إصرار القائمين عليها على منح الجميع فرصة المشاركة والفرح. وقد أعدت اللجنة المنظمة كرنفالاً ختامياً متكاملاً، يجمع بين الكلمات، والفقرات الفنية، وتوزيع الجوائز، إلى جانب عرض فيلم توثيقي يُنتظر تدشينه عقب نهاية الدوري.
لكن ما يحدث في كمبالا لا يمكن قراءته بلغة الأرقام وحدها. فبين صافرة البداية ونهاية كل مباراة، تُكتب قصص إنسانية عميقة، أبطالها شباب اقتلعتهم الحرب من وطنهم، فحملوا كرة القدم معهم كوسيلة للبقاء، وكجسر يعيد وصل ما انقطع.
في النسخة الأولى من مبادرة “الرياضة من أجل السلام”، أُنتج فيلم وثائقي جسّد هذه الروح، ونقل صورة نابضة عن البطولة التي جمعت سودانيين ولاجئين من جنوب السودان، إلى جانب فرق من جنسيات أخرى. لم يكن الأمر مجرد تنوع رياضي، بل كان تمريناً عملياً على التعايش، حيث تتراجع الفوارق، ويعلو صوت الإنسانية.
وعكس الفيلم الذي ارسله لي الصديق موسى اديبايور عكس روح الأخاء بين المشاركين، ومدى تقبل الآخر، ونبذ خطاب الكراهية، مؤكداً أن الرياضة قادرة على خلق مساحات آمنة للحوار والتلاقي، حتى في أكثر السياقات هشاشة.
وبحسب منسق مبادرة الرياضة من اجل السلام ومدير الدوري الرمضاني الشاب موسى أديبايور، فإن المبادرة تهدف إلى دعم الشباب عبر الرياضة والفنون والثقافة، وتعزيز الترابط الاجتماعي في شرق أفريقيا، إلى جانب خلق فرص للتدريب وبناء القدرات، وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الرياضة يمكن أن تكون جسراً حقيقياً للسلام بين الشعوب.
في أمسيات كمبالا، لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة تُمارس فوق النجيل الصناعي، بل تتحول إلى لغة إنسانية مشتركة. هناك، يركض اللاعبون لا فقط خلف الكرة، بل خلف شعور بالانتماء، خلف ذاكرة وطن، وخلف أمل في غدٍ أقل قسوة.
هذا العام، تعود الدورة بمشاركة 20 فريقاً، بعد أن بدأت في 2025 بـ17 فريقاً فقط. وبين الرقمين، تكمن قصة نجاح صامتة، تعكس تزايد الثقة، واتساع دائرة المشاركة، وتماسك جالية استطاعت أن تصنع من الرياضة منصة لإعادة بناء ذاتها الجماعية في المنفى.
ويقف خلف هذا الجهد فريق من المتطوعين ولجنة منظمة وفريق طبي وإعلامي ، يؤمنون بأن كرة القدم يمكن أن تكون بديلاً عن الألم، ومساحة لإعادة تعريف العلاقات داخل مجتمع أنهكته الحرب.
في كمبالا، تُمارس دبلوماسية من نوع مختلف. لا بيانات رسمية، ولا قاعات تفاوض، بل ملعب مفتوح، ولغة واحدة يفهمها الجميع. تمريرة متقنة، أو هدف جميل، قد يكونان كفيلين ببناء جسور من الفهم والتواصل.
في هذا السياق، تصبح كرة القدم أداة لإعادة ترتيب العلاقات الإنسانية، من خلال:
إذابة الفوارق الاجتماعية والجهوية
خلق مساحات آمنة للتلاقي
منح الشباب فرصة للتعبير بعيداً عن العنف
إعادة إنتاج روح الفريق والانتماء
ما يميز هذه البطولة ليس فقط الأداء داخل الملعب، بل الرسائل التي تحملها خارجه. ففي زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية، تأتي هذه التظاهرة كفعل مقاومة ناعم، يواجه العنف بثقافة اللعب النظيف، ويستبدل الصراع بالتنافس الشريف.
وتعزز البطولة قيماً نبيلة، أبرزها:
التسامح، الاحترام، العمل الجماعي، نبذ العنف، مواجهة خطاب الكراهية، ونشر ثقافة السلام.
ولا تتوقف أهميتها عند حدود المنافسة، فهي أيضاً مساحة للدعم النفسي، وفرصة لبناء علاقات اجتماعية ومهنية، ومنصة لاكتشاف المواهب، ونموذج يمكن أن يُحتذى به في مجتمعات تعاني من الانقسام.
في المدرجات، تكتمل اللوحة: جمهور يهتف ويضحك، أطفال يركضون ببراءة، نساء يشاركن في صناعة الأجواء، وكبار سن يستعيدون ذكريات الوطن. هناك، تصبح الغربة أخف وطأة، وتتحول اللحظة إلى وطن مؤقت.
ومع اقتراب البطولة من محطتها الأخيرة، تتجه الأنظار إلى كرنفال الختام، بحسب اديبابور الذي أُعد بعناية ليكون احتفالاً بالحياة قبل أن يكون تتويجاً للفائزين. برنامج متنوع يجمع بين الكلمات الرسمية والشعبية، والفقرات الفنية التي تعيد دفء الوطن، إلى جانب لحظة التتويج التي ينتظرها الجميع.
ومن أبرز الفقرات عرض الفيلم التوثيقي، الذي لا يمثل مجرد تسجيل للأحداث، بل ذاكرة حية توثق تجربة جماعية فريدة، وتؤرخ لمرحلة من التلاقي الإنساني في زمن التباعد.
عندما تصبح الكرة رسالة
في نهاية المطاف، قد يُتوج فريق بالكأس، لكن الفوز الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير. هو في كل لحظة سلام صُنعت، في كل علاقة وُلدت، وفي كل فكرة كراهية تراجعت أمام قوة اللقاء الإنساني.

بطولة السلام في كمبالا ليست مجرد حدث رياضي، بل رسالة تقول إن الشعوب قادرة على صناعة الأمل بأبسط الوسائل، وإن كرة القدم—عندما تُلعب بقلب مفتوح—يمكن أن تكون وطناً مؤقتاً، وجسراً نحو وطن دائم يسوده السلام.
في زمن تتكاثر فيه الزعازع و أسباب الفرقة، تظل هذه البطولة دليلاً حيّاً على أن ما يجمع الناس أقوى بكثير مما يفرقهم… وأن الأمل يمكن أن يولد، حتى من بين أقدام تركض خلف كرة.

