الإثنين, مارس 16, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةتراجع الاهتمام الدولي بحرب السودان تحولات الأجندة الدولية ؟

تراجع الاهتمام الدولي بحرب السودان تحولات الأجندة الدولية ؟

كتب: حسين سعد
في عالمٍ تتنازع فيه الأزمات والحروب على مساحة الاهتمام الدولي، لم تعد المآسي الإنسانية تُقاس فقط بحجم الكارثة التي تخلفها، بل بمدى قدرتها على اختراق أجندة السياسة الدولية ووسائل الإعلام العالمية، فالعالم المعاصر، الذي يعيش حالة من التشبع بالأزمات المتزامنة، حيث تتنافس الحروب والنزاعات على جذب انتباه الحكومات ووسائل الإعلام والجمهور العالمي، وفي هذا السياق، تبدو الأزمة السودانية واحدة من أكثر الأزمات التي دفعت ثمن هذا التنافس غير المتكافئ.
معاناة مستمرة :
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت البلاد إلى مسرح لأحد أخطر الانهيارات الإنسانية في العالم، فقد تسببت الحرب في نزوح ملايين المدنيين داخل البلاد وخارجها، وإ نهيار الخدمات الأساسية، وتفاقم أزمة الغذاء ، وتدمير البنية التحتية، وتعطّل الإنتاج الزراعي والحيواني، وتفاقم مستويات النزوح والمجاعة، تتجلى الأزمة الإنسانية في السودان اليوم بوصفها واحدة من أعمق المآسي التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث، مأساة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بتمدد الألم في تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر، فمنذ اندلاع الحرب الكارثية، إنقلبت حياة الناس رأساً على عقب، وتحوّلت المدن والقرى إلى مساحات خوف مفتوحة، ووجد الملايين أنفسهم فجأة بلا مأوى، بلا دخل، وبلا أفق واضح للغد، الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت والبنى التحتية، بل كسرت شبكات الأمان الاجتماعي، ودفعت بأسرٍ كاملة إلى حافة الجوع واليأس نساء وأطفال بلا غذاء ولا دواء، و يمتد الجوع كظل ثقيل على البلاد، مع انهيار سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء وغياب فرص العمل، ليصبح الحصول على وجبة واحدة يومياً معركة بحد ذاتها، وفي موازاة ذلك، ينهار النظام الصحي تحت وطأة الحرب، فتغيب المستشفيات، وتنقطع الأدوية المنقذة للحياة، ويواجه المرضى—خصوصاً الأطفال وكبار السن والحوامل—مصيراً قاسياً بين العجز والفقد، لم يعد المرض مجرد حالة صحية، بل حُكماً بالإقصاء والموت البطيء في أماكن لا يصلها طبيب ولا دواء، أما معسكرات النزوح ومراكز الإيواء داخل البلاد، فقد تحولت إلى فضاءات مكتظة بالبشر ومفتوحة على كل أشكال الهشاشة، خيام مهترئة، ومياه غير آمنة، وخدمات صحية شبه معدومة، ونساء يحملن عبء الإعالة والحماية في ظروف قاسية، وأطفال يكبرون خارج مقاعد الدراسة وتحت وقع الصدمات.،وفي معسكرات اللجوء خارج الحدود، تتكرر المأساة بأشكال أخرى؛ اغتراب قاسٍ، فقدان للهوية، وصراع يومي من أجل الاعتراف والعيش الكريم. هكذا تمتد الأزمة خارج الجغرافيا، لتصبح معاناة عابرة للحدود، لكنها تظل سودانية الملامح والوجع، ورغم ضخامة هذه الكارثة الإنسانية، فإنها لم تحظَ بالاهتمام الدولي المستمر الذي يتناسب مع حجمها، بل تراجعت تدريجياً في سلم الأولويات العالمية.

حروب ونزاعات :
ويعود جزء كبير من هذا التراجع إلى التغيرات المتسارعة في النظام الدولي، حيث تزاحمت عدة أزمات كبرى على صدارة المشهد العالمي، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، وأخيراً التصعيد العسكري في منطقة الخليج هذه الأزمات، بحكم موقعها الجيوسياسي وتأثيرها المباشر على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، استطاعت أن تستحوذ على القدر الأكبر من الاهتمام السياسي والإعلامي، الأمر الذي أدى إلى تهميش الحرب في السودان وتحويلها إلى ما يشبه (الحرب المنسية) لا يمكن فهم تراجع الاهتمام الدولي بحرب السودان بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فالعالم يعيش اليوم حالة من إعادة تشكيل التحالفات والصراعات الكبرى، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع الأزمات الإقليمية، ما يجعل بعض النزاعات تحظى بأولوية أكبر في حسابات السياسة الدولية، وفي هذا السياق، تصبح الحروب التي ترتبط بمصالح استراتيجية مباشرة للقوى الكبرى أكثر حضوراً في الإعلام والسياسة، بينما تتراجع النزاعات التي تُصنف ضمن الأزمات الإنسانية البعيدة.
حرب الشرق الأوسط:
إن حرب الخليج، بوصفها أزمة ذات أبعاد استراتيجية واقتصادية عالمية، تمثل مثالاً واضحاً على هذا التحول، فالتوتر في منطقة الخليج لا يتعلق فقط بصراع إقليمي، كما أشرنا لذلك في تحليلنا السابق ( حرب الخليج وأثرها علي بناء السلام في السودان ) بل يمس مباشرة أمن الطاقة العالمي، وممرات التجارة الدولية، وتوازنات القوى في الشرق الأوسط، ولذلك، فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يستقطب تلقائياً اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً، غالباً على حساب أزمات أخرى لا تقل خطورة من حيث التأثير الإنساني.
في هذا السياق، يتطلب فهم تراجع الاهتمام بحرب السودان تحليلاً أعمق يتجاوز البعد الإنساني، ليشمل ديناميات الإعلام الدولي، وتوازنات القوى العالمية، وآليات تشكيل الأجندة السياسية والإعلامية، فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضاً بكيفية تمثيلها في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي.
أولاً: أدى اندلاع الحرب في السودان إلى خلق واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر، فقد شهدت البلاد كما أشرنا لذلك في بداية هذا التقرير شهدت انهياراً شبه كامل لمؤسسات الدولة في مناطق واسعة، مع انتشار العنف المسلح وتدمير البنية التحتية الأساسية، كما أدى النزاع إلى نزوح ملايين المواطنين داخلياً وخارجياً، ما شكل ضغطاً كبيراً على دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا.
لكن المفارقة أن هذه الكارثة الإنسانية لم تتحول إلى أولوية دولية مستدامة، بل بقيت في هامش الاهتمام الدولي، ويرجع ذلك جزئياً إلى طبيعة الحرب نفسها، التي تُصنف غالباً كصراع داخلي معقد لا يرتبط بشكل مباشر بالمصالح الاستراتيجية الكبرى للقوى العالمية، كما أن تعدد الأطراف المسلحة وتشابك التحالفات المحلية والإقليمية جعل من الصعب على المجتمع الدولي صياغة مقاربة واضحة لحل الأزمة، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الحرب وإضعاف الجهود الدبلوماسية.
ثانياً: منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت أوروبا إلى مركز الصراع الجيوسياسي العالمي، حيث انخرطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وقد أدى ذلك إلى توجيه جزء كبير من الموارد الدبلوماسية والإعلامية نحو هذه الحرب، لاحقاً، جاءت الحرب في غزة لتضيف بعداً جديداً للأزمة الدولية، حيث تركز الاهتمام العالمي على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وما يحمله من مخاطر توسع إقليمي، في ظل هذين الصراعين الكبيرين، تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بالحرب في السودان، التي بدت بالنسبة للعديد من الفاعلين الدوليين أقل تأثيراً على التوازنات الجيوسياسية الكبرى.
ثالثاً: حرب الخليج وتحول بوصلة الاهتمام الدولي مع تصاعد التوتر في منطقة الخليج، دخل العالم مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والعسكري، فالخليج يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والتجارة الدولية. لذلك، فإن أي تصعيد في هذه المنطقة يحظى بمتابعة مكثفة من الحكومات ووسائل الإعلام، وقد أدى هذا التصعيد إلى إعادة ترتيب أولويات الاهتمام الدولي، حيث أصبحت أزمة الخليج في صدارة النقاشات السياسية والإعلامية، هذا التحول ساهم بشكل مباشر في تراجع الاهتمام بالحرب في السودان، التي لم تعد تحظى بالتغطية الإعلامية نفسها التي كانت تحظى بها في بداية النزاع.
رابعاً : تلعب وسائل الإعلام العالمية دوراً محورياً في تحديد الأزمات التي تحظى

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات