مجدي علي
بعد أعوام من النزوح القسري المرير الذي فرضته حـ.رب لم تبقِ ولم تذر، بدأت الأسر السودانية رحلة العودة تدريجياً إلى العاصمة الخرطوم، يحدوها الأمل في استعادة حياة سُرقت منهم، وإعادة إعمار ما تهدم من منازلهم المتضررة. لكن، ويا للحسرة، اصطدمت هذه الأشواق بواقع اقتصادي “كالح” وبالغ الصعوبة؛ تمثل في الارتفاع الجنوني لتكاليف الترميم، ما وضع العائدين أمام ضغوط مالية تفوق طاقة البشر، وأجّل -حتى إشعار آخر- حلم الاستقرار المنشود.
مواد البناء.. الأسعار “نار”
تتصدر أسعار مواد البناء قائمة التحديات التي تخنق العائدين؛ إذ شهدت الأسواق زيادات قياسية وغير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع “الدولار الجمركي” والقيود الثقيلة على الاستيراد، وهو ما انعكس مباشرة على توفر “السيخ والأسمنت” وكلفتها التي باتت تحرق الجيوب.
وتكشف لغة السوق الصادمة أن سعر طن الأسمنت قفز ليبلغ نحو 580 ألف جنيه، في حين يتأرجح سعر طن حديد التسليح في فضاء يتراوح بين 1,900 ألف و2,450 ألف جنيه. أما “اللوري” (حمولة الرمل الخشن) فقد وصل إلى 600 ألف جنيه، والناعم إلى 360 ألف جنيه. وحتى الطوب الأحمر، “سترة المساكين”، لم يسلم؛ إذ وصل سعر الألف قطعة إلى 560 ألف جنيه، بينما تراوحت أسعار سيراميك الأرضيات بين 50 ألفاً و70 ألف جنيه للمتر المربع، ووصل سعر لوحة “زنك التسقيف” إلى نحو 50 ألف جنيه للوحة الواحدة.
هذه القفزات لم تجعل من الترميم عبئاً ثقيلاً فحسب، بل جعلته “مهمة انتحارية” للأسر والمستثمرين المحليين على حد سواء، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعتصر البلاد.
تكلفة تفوق والإمكانات
هذه الأرقام تعكس حجم “النزيف المالي” المطلوب لإعادة بناء جدران منزل من دون أي “فخامة” إضافية. ومع إضافة أجور العمالة -التي ارتفعت هي الأخرى بسبب ندرة الأسطوات والمهنيين- تتحول التكلفة إلى جبل يصعب تسلقه. فترميم منزل متوسط يحتاج أطناناً من الأسمنت والحديد وكميات هائلة من الرمل والطوب، ما يجعل تكلفة “المواد وحدها” تتراوح بين 10 و15 مليون جنيه، دون احتساب “يوميات العمال” أو التشطيب. وفي حال تضرر “الأساسات” أو الهيكل الخرساني، فإننا نتحدث هنا عن عشرات الملايين التي لا يملكها أغلب العائدين.
هذا الغلاء لا يحطم الجدران فحسب، بل يحطم النسيج الاجتماعي؛ إذ يؤخر عودة الأسر ويجبرها على البقاء في مساكن مؤقتة أو “عالة” على الأقارب، كما يغذي حلقة مفرغة من الغلاء تبتلع كل ما في طريقها، وتعطل فرص العمل في قطاع المعمار والخدمات المرتبطة به.
خيارات المعالجة؟
في مواجهة هذا “الغول” السعري، تبرز الحاجة الماسة لتدخلات لا تقبل التأجيل؛ كوفير قروض ميسرة “حقيقية” مخصصة للترميم، أو إتاحة المواد بأسعار مدعومة عبر مخزون استراتيجي يضبط فوضى السوق. كما يشدد المختصون على ضرورة إحياء الإنتاج المحلي لمواد البناء بدلاً من هذا الارتهان المذل للاستيراد ولقلبات العملة.
لم تعد العودة للخرطوم مجرد خطوة نحو الوطن، بل تحولت إلى “اختبار قاسٍ” لجيوب المواطنين المنهكة. فغلاء المواد جعل الترميم “غصة” في حلق الفرحة بالعودة، ما يتطلب سياسات دعم فعالة تُمكّن المواطن من وضع “حجر على حجر” في منزله بأمان.

ضوابط الترميم.. كلفة “فنية” إضافية
وفوق نار الأسعار، واجه العائدون تحدياً إضافياً يتمثل في “الضوابط الصارمة” التي وضعتها السلطات للترميم؛ إذ اشترطت إجراء فحوصات هندسية مسبقة لضمان سلامة المباني من الانهيار المفاجئ.
السلطات المحلية في الخرطوم وبحري وأم درمان شكلت فرقاً فنية لفحص الدمار الواسع الذي طال الأحياء. ودعت وزارة التخطيط العمراني المواطنين الذين تعرضت منازلهم للهدم أو الحرق للتبليغ الفوري، لاستلام تقرير فني يحدد “خارطة الطريق” للترميم قبل البدء في أي عمل. ورغم أن السلطات أعلنت عن (خطة شاملة) للفحص التلقائي، إلا أن سيل الطلبات من أصحاب المصانع والبنوك والمؤسسات يعكس حجم القلق الوجودي من المخاطر الإنشائية، ويضيف عبئاً زمنياً ومالياً جديداً على رحلة التعافي الصعبة.
إعادة إعمار مؤجلة
تقدر السلطات السودانية تكلفة إعادة الإعمار الإجمالية بنحو 300 مليار دولار، وهو رقم مهول يعكس حجم الخراب الذي طال البنية التحتية بعد حـ.رب استمرت أكثر من عامين. هذا الرقم يكشف “الفجوة السحيقة” بين إمكانات الدولة وأوجاع المواطن، الذي يجد نفسه عالقاً في معادلة قاسية: نار غلاء مواد البناء من جهة، ومقصلة متطلبات السلامة الهندسية من جهة أخرى.
وبذلك، لا يتأخر الترميم بسبب “القروش” وحدها، بل بسبب تراكب الغلاء مع الإجراءات الفنية الضرورية، ليظل حلم “العودة الآمنة” هدفاً مشروعاً.. ولكنه مؤجل بانتظار حلول تمويلية ترحم الأسر العائدة من هذا العبء المركب.

