ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: انطلقت في طرابلس يوم الاثنين 6 أبريل 2026 أعمال مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط، بإشراف إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية وبمشاركة قادة من عشر دول (تونس، الجزائر، السودان، النيجر، تركيا، إيطاليا، مالطا، اليونان، فرنسا، إسبانيا). يمثل المؤتمر مبادرة ليبية لتأسيس منتدى أمني إقليمي دائم في توقيت تتقاطع فيه ثلاثة عوامل: تصاعد حاد في نشاط الإرهاب بمنطقة الساحل وفق مؤشر الإرهاب العالمي 2026، واستمرار الحرب في السودان وخطر امتدادها عبر الحدود، وتراجع الاهتمام الغربي بأفريقيا نتيجة الانشغال بالشرق الأوسط وأوكرانيا. يعكس توسيع المشاركة من نسخة المؤتمر الأولى “دول الجوار” (2024) إلى “دول الساحل والمتوسط” (2026) توجهاً ليبياً لترسيخ دورها كحلقة وصل استراتيجية بين أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا. ورغم أهميته الرمزية، يبقى الأثر الحقيقي مرهوناً بالقدرة على الانتقال من التشخيص إلى آليات عمل فاعلة، وبتجاوز الانقسام الداخلي الليبي الذي يقيّد القدرة على الوفاء بالتزامات إقليمية.
من جهته أكد رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة أن الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية، وأن نجاح مواجهة التهديدات العابرة للحدود مرهون بتعزيز التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات وبناء الثقة. أشار مدير الاستخبارات العسكرية اللواء محمود حمزة إلى أن الحدود الجنوبية باتت ممرات مفتوحة للتهديدات، داعياً لتجاوز التنسيق التقليدي نحو الاندماج الاستخباراتي الفعلي وبناء منظومة موحدة.
التحليل:
أبعاد استراتيجية ومتغيرات جيوسياسية:
يمثل المؤتمر في جوهره مبادرة ليبية لتأسيس منتدى أمني إقليمي دائم، يرتكز على ثلاثة محاور: تعزيز الشراكات الأمنية بين دول المنطقة، وفتح قنوات منتظمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية في مجال مكافحة الإرهاب، ومناقشة التهديدات المشتركة وآليات حماية الحدود. ويعكس توسيع نطاق المشاركة في النسخة الثانية من المؤتمر توجهاً ليبياً لإعادة صياغة دورها الإقليمي، بعيداً عن موقع الدولة الطرفية على هامش الاهتمام الدولي.، بل كحلقة وصل استراتيجية بين أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا. هذا التوسع الجغرافي ليس مجرد توسيع في قائمة المدعوين، بل هو رسالة سياسية واضحة: ليبيا تسعى لأن تكون محور معمار أمني إقليمي جديد في منطