الإثنين, يناير 26, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةدكتور الفاتح تبار لقضايا فكرية : هناك ثلاثة سيناريوهات ترسم مستقبل أزمة...

دكتور الفاتح تبار لقضايا فكرية : هناك ثلاثة سيناريوهات ترسم مستقبل أزمة السودان


حوار : حسين سعد
رسم أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم الدكتور الفاتح تبار ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان، محذراً في ذات الوقت من تفكك شامل ما لم تُبنَ دولة جديدة على أسس عادلة، وقال دكتور الفاتح في حواره مع مجلة قضايا فكرية : أن الصراع الحالي هو الأكثر تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث نظرًا لاتساع رقعة المواجهات، وتعدد الفاعلين، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، وانهيار مؤسسات الدولة، وقال الفاتح في حديثه إن تحليل مسارات الحرب يُظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة: استمرار الحرب واتساع نطاقها، أو تقسيم الأمر الواقع بين شرق وغرب النيل الأبيض، أو التسوية السياسية برعاية إقليمية ودولية، مشددًا على أن كل مسار يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل الدولة والمجتمع، وأوضح أن منطق (المعركة الصفرية) الذي يعتقد فيه كل طرف بأن هزيمته تمثل نهاية وجودية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية غير المنسقة، وتفتت القوى المدنية، وتهشيم مؤسسات الدولة، كلها عوامل تغذي استمرار النزاع، وتوقع أن يقود استمرار الحرب إلى اتساع رقعة القتال، وانهيار شبه كامل للخدمات، وتشكّل اقتصاد حرب، وظهور (أمراء حرب) جدد، وارتفاع معدلات النزوح، إلى جانب تدويل الصراع عبر تدفق السلاح والمرتزقة، وحذر من أن هذا المسار قد يقود إلى انهيار الدولة بالكامل على شاكلة الصومال في التسعينيات، مع تهديد مباشر للأمن الإقليمي في حوض النيل وشرق أفريقيا، قبل أن يضيف بأن استمرار الحرب لن يكون بلا سقف، وسيُستنزف الطرفان إلى حد يدفعهما للانتقال إلى خيارات أخرى، ولفت إلي إن : بناء جيش مهني واحد هو المدخل الأساسي لإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، مؤكدًا أن اتباع هذا المسار ينهي الحروب إلى الأبد ويؤسس لسلام مستدام ودائم. وقال الفاتح :أن مشاركة أصحاب المصلحة المباشرين في السودان—خاصة النازحين واللاجئين والنساء والشباب—تمثل شرطًا أساسيًا لوقف الحرب والوصول إلى سلامٍ مستدام، مشيرين إلى أن الحروب لا تُوقفها النخب وحدها، بل أولئك الذين عانوا تبعاتها المباشرة ودفعوا ثمنها من أرواحهم وبيوتهم وأمانهم، وأشار إلى أن تجاهل أصحاب المصلحة كان واحدًا من الأسباب التي أضعفت فرص الوصول إلى اتفاقيات سلام قابلة للاستمرار، مؤكّدًا ضرورة إشراكهم في صياغة حلول توقف الحرب وتضمن عدم تجددها، وأصفاً المرأة بإنها نصف المجتمع خارج غرفة التفاوض ، وأكد أنه بعزل نصف المجتمع، نخسر نصف الرؤية ونصف الحلول، مشددًا على أن النساء قدّمن رؤى قيّمة في تجارب دولية عدة ساهمت في استدامة السلام، ودعا إلى اعتماد نظام الكوتة في المفاوضات وعمليات السلام، بحيث تُخصص نسبة ثابتة من مقاعد أي وفد تفاوضي للنساء، تمامًا كما تُطبّق في الحكومات الانتقالية أو البرلمانات في بعض الدول. وأضاف: الكوتة ليست إمتيازًا، بل ضمان لعدم إقصاء الأصوات الضرورية لنجاح أي عملية سياسية، وأعتبر الشباب بأنهم طاقة التغيير وصوت الوعي ، وقال إن تجربة ثورة ديسمبر أثبتت قدرة الشباب على لعب دور قيادي في التغيير، ونشر الوعي، وكشف آثار الحرب، والتواصل مع الفئات غير المتعلّمة لتوضيح مخاطر استمرار النزاع، وأضاف: الشباب يمكن أن يكونوا حملة لواء التوعية، خاصة أن الحرب مزقت النسيج الاجتماعي، ونحن بحاجة إلى خطاب شبابي يرمم الشروخ ويعيد الثقة بين المكونات، معاً إلي تفاصيل هذا الحوار؟
قضايا فكرية :كيف تفسّر الجذور البنيوية للحرب الحالية في السودان؟ وهل يمكن إعتبارها إستمراراً لدورات العنف القديمة أم أنها حرب مختلفة في طبيعتها؟ كيف يمكن تجنب إعادة إنتاج اتفاقات السلام السابقة التي فشلت في معالجة القضايا البنيوية؟
الجذور البنيوية للحرب الحالية :قديمة ومتجذّرة في بنية الدولة السودانية منذ ما بعد الاستقلال إرث دولة، تشكلت بموارد ضعيفة ، لم تُكتمل تعود جذور الحرب الحالية في السودان إلى تراكمات بنيوية قديمة تشكّلت مع نشأة الدولة الوطنية منذ لحظة الاستقلال، فالدولة التي ورثت مؤسسات المستعمر حملت معها مشكلات هيكلية عميقة، تفاقمت مع قيادة سياسية اتسمت بضعف الأفق وضيق الرؤية، وهو ما أطلق عليه (القيادات المدمرة) تلك القيادات ــ منذ الاستقلال ــ نظرت تحت أقدامها، ولم ترَ مستقبل السودان بتنوعه واتساعه وتعقيداته، أنتجت حروب الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وهي ذات الأرضية التي انفجرت منها الحرب الحالية الأمر الذي حال دون بناء نظام حكم قادر على إدارة التعدد ومنع الانفجارات التي تكررت لاحقاً، ومن أدوات القمع إلى طرف في الحرب واحدة من المفارقات الكبرى في الحرب الحالية أن السلاح رُفع ضد الدولة بإسم أدوات كانت نفسها جزءاً من منظومة القمع الرسمية. فـ(قوات الدعم السريع)، التي تشكّل اليوم أحد طرفي الحرب، لم تنشأ خارج الدولة، بل وُلدت من رحمها كقوة شبه عسكرية مكلّفة بمهام محددة، واستندت في بنيتها إلى قبائل ظلت تقاتل إلى جانب الدولة منذ ستينيات القرن الماضي، لكن التحوّل الأساسي والأشد خطورة أن هذه القوة، التي كانت أداة في يد المركز لقمع الهامش، أصبحت اليوم في مواجهة الدولة نفسها، وتحمل قدرات وتسليحاً يوازي ما لدى المؤسسة العسكرية. بهذا المعنى، فإن الحرب تمثل ـ في جوهرها ـ صراع الهامش ضد المركز، لكن مع معادلة قوة جديدة كسرت احتكار الدولة للعنف، مركز يتهشّم وحرب تنطلق من قلبه لم تعد الحرب، كما في السابق، تدور على الأطراف البعيدة، بل انفجرت هذه المرة من قلب المركز، من العاصمة نفسها، لتصبح مهدداً وجودياً لوحدة المركز قبل الهامش، ومع طول أمد الصراع لأكثر من ثلاث سنوات، اتخذت الحرب بعداً بنيوياً يعكس إختلالات الدولة بكاملها.


مقاطعة : من مجلة قضايا فكرية : ما هي العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في انزلاق البلاد إلى الصراع؟ وإلى أي مدى أسهمت مؤسسات الدولة المنهكة، والانقسامات داخل الجيش، والعسكرة الاجتماعية في تفاقم الوضع؟ وما مدى تأثير التدخلات الإقليمية والدولية على مسار الحرب؟ وكيف يمكن تجنب إعادة إنتاج اتفاقات السلام السابقة التي فشلت في معالجة القضايا البنيوية؟
أحصي دكتور الفاتح : عدد من العوامل قال إنها تفاقم الحرب وهي : سياسية تشمل مشاركة النظام السابق في إشعال الصراع دفاعًا عن مصالحه المهددة بعد الثورة، وعامل إقتصادي : لشبكة مصالح ضخمة مرتبطة بالفساد وكارتيلات الحركة الإسلامية، ترتبط بشبكات الفساد القديمة، تضررت بسقوط النظام، وبالتالي لم تتردد في دعم أي مسار يعيد لها نفوذها، وعامل إجتماعيً: إنقسام مجتمعي تاريخي بين ( هويات جهوية) و(أولاد البحر) و(أولاد الغرب)، تجدد عبر الحروب والصور النمطية والصراع داخل الحركة الإسلامية نفسها، فضلاً عن عامل عسكريً: وجود جيشين، أحدهما يمثل الهامش وقبائل الغرب، والآخر يرتبط بهويات المركز التقليدية، وأخيراً عامل خارجيً: يتمثل في التدخلات الإقليمية ، التي وسّعت الحرب ورفعت مستوى تسليحها، وحولت الأطراف إلى وكلاء، تدويل الصراع وفقدان السيطرة من اللحظة التي دخلت فيها أطراف خارجية على خط الحرب، فقدت الأزمة طابعها المحلي، فقد لعبت دول إقليمية أدواراً مباشرة في دعم أطراف الصراع وتزويدها بالسلاح، كما ساهمتا في تعقيد فرص الحل والتأثير على المسار السياسي منذ انقلاب البرهان علي الحكومة الإنتقالية في 2012م ، ومع مرور الوقت، أصبح الداخل السوداني وكيلاً لصراعات إقليمية، ولم يعد وقف الحرب ممكناً دون توافق القوى الخارجية الراعية للأطراف المتحاربة، فالمعادلة تجاوزت السيطرة المحلية، وأصبح القرار الحقيقي خارج الحدود، ويرى الفاتح أن الحل يتطلب إتفاق سلام يخاطب جذور الأزمة التاريخية، لا مجرد صفقة بين الأطراف المتحاربة، إرادة السلام غائبة عند البعض ومشروطة عند آخرين رغم إعلان الدعم السريع ـ على المستوى النظري ـ استعداده لوقف القتال في أي وقت، إلا أن المؤشرات العملية تظهر غياب إرادة حقيقية لدى أطراف داخل الجيش والقوى السياسية المرتبطة به لإيقاف الحرب. ويبدو واضحاً أن هناك من يرى في استمرار الحرب وسيلة لسحق الخصم بدلاً من البحث عن حل سياسي، وفي المقابل، لا يستطيع أي طرف تحقيق نصر كامل، ما يجعل استمرار القتال وسيلة لاستنزاف البلاد لا أكثر، أما السيناريو الواقعي لوقف الحرب يتمثل السيناريو الأكثر واقعية في حل جذري يعالج أزمة الدولة السودانية من جذورها، لا في تسوية بين الأطراف المتحاربة فقط، فالحرب الحالية ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة حروب السودان منذ الاستقلال، ما يعني أن أي اتفاق لا يعالج الأسباب البنيوية سيعيد إنتاج الأزمة نفسها، هذا الحل يجب أن يشمل: معالجة جذور النزاعات التاريخية في السودان، وإشراك طيف واسع من القوى المدنية والمجتمعية، وليس فقط أطراف الحرب، ووجود دور حاسم للمجتمع الدولي في الضغط على رعاة الحرب وفرض وقف إطلاق النار، وصياغة إتفاق سلام شامل يمنع تكرار الحروب بدلاً من إنتاج اتفاقيات فاشلة كما حدث في الماضي؟
