عروة الصادق يرد على جدل زيارته لدارفور : زيارتي التزام تنظيمي وليست مغامرة سياسية.. ويغادر مجموعة الخبراء السودانيين

0
18
عروة الصادق
عروة الصادق

عروة الصادق يرد على جدل زيارته لدارفور : زيارتي التزام تنظيمي وليست مغامرة سياسية.. ويغادر مجموعة الخبراء السودانيين

نيالا: السودانية نيوز

أثار مساعد رئيس حزب الأمة القومي لشؤون الشباب عروة الصادق جدلاً واسعاً بعد زيارته إلى دارفور ومناطق تقع تحت إدارة تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”.

واضاف عروة (إنه تابع ما أثارته زيارته من لغط وتحفظات، مؤكداً أن الزيارة جاءت استجابة لالتزام أخلاقي وتنظيمي وسياسي، ووفاءً لمسؤولية تجاه رئيس الحزب اللواء فضل الله برمة ناصر، الذي وقع على الوثائق التأسيسية لتحالف تأسيس وأصبح عضواً في مكتبه القيادي.

وأضاف: “الجغرافيا التي تسيطر عليها قوة عسكرية لا تصبح ملكاً سياسياً حصرياً لتلك القوة، والمواطنون المقيمون فيها لا يفقدون حقوقهم الوطنية”، مشدداً على أن الحرب قسمت مناطق السيطرة ولا ينبغي أن تسمح بتقسيم الضمير الوطني.

وقال عروة في رسالة مطولة وجهها من دارفور إلى مجموعة الخبراء السودانيين ( تابعت ما أثارته زيارتي إلى دارفور، ووجودي في مناطق تقع تحت إدارة تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، من لغط وتساؤلات وتحفظات في بعض المجموعات. وقد كنت آثرت ألا أنشغل بالرد على ما يقال، إيماناً بأن الواجب الذي جاء بي إلى هنا أكبر من السجالات، وأن أحوال أهلنا الذين أنهكتهم الحرب أجدر بوقتي واهتمامي. غير أنني وجدت من مقتضيات المسؤولية الأخلاقية والسياسية أن أوضح موقفي، احتراماً لأنفسنا، ولتاريخنا المشترك، وللعقول والخبرات التي تضمها هذه المجموعة.

وأبدأ من حقيقة يعرفها الجميع، ولا تحتاج إلى اجتهاد أو تأويل: أنني قيادي في حزب الأمة القومي، ومساعد لرئيسه اللواء فضل الله برمة ناصر، الذي وقّع على الوثائق التأسيسية لتحالف السودان التأسيسي، وأصبح عضواً في مكتبه القيادي. وهذه حقائق سياسية وتنظيمية معلنة، مهما اختلف الناس حولها، لا يجوز القفز فوقها عند النظر إلى موقفي أو تفسير زيارتي.

وقد كان رئيس الحزب نفسه في دارفور قبل أيام، في إطار تواصله مع عضوية الحزب وقياداته ومجتمعاته، لولا أن فاجعة رحيل نجله قطعت زيارته، وألزمته العودة لمواجهة مصابه الجلل، نسأل الله أن يرحم الفقيد ويجبر كسر أسرته.

ولذلك، فإن مواصلتي لهذه المسيرة لم تكن نزوة شخصية، أو مغامرة سياسية، أو انتقالاً مفاجئاً بين المعسكرات؛ وإنما جاءت استجابة لالتزام أخلاقي وتنظيمي وسياسي أعتز به، ووفاءً لمسؤولية أتحملها تجاه رئيس الحزب ومؤسساته وقواعده، وتجاه أهلنا في دارفور وكردفان، الذين لم تسقط حقوقهم علينا بسقوط الطرق المؤدية إليهم، ولم تنقطع صلتنا بهم لأن خرائط السيطرة العسكرية قد تبدلت.

وما ينبغي أن يكون واضحاً، خصوصاً في حضرة الخبراء والأكاديميين والدبلوماسيين والسياسيين، أن الجغرافيا التي تسيطر عليها قوة عسكرية لا تصبح ملكاً سياسياً حصرياً لتلك القوة، وأن المواطنين المقيمين فيها لا يفقدون حقوقهم الوطنية، ولا يجوز اختزال انتماءاتهم ومواقفهم في هوية الجهة المسيطرة على مناطقهم.

فإذا كان وجود الإنسان في منطقة خاضعة لسلطة معينة يعني بالضرورة تبنيه مشروع تلك السلطة، فبأي منطق يمكن أن نتحدث عن وحدة السودان، أو نطالب بالتواصل مع المجتمعات الواقعة على جانبي الحرب؟ وكيف نستطيع بناء سلام شامل إذا جعلنا مجرد الوصول إلى أهلنا قرينة اتهام، والتواصل معهم سبباً للريبة، ومواساتهم شبهة تستوجب التبرير؟

إن من المفارقات المؤلمة أن نتحدث عن السلام والوحدة والمصالحة الوطنية، ثم تضيق بعض صدورنا بحركة مواطن داخل وطنه، أو بزيارة قيادي حزبي لقواعد حزبه، أو بالتواصل مع مجتمعات ظلت تدفع أثمان الحرب والتهميش والحرمان.

لقد تعرضنا للتضييق في المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع، وحُرمنا من حقوق أساسية، وواجهنا من القيود ما حال دون وصولنا إلى أجزاء من وطننا. وقد اضطررت شخصياً إلى البحث عن طرق أخرى للعودة، عبر شرق أفريقيا والحدود الجنوبية، حتى أصل إلى أهلي في الميرم والضعين ونيالا.

فهل المطلوب، بعد كل هذا، أن نقبل حرماننا من الحركة في المناطق التي تسيطر عليها سلطة الأمر الواقع، ثم نفرض على أنفسنا حرماناً طوعياً من الوصول إلى بقية السودان، إرضاءً لحساسيات سياسية لا ينبغي أن تتقدم على حقوق الناس وواجباتنا تجاههم؟

وأي معنى يبقى للمواطنة إذا أصبح حق الإنسان في الوصول إلى أهله رهناً برضا السلطات المتحاربة، أو بموافقة المجموعات السياسية التي تختلف معها؟

إنني أرفض هذا المنطق من أساسه.

وأرفض أن تتحول الحرب، بكل ما أحدثته من تمزيق للجغرافيا والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية، إلى معيار نعيد به تعريف الوطنية، أو نصنف بموجبه السودانيين وفق أماكن إقامتهم، أو نحاكم به النوايا من خلال طرق السفر ووجهات الزيارة.

لقد قسمت الحرب مناطق السيطرة، ولا ينبغي أن نسمح لها بتقسيم الضمير الوطني.

ولست ممن يخلطون بين التواصل السياسي والإذعان، أو بين المسؤولية الاجتماعية والاصطفاف العسكري. ولدي من الوضوح في مواقفي، ومن القدرة على الدفاع عنها، ما يجعلني غير محتاج إلى إخفاء قناعاتي أو استعارة مواقف الآخرين.

ومن حق كل إنسان أن يختلف معي في تقديراته السياسية، وأن يناقش موقفي وموقف رئيس الحزب وتحالفاته، وأن ينتقد خياراتنا بالحجة والمسؤولية. فهذا حق أصيل لا أنازعه فيه، ولا أطلب من أحد التنازل عنه.

ولكن الاختلاف السياسي، مهما اشتد، لا يمنح أحداً حق احتكار الوطنية، أو وضع حدود جديدة لانتمائنا إلى السودان، أو تحويل الخلاف حول التحالفات إلى قطيعة مع المجتمعات التي نختلف بشأن مستقبلها.

ولعل ما يؤلمني حقاً أن تنشغل بعض الأوساط بمغزى وصولي إلى دارفور، بينما تشهد المنطقة شحاً مقلقاً في الأمطار، وتعثراً في الموسم الزراعي، وتتزايد المخاوف من أزمة غذائية قد تتفاقم إذا لم نستعد لها منذ الآن.

هذه هي القضايا التي تشغلني، وقد بدأت بالفعل مناقشتها مع المختصين والمعنيين، سعياً إلى فهم حجم المخاطر والتحضير لمواجهتها، إلى جانب التواصل مع قيادات الحزب والإدارة الأهلية والمجتمعات المحلية.

فإذا كنا نختلف حول الطريق إلى دارفور، فليتنا نتفق على أن إنقاذ أهل دارفور وكردفان من الجوع والخوف والتشرد أوجب من محاكمة الذين استطاعوا الوصول إليهم.

إن المسؤولية الوطنية لا تُختبر في اتساق المواقف داخل مجموعات التواصل، وإنما تُختبر أيضاً في القدرة على عبور الحواجز التي أقامتها الحرب بين السودانيين، وفي الاستعداد لمواجهة معاناة الناس حيثما وجدوا، دون اشتراط اتفاقهم معنا في الرأي أو الانتماء.

