ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: في سياق تصاعد الاستقطاب الإقليمي حول الحرب السودانية، جاء بيان تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) ذراع قوات الدعم السريع ليشكّل تصعيدًا سياسيًا مباشرًا ضد الدور المصري، ناقلًا الخلاف من مستوى التباين الدبلوماسي التقليدي إلى مستوى الطعن في شرعية القاهرة كطرف أو وسيط محتمل في مسارات وقف الحرب.
فالبيان لا يكتفي بانتقاد الموقف المصري، بل يسعى إلى نزع صفة الحياد عن القاهرة، وتقديمها بوصفها طرفًا منخرطًا فعليًا في موازين القوة داخل الصراع، بما يُفقدها – من وجهة نظر التحالف – أهلية المشاركة في أي مبادرة سياسية مقبلة.
في التفاصيل:
• اتهم تحالف «تأسيس»، في بيان صادر يوم الاثنين 2 فبراير، جمهورية مصر العربية بالانحياز الرسمي إلى الجيش السوداني، ودعمه بالسلاح والذخيرة، وتقديم الإسناد السياسي والدبلوماسي له في الحرب، تحت عناوين من بينها «الحفاظ على مؤسسات الدولة». واعتبر البيان أن استخدام مصر لمصطلح «الميليشيا» في توصيف قوات الدعم السريع يعكس انحيازًا سياسيًا صريحًا.
• أعلن التحالف أن مشاركة مصر في أي مبادرة سياسية لوقف الحرب أصبحت «غير مرغوب فيها»، معتبرًا أنها عامل رئيسي في تعطيل المبادرات المطروحة، ودعا أطراف «الآلية الرباعية» إلى إعادة النظر في عضوية القاهرة فيها.
• اتهم البيان مصر بالسعي إلى التأثير في القرار السياسي والموارد الاقتصادية للسودان، والعمل – بالتعاون مع عناصر من النظام السابق – على إعادة إنتاج معادلات السلطة السابقة، وهو ما يتناقض، بحسب البيان، مع خطابها المعلن حول الحفاظ على وحدة السودان.
• في المقابل، لم يصدر رد مصري رسمي مخصص على البيان، وهو ما يمكن قراءته باعتباره تجاهلًا سياسيًا مقصودًا لطرف لا تعترف القاهرة بشرعيته أو بتمثيله السياسي.
تحليل:
يتزامن صدور البيان مع تقارير إعلامية وأمنية تتحدث عن انطلاق طائرات مسيّرة من مناطق قريبة من الحدود المصرية لدعم الجيش السوداني. وبغض النظر عن دقة هذه التقارير، فإن توقيت البيان يوحي بأن «تأسيس» يوظف الخطاب السياسي كأداة ردع معنوي وإعلامي لتقليص التأثير المصري، في وقت تعاني فيه خطوط إمداد قوات الدعم السريع من ضربات جوية أثّرت على تحركاتها في كردفان ومحيط أم درمان.
في المقابل، يعكس الاستخدام المصري المتكرر لمفاهيم مثل «الدولة»، و«المؤسسات»، و«الجيش الشرعي» مقاربة سياسية واضحة تعتبر الصراع معركة على بقاء الكيان المؤسسي السوداني، وترفض أي طرح يساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع في الشرعية السياسية.
وعليه، لا تبدو البيانات المتبادلة مجرد سجال ظرفي، بل تعكس تبلور اصطفافات استراتيجية شبه نهائية داخل الحرب السودانية:
• مصر حسمت موقعها إلى جانب معسكر «الدولة والجيش».
• تحالف «تأسيس» بات يتعامل مع القاهرة كـ«خصم سياسي» منخرط في الصراع، لا كوسيط محتمل.
هذا التحول ينعكس مباشرة على مسارات التسوية الإقليمية، إذ تتآكل تدريجيًا فرص الحلول التوافقية لصالح منطق إدارة الصراع أو السعي إلى الحسم العسكري.
الدلالات السياسية لبيان تأسيس:
لا يمكن قراءة بيان «تأسيس» بوصفه مجرد رد فعل سياسي على مواقف القاهرة، بل باعتباره خطوة مقصودة لإعادة تعريف موقع مصر في الحرب السودانية داخل السردية السياسية للصراع. فالبيان يسعى إلى نزع صفة الوسيط عن القاهرة، وتحويلها في الوعي السياسي السوداني والإقليمي إلى طرف منخرط في موازين القوة، بما يضعف قدرتها على التأثير في أي مسار تسوية لاحق. وهذا التحول في الخطاب يعكس إدراكًا لدى الحاضنة السياسية لقوات الدعم السريع بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة على الشرعية السياسية ومن يملك حق التوصيف والتعريف: من هو «الجيش»، ومن هي «الميليشيا»، ومن يملك حق الحديث باسم «الدولة» و«وحدة السودان».