قضايا فكرية: كيف يمكن إشراك أصحاب المصلحة المباشرين في مفاوضات السلام ، ولماذا ظلّ النازحون واللاجئون، رغم أنهم الأكثر تضرراً من الحرب، خارج مائدة التفاوض في معظم محطات السلام السابقة؟ وما هي أهمية مشاركة المرأة في عمليات السلام؟ وكيف يمكن تعزيز مشاركتها بشكل فعّال وليس شكلي؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب، باعتبارهم غالبية السكان وضحايا الحرب المباشرين؟ وكيف يمكن خلق آليات تمثيل حقيقية لأصحاب المصلحة في المخيمات، وليس فقط لمنظمات تتحدث نيابة عنهم؟ هل هناك نماذج عالمية يمكن الاستفادة منها في إشراك المجتمعات المتأثرة بالحرب في صياغة اتفاق السلام؟
إشراك أصحاب المصالح المباشرين في مفاوضات السلام يُعد أمراً أساسياً وحاسماً، لأن توقف الحروب واستدامة السلام يرتبط مباشرة بمشاركة أولئك الذين تحملوا آثار النزاع بشكل مباشر. للأسف، غالباً ما يُستبعد النازحون واللاجئون من هذه المفاوضات رغم أنهم الأكثر تضرراً من الحرب، وهو خطأ منهجي يؤدي إلى ضعف تحقيق السلام المستدام. التركيز فقط على القيادات التقليدية والنخب السياسية يعني أن مصالح الفئات المتضررة قد لا تُؤخذ في الاعتبار بالكامل، مما يضعف فرص الوصول إلى اتفاقيات سلام حقيقية، فالتمثيل الشامل يشمل أيضاً مشاركة النساء، نظراً لأنهن يشكلن نصف المجتمع تقريباً، ويملكن رؤى فريدة وقيمة يمكن أن تثري عملية السلام. المشاركة الرمزية أو الشكلية للنساء في الماضي لم تكن كافية، لذلك يجب تحديد نسب محددة للنساء في الوفود التفاوضية لضمان سماع صوتهن وإدماج وجهات نظرهن في صياغة القرارات، أيضاً، للشباب دور محوري في عمليات السلام، خاصة في نشر التوعية حول مخاطر الحرب وأهمية السلام، نظراً لأنهم غالباً يحملون مستوى تعليمي يمكنهم من التأثير على أقرانهم، الشباب يمثلون جزءاً كبيراً من المجتمع، ويجب إعطاؤهم مساحة للمشاركة، سواء في التوعية أو في المفاوضات نفسها، بما يضمن أن تكون أصواتهم مسموعة ولها تأثير فعلي، ودعا الفاتح لاتخاذ منهجية تحديد نسب محددة أو نظام (الكوتة) تضمن مشاركة عادلة لكل أصحاب المصلحة، وتمنع هيمنة الأطراف المتحاربة على عملية التمثيل في المفاوضات. تطبيق هذه الآليات يتيح سماع أصوات المجتمعات المتأثرة بشكل مباشر، ويساعد على بناء سلام مستدام قائم على مشاركة حقيقية ومتوازنة بين جميع الفئات، وقال : أن إقصاء النازحين واللاجئين خطأ بنيوي لازم مسارات السلام السابقة، فالنخب السياسية تفاوض باسمهم، لكن أصحاب المعاناة الفعلية غائبون، مما ينتج اتفاقات قصيرة العمر، مشاركة المرأة ليست رفاهية سياسية، فهي تمثل نصف المجتمع، وتقدم رؤى أكثر شمولًا وقدرة على استدامة السلام، أما الشباب، فيمثلون ثلاثة أرباع السكان، وهم الذين حملوا شعلة التغيير في ديسمبر، لذلك يجب دمجهم في مسارات التفاوض والوعي المجتمعي، خصوصًا بعد تفكك النسيج الاجتماعي بسبب الحرب، ويشير إلى نماذج عالميةوإقليمية تُظهر أهمية تمثيل المجتمعات المتأثرة بالحرب لضمان سلام مستدام، والتوصل الي رؤية لبناء دولة تمنع عودة الحرب من خلال نظام ديمقراطي توافقي يعكس تنوع السودان ،وتحقيق الإستقرار طويل المدى، وجوهر الأزمة السودانية يرتبط بطبيعة النظام السياسي الذي ظل عاجزاً عن تمثيل جميع السودانيين بصورة عادلة، مما أدى إلى اندلاع الحروب في الأطراف وفشل التجارب الديمقراطية السابقة.
قضايا فكرية: أخيراً ما هي السيناريوهات الأكثر واقعية لوقف الأعمال القتالية؟ هل عبر وقف إطلاق نار تدريجي أم تسوية شاملة؟ وليست مجرد هدنة هشة؟
أجاب : دكتور الفاتح الحرب السودانية الحالية من أكثر الصراعات تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث، ليس فقط بسبب اتساع رقعتها الجغرافية وشدّة العنف، بل أيضًا لتعدد الفاعلين وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، وغياب مركز سياسي متماسك، وتحلل مؤسسات الدولة. هذه العوامل تجعل أي حديث عن وقف الحرب مرتبطًا بفهم عميق للمعطيات الميدانية وللتوازنات العسكرية والسياسية التي تتغير بوتيرة سريعة، وفي هذا السياق، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تشكّل طرقًا محتملة لإنهاء الحرب أو تجميدها أو إعادة هندسة المشهد السياسي السوداني، السيناريو الاول هو إستمرار الحرب بشكل أوسع وأكثر فظاعة، والسيناريو الثاني هو تقسيم الأمر الواقع: إدارة منفصلة شرق/غرب النيل الأبيض، والسيناريو الثالث هو التسوية السياسية عبر تدخل إقليمي/دولي (الرباعية، الإيغاد، الاتحاد الأفريقي) ولكل سيناريو ملامحه ومعطياته؟
السيناريو الأول: استمرار الحرب وتفاقمها
لماذا يُعد هذا السيناريو واقعيًا؟ تشير المؤشرات العسكرية والسياسية إلى أن الطرفين—القوات المسلحة السودانية والدعم السريع—لا يزالان يعتقدان أن بإمكانهما تحقيق مكاسب إضافية عبر القتال
هناك عدّة عوامل تغذّي هذا الاتجاه:
أ. منطق المعركة الصفرية كل طرف يرى أن هزيمته تعني نهايته الوجودية، وليس فقط خسارة نفوذ سياسي. هذا الإدراك يجعل التسويات أصعب، ويميل الأطراف لاستخدام “الاستنزاف الطويل” كخيار أول.
ب. التدخلات الإقليمية غير المنسّقة تتدخل بعض القوى الإقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، وتقدم دعمًا متفاوتًا للطرفين—ما يطيل أمد النزاع ويؤجل فرص التسوية.
ج. تفتت المشهد الداخلي انقسام القوى المدنية، تصاعد الخطابات الجهوية، واستدعاء الهويات المناطقية، كل ذلك يخلق بيئة يمكن أن تمتد فيها الحرب لسنوات.
د. هشاشة مؤسسات الدولة لا توجد مؤسسات قادرة على فرض سلطة مركزية: القضاء مشلول، الإدارة العامة متوقفة، الأمن الداخلي متفكك، والاقتصاد منهار، وحال إستمرار الحرب بنفس المسار الحالي فستكون هناك عدة مظاهر واضحة وهي : إتساع نطاق القتال لمزيد من الأقاليم، وإنهيار شبه كامل للخدمات (صحة، مياه، تعليم، كهرباء) وتشكّل اقتصاد حرب يعتمد على الجبايات والتهريب، وتعدد أمراء الحرب داخل كل معسكر، وارتفاع معدلات النزوح ، مع تدويل الصراع تدريجيًا عبر تدفق السلاح والمرتزقة؟
وقد يقود هذا السيناريو إلى انهيار الدولة السودانية بالكامل، شبيه بما حدث في الصومال في التسعينيات لكن ضمن رقعة جغرافية أكبر، مع تهديد مباشر لحوض النيل وشرق أفريقيا، ومن مخاطر هذا المسار تفكيك النسيج الاجتماعي لسنوات طويلة، وظهور حركات مسلحة جديدة على مستوى الأقاليم، واحتمالات مجاعة واسعة، وزيادة الاستقطاب بين هوية المركز وهويات الأطراف، ومع ذلك، فإن استمرار الحرب لا يمكن أن يمتد دون سقف؛ فعند نقطة معينة سيُستنزف الطرفان بشدة بحيث يصبح الانتقال لسيناريو آخر أمرًا مفروضًا وليس اختيارًا.
السيناريو الثاني: تقسيم الأمر الواقع:
يرتكز هذا السيناريو على تشكّل خط تماس مستقر على طول النيل الأبيض، بحيث يدير الجيش المناطق الواقعة شرقه، بينما يسيطر الدعم السريع على مناطق غرب النيل، وهذا الوضع يشبه النموذج الليبي قوات حفتر في الشرق، وحكومة طرابلس والكتائب المحلية في الغرب، ومع بقاء الدولة واحدة من الناحية القانونية، لكنها في الواقع مقسّمة إداريًا وعسكريًا، وإحتمالية رجحان هذا السيناريو بإعتبار إن الحرب وصلت إلى درجة توازن هش، و لم ينتصر أي طرف رغم الخسائر الكبيرة، كما أن السيطرة الكاملة على السودان تبدو غير واقعية لأي طرف دون دعم خارجي مباشر، وقال الفاتح من العوامل التي تعزز رجحان هذا السيناريو هي : إن جغرافيا الحرب: النيل الأبيض خط طبيعي يفصل مسارح العمليات، وعجز كل طرف عن طرد الآخر بالكامل، وتشكل سلطة محلية بحكم الأمر الواقع لدى الدعم السريع في الغرب، ولدى الجيش في الشرق والولايات المتبقية، وقبول دولي ضمني لتجميد الصراع إذا طال أمده—كما حدث في ليبيا.


ماذا يعني هذا الوضع للسودان؟ وجود حكومتين فعليًا:
سلطة عسكرية/مدنية صورية في بورتسودان، مرتبطة بالجيش، وإدارة محلية في مناطق الغرب تحت سيطرة الدعم السريع، وانهيار الاقتصاد الوطني الموحد، واختلاف المناهج والخدمات والإدارة بين المنطقتين، وتوسّع نمط الجبايات الموازية، وتحوّل الثروة الطبيعية إلى مصدر صراع جديد: الذهب، الأراضي الزراعية، المعابر الحدودية؟.
مخاطر هذا السيناريو تكريس الانقسام الجغرافي والجهوي
تحويل السودان إلى دولة (فاشلة مزدوجة) واحتمالات نشوء صراعات داخل كل معسكر، وفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أوسع (تشاد، ليبيا، جنوب السودان، إثيوبيا)، ومع ذلك، قد تفضّله بعض القوى الدولية باعتباره خيارًا “أقل تكلفة” من استمرار الحرب الشاملة.
السيناريو الثالث: التسوية السياسية عبر تدخل إقليمي ودولي هذا هو السيناريو الأكثر تعقيدًا لكنه الأكثر استدامة إذا تم بناؤه بشكل صحيح؟.
