رحيل جوزيف لاقو: وداعاً لأحد رموز الكفاح الوطني والتحرر في السودان وجنوب السودان
بقلم: د. حافظ إبراهيم عبدالنبي
ترحل الشخصيات التاريخية عن دنيانا، ولكنها لا تغادر ذاكرة الشعوب، لأن الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات النضال الكبرى لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بحجم الأثر الذي تركوه في مسيرة أوطانهم. وهكذا نستحضر اليوم سيرة المناضل والقائد التاريخي جوزيف لاقو، أحد أبرز رموز الكفاح الوطني والتحرر في السودان وجنوب السودان، وأحد الرجال الذين أسهموا في تشكيل الوعي السياسي بقضايا الحرية والعدالة والحقوق، وتركوا بصماتهم في التاريخ السياسي المشترك للشعبين.
لقد كان جوزيف لاقو اسماً حاضراً في صفحات التاريخ السوداني، وقائداً ارتبطت تجربته بالنضال من أجل الحقوق السياسية والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، في وطن عانى طويلاً من اختلال العلاقة بين المركز والأطراف، ومن غياب المشروع الوطني القادر على استيعاب جميع مكوناته على قاعدة المواطنة المتساوية. ولم تكن مسيرته مجرد تجربة عسكرية أو سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً عن قضية وطنية عميقة تتصل بحق الشعوب في الكرامة والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، وبضرورة بناء دولة تعترف بتعددها وتحتضن اختلافاتها بدلاً من تحويلها إلى أسباب للصراع والانقسام.
وقد شكلت تجربته في قيادة حركة أنانيا، ثم دوره في مسار التسوية السياسية الذي أفضى إلى اتفاقية أديس أبابا عام 1972، محطة مهمة في تاريخ البحث عن السلام في السودان. ومهما اختلفت القراءات السياسية لتلك المرحلة ونتائجها، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بدوره في نقل قضية الجنوب من ميادين القتال إلى طاولة التفاوض، وإسهامه في واحدة من أبرز محاولات إنهاء الحرب وإعادة صياغة العلاقة بين مكونات الوطن.
إن استذكار جوزيف لاقو اليوم ليس مجرد وفاء لرجل من رجال التاريخ، بل هو استحضار لدروس تجربة سودانية طويلة، أثبتت أن تجاهل المظالم التاريخية لا يصنع وحدة وطنية، وأن السلام الذي لا يقوم على العدالة والمساواة والاعتراف بالحقوق يظل عرضة للانتكاس مهما طال أمده. لقد دفعت شعوب السودان وجنوب السودان أثماناً باهظة نتيجة الإخفاق في بناء دولة المواطنة، ولا تزال تداعيات تلك الإخفاقات ماثلة أمامنا في الحروب والانقسامات والمآسي الإنسانية. ومن هنا تكتسب سيرة الرواد الذين حملوا قضايا التحرر والحقوق أهمية تتجاوز حدود التاريخ، لتصبح جزءاً من الوعي الضروري لبناء المستقبل.
لقد جسّد جوزيف لاقو مرحلة مفصلية من مراحل النضال السياسي والعسكري، وكان شاهداً وصانعاً لأحداث كبرى أسهمت في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة. ورغم ما شهدته العلاقات بين الشمال والجنوب من تحولات وصراعات انتهت بقيام دولة جنوب السودان المستقلة، فإن التاريخ المشترك للشعبين سيظل أكبر من الحدود السياسية، وستبقى تضحيات الأجيال السابقة جزءاً من الذاكرة الوطنية التي لا يمكن محوها أو تجاوزها.
إن الوفاء الحقيقي لجوزيف لاقو ولجميع رموز الكفاح الوطني لا يتحقق بالكلمات وحدها، وإنما بالتمسك بالقيم التي ناضلت من أجلها أجيال متعاقبة، وفي مقدمتها الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة واحترام التنوع وحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي بعيداً عن الإقصاء والاستبداد. كما أن استحضار تجربته يضع أمام الأجيال الجديدة مسؤولية قراءة التاريخ بوعي وإنصاف، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والاستفادة من دروس الماضي في بناء مستقبل يسوده السلام والتعايش والاحترام المتبادل بين السودان وجنوب السودان.
وسيبقى جوزيف لاقو، بما له وما عليه في ميزان التجربة التاريخية، واحداً من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة تاريخ الحركة الوطنية ومسارات الحرب والسلام والتحولات الكبرى التي شهدها السودان وجنوب السودان. فقد كان جزءاً من مرحلة صنعتها التضحيات والآمال والانكسارات، وترك إرثاً سياسياً يستحق الدراسة والتأمل، ليس باعتباره مجرد فصل من الماضي، وإنما بوصفه تجربة تحمل الكثير من الدروس للأجيال القادمة.
وداعاً جوزيف لاقو، فقد يرحل الرجال، ولكن تبقى مواقفهم وتجاربهم وشواهد نضالهم حاضرة في ذاكرة الأجيال. وستظل صفحات التاريخ تحفظ لكل من حمل قضية شعبه وسعى إلى انتزاع حقوقه مكانته المستحقة، لأن الأوطان لا تُبنى بالنسيان، وإنما بالاعتراف بالتاريخ والإنصاف واستخلاص العبر من تضحيات الذين سبقونا.
رحم الله القائد التاريخي جوزيف لاقو، وخالص التعازي والمواساة لأسرته ورفاق دربه ولشعب جنوب السودان، ولكل الذين عرفوا مسيرته وقدّروا إسهاماته في تاريخ النضال والتحرر.