كما تكشف اللغة المستخدمة في البيان عن انتقال الحرب السودانية إلى مستوى أعمق من الاصطفاف الإقليمي، حيث لم يعد الصراع يُقرأ فقط كتنازع داخلي على السلطة، بل كساحة تنافس نفوذ بين عواصم إقليمية كبرى. وفي هذا السياق، فإن استهداف الدور المصري تحديدًا يشير إلى أن «تأسيس» تعتبر القاهرة أحد الأعمدة السياسية الداعمة لرواية «الدولة والمؤسسات»، وهي الرواية التي تتناقض جذريًا مع سردية الدعم السريع وحلفائه. لذلك، فإن الطعن في شرعية الدور المصري هو في جوهره طعن في الرواية السياسية التي يستند إليها الجيش السوداني.
إلى جانب ذلك، يعكس البيان توظيفًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ«الحرب السردية»، حيث يجري الربط بين الاتهامات السياسية والتقارير المتداولة حول الدعم العسكري غير المباشر، في محاولة لتشكيل رأي عام إقليمي ودولي ينظر إلى مصر كطرف في الحرب، لا كفاعل دبلوماسي. وهذه الاستراتيجية تهدف إلى تقليص المجال السياسي المتاح للقاهرة داخل أي ترتيبات تفاوضية مقبلة، وإحراج الأطراف الدولية التي ما تزال تتعامل معها بوصفها جزءًا من أدوات الحل.
في المحصلة، يكشف البيان عن أن الحرب السودانية بلغت مرحلة أصبحت فيها الشرعية السياسية جزءًا من ميدان القتال، وأن الصراع لم يعد محصورًا في السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى السيطرة على توصيف الواقع السياسي نفسه، ومن يملك حق تمثيل «السودان» في المحافل الإقليمية والدولية.

جدل يهدد دور الآلية الرباعية:
يضع موقف الدعم السريع وحاضنته السياسية من القاهرة «الآلية الرباعية» الخاصة بالسودان أمام اختبار حقيقي لوظيفتها وقدرتها على الاستمرار كمنصة فاعلة. فهذه الآلية، التي تقوم في جوهرها على توازن أدوار بين أطرافها، تفترض ضمنيًا وجود حد أدنى من القبول المتبادل بين الفاعلين السودانيين للأطراف الإقليمية المشاركة فيها. ومع انتقال مصر في خطاب «تأسيس» من موقع الوسيط إلى موقع الخصم، يتآكل أحد الشروط الضمنية لفاعلية هذه الآلية.
عمليًا، من غير المرجح أن يتم استبعاد مصر من الرباعية، سواء لأسباب تتعلق بثقلها الإقليمي أو لطبيعة التفاهمات التي قامت عليها الآلية منذ تأسيسها. إلا أن استمرارها بعضوية كاملة لا يعني بقاء قدرتها على لعب دور توافقي. إذ يُتوقع أن تتحول الرباعية تدريجيًا إلى إطار تنسيقي بين أطرافها الإقليمية أكثر من كونها منصة قادرة على إنتاج اختراق سياسي داخلي سوداني، في ظل رفض أحد الأطراف المتحاربة الاعتراف بأهلية أحد أعضائها.
هذا الواقع يهدد بتحويل الآلية الرباعية إلى ساحة خلاف مكتوم بين أعضائها، حيث تتباين مقارباتهم للصراع، وتضعف قدرتهم على تقديم مبادرة موحدة تحظى بقبول الأطراف السودانية.
خلاصة
** تزامن البيان مع الحديث عن استخدام طائرات مصرية مسيّرة في الحرب، يوحي بأن «تأسيس» يستخدم الخطاب السياسي كجزء من أدوات الردع والتأثير لتقليل الدور المصري في الصراع.
**الاتهامات المتكررة، المدعومة بتقارير إعلامية وأمنية، ترسّخ صورة مصر كطرف منخرط في موازين القوة، سواء أقرت القاهرة بذلك أم لا، وهو ما يُفقدها صفة «الوسيط المقبول» لدى جزء من الفاعلين السودانيين.
**من غير المرجح عمليًا إعادة النظر بعضوية مصر في الآلية الرباعية، لكن هذه الآلية مرشحة لأن تتحول إلى ساحة خلاف مكتوم بين أطرافها، مع تراجع قدرتها على إنتاج اختراق سياسي حقيقي.