لن يكون الانتقال إلى التسوية خيارًا طوعيًا من الأطراف؛ بل سيأتي نتيجة استنزاف الطرفين، وضغط دولي وإقليمي متزامن، وتراجع قدرة الداعمين الخارجيين على تمويل الحرب، وتصاعد الكارثة الإنسانية بشكل غير محتمل، وهنا تظهر الرباعية بالإضافة إلى الإيغاد والاتحاد الأفريقي كجهات تمتلك أدوات ضغط، وإن كانت موضع جدل؟.
هل ستكون التسوية عبر وقف إطلاق نار تدريجي أم اتفاق شامل؟
يمكن تصور مسارين، الأول وقف إطلاق النار التدريجي، ووقف إطلاق النار في المدن الكبرى، وفتح ممرات إنسانية، وتجميد القوات في مواقعها، ولجنة مراقبة بـقيادة الإيغاد، لكنه غالبًا ينتج عنه هدنة هشة قابلة للاختراق، بينما تشمل التسوية الشاملة، ترتيبات أمنية، وانتقال سياسي، وإصلاح قطاع الأمن، ومسار عدالة انتقالية، وترتيبات لتقاسم السلطة والثروة، وآليات مراقبة قوية، وقال دكتور الفاتح : هذه التسوية قد توقف الحرب لسنوات طويلة، إذا تم تطبيقها بصرامة—لكنها تحتاج توافقًا دوليًا نادرًا، وأضاف :المكوّنات الأساسية لأي اتفاق سلام قابل للاستمرار لكي يكون الاتفاق مستدامًا وغير هشّ، يجب أن يتضمن، ترتيبات أمنية واضحة وغير غامضة تحديد مستقبل قوات الدعم السريع: دمج؟ إعادة هيكلة؟ تسريح؟ وحصر السلاح في يد الدولة، ومراقبة دولية صارمة، وشدد قائلاً: أي اتفاق لا يحسم “معضلة الجيشين” سيُعاد إنتاج الحرب لاحقًا، ومسار حكم انتقالي مدني مبني على توافق ليس مجرد محاصصة بين العسكريين والمدنيين، بل حكومة انتقالية، مجلس سيادة مدني/تمثيلي، برلمان انتقالي، وعدالة إنتقالية، وترتيبات إنسانية عاجلة فتح الممرات، عودة النازحين، إعادة الخدمات، دعم المرافق الأساسية، وتأمين المدن الكبرى، وأوضح دكتور الفاتح من موجبات تحقق هذا السيناريو يجب ان لايركز علي حل المشكلة بإعتبارها نتيجة لما حدث بعد 15 أبريل 2023م ، وأضاف تبار : مشكلة السودان أعمق من ذلك وحتي تتوقف الحرب في السودان للأبد يتحقق السلام المستدام يجب إعادة بناء الدولة السودانية من جديد علي أسس جديدة تتضمن العدالة والمساواة في توزيع الفرص المتوازنة والثروة بين مكونات الدولة السودانية حتي لا يتضر شخص او جهة لحمل السلاح لدواعي التهميش والظلم ، وهذا في تقديري لن يتم إلا بالإستفادة من تجارب العالم من حولنا وإعادة تأسيس الدولة السودانية علي أسس عادلة عبر إتباع الديمقراطية التوافقية التي تخاطب وتمثل كل مصالح فئات الشعب السوداني ، وهذا يأتي عقب حل مشكلة تعدد الجيوش وبناء جيش مهني واحد بمعايير مهنية محددة ، من خلال الديمقراطية التوافقية وهي أشبه بتجربة سويسرا وقتها نكون أزلنا هيمنة المركز والقابض ن وقتها تكون كل الاقاليم ممثلة في السلطة والثروة التي تدير المركز وكل إقليم له إستقلالية لادارة شؤونه الداخلية وختم تبار حديثه بقوله: هذا ينهي الحروب للابد ويأتي بسلام مستدام ودائم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات