د. التوم حاج الصافي .
ليست الهزيمة أن تخسر الجيوش معارك، بل أن تفشل في واجبها الأخلاقي الأول: حماية المدنيين. ما جرى في السودان يكشف تخاذلًا ممنهجًا، تُغطيه شعارات جوفاء عن “الرجولة”، ويُبرَّر بخطاب يجلد الضحية ويعفي المقصّر. تحوّلت مقولات مثل «الجرية عيب وشينة» إلى دعاية لإخفاء الفشل، لا إلى معيار للشرف.
الوقائع صارخة: مدن تُترك بلا حماية، انسحابات بلا إجلاء، قرارات عملياتية تُفعِّل القتال وتُعطِّل حماية الناس. أي تكتيك لا يضع المدنيين في قلب الخطة هو تكتيك بلا قيمة. الانتصار الذي يُبنى على جثث الأبرياء ليس انتصارًا، بل هزيمة أخلاقية وسياسية، وخسارة لمعنى الوطن.
بدل الفعل، يعلو الخطاب. يُوبَّخ المدني لأنه نزح، وكأن الشجاعة تُقاس بقبول الموت المجاني. الجرية ليست عيبًا؛ العيب هو التخلي. العيب أن يُطالَب الأعزل بأن يموت ليغطي فشل من امتلك السلاح والقرار.
ثم السؤال الذي يتهربون منه: بعد دمار البلد، ما فائدة “الانتصار”؟ ما قيمة راية تُرفع فوق أنقاض المدن؟ الانتصار الحقيقي يُقاس بحياة الناس وأمانهم وكرامتهم، لا بضجيج إعلامي ولا بنقاط على الخرائط.
هنا تُستدعى كذبة “الحرب الوجودية”؛ عبارة كيزانية لتبرير الفشل والقتل. أي وجود يُحمى بإبادة المجتمع؟ الوجود الحقيقي هو وجود الناس في حياتهم، لا بقاء سلطة أو أيديولوجيا. حين يُختزل الوطن في جماعة، تصبح الحرب على المجتمع لا لأجله.
المعادلة المختلّة واضحة: سنوات نُهبت فيها الميزانيات باسم الحماية، وحين فشل هذا “الاستثمار” طُلب من الشعب الاستنفار بلا محاسبة ولا مراجعة ولا تنازل عن الحكم. هذا ليس استنفارًا، بل إعادة تدوير للفشل.
والحقيقة التي يُراد طمسها: الجيش ليس الوطن. لو ذهب الجيش، لن يذهب السودان. الأوطان لا تفنى بذهاب مؤسسات، لكنها تُدمَّر حين تُدار بلا أخلاق ولا مساءلة. حماية المدنيين ليست خيارًا؛ هي المعيار الوحيد لأي حديث عن نصر.