وأريد أن أقول للأحباب هنا، بكل احترام ووضوح، إنني لم أذهب إلى دارفور لأحصل على شهادة في الوطنية من أحد، ولم أعد إلى أهلي لأستأذن في حق أصيل لا تمنحه الأحزاب ولا التحالفات ولا السلطات.

ذهبت لأن لي هناك أهلاً وأحباباً ومسؤوليات وروابط لا تقبل التعليق إلى حين انتهاء الحرب، ولأنني أؤمن بأن وحدة السودان لا تُصان بالخطابات وحدها، وإنما بإبقاء جسور التواصل بين أبنائه مفتوحة مهما اشتدت الخلافات.

وإذا عجزنا، نحن الذين نكتب عن الدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، عن احترام حق بعضنا في الحركة والتواصل والاختلاف، فكيف سنقنع شعباً مزقته الحرب بأننا مؤهلون لبناء دولة تتسع للجميع؟

إن هذا السؤال يستحق من كل صاحب خبرة وتجربة ومسؤولية عامة وقفة صادقة مع نفسه، بعيداً عن الاصطفافات والأحكام المسبقة.

ولأنني أحترم حق الآخرين في اختيار علاقاتهم ومساحات تواصلهم، ولا أرغب في أن يكون وجودي سبباً في حرج أي إنسان، فقد رأيت أن أغادر هذه المجموعة طوعاً، دون خصومة مع أحد، أو تنازل عن قناعة، أو تراجع عن مسؤولية.

وأود أن يكون مفهوماً أن مغادرتي ليست اعترافاً بخطأ الزيارة، ولا استجابة لضغط، وإنما تعبير عن احترام متبادل أرجو أن يظل قائماً، حتى في أشد لحظات الاختلاف.

سأواصل، بعون الله، رحلتي إلى أهلنا في دارفور وكردفان، وسألتقي من أستطيع لقاءه من قيادات الحزب والمجتمع والإدارة الأهلية والمسؤولين والفعاليات الشعبية، وسأظل منحازاً إلى حق السودانيين في الحياة الكريمة والأمن والحرية والسلام، وإلى وحدة وطنهم وحقهم في تقرير مستقبله بعيداً عن الوصاية والإكراه.

ولا أرى في ذلك ما يستدعي الاعتذار أو الاستئذان.

فمن حق الناس أن يختلفوا حول السلطة، ولكن ليس من حقهم أن يختلفوا على حق بعضهم في الوطن. ومن حقهم أن يتباينوا بشأن التحالفات، ولكن لا ينبغي أن تتحول التحالفات إلى أسوار تفصل السودانيين عن أهلهم وأرضهم.

ولعل الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه جميعاً من هذه المأساة أن السودان لن يستعيد وحدته إذا ظل كل فريق يطالب الآخرين بعبور المسافة إليه، بينما يرفض هو أن يخطو خطوة واحدة نحوهم.

إن السلام الذي نريده لا يبدأ يوم توقيع الاتفاقات، وإنما يبدأ منذ اللحظة التي نقرر فيها أن خلافاتنا، مهما عظمت، لا تسقط حقوق بعضنا، وأن الجغرافيا التي مزقتها البنادق ينبغي أن تعيد وصلها إرادة السودانيين.

وختاماً، أشكركم جميعاً، وأغادر هذه المجموعة محتفظاً لكم بالتقدير، ومتمسكاً بحقي في الاختلاف كما أتمسك بحقكم فيه. فلا خصومة شخصية أحملها، ولا مرارة أريد أن أورثها لأحد.

وأملي أن يجمعنا، عاجلاً غير آجل، سلام عادل شامل ومستدام، في وطن موحد، مدني، ديمقراطي، تسوده المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتتسع أرضه وحقوقه وحرياته لكل أبنائه، دون إقصاء أو تمييز.

وسيبقى السودان أكبر من تحالفاتنا جميعاً، وأبقى من سلطات الحرب، وأحق بولائنا من كل اصطفاف.

فإن ضاقت بنا المجموعات، فلن يضيق بنا الوطن. وإن اختلفت بنا الطرق، فليكن السودان هو الموعد الذي نلتقي عنده.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عروة الصادق
مساعد رئيس حزب الأمة القومي لشؤون الشباب
دارفور – 26 أكتوبر 2026م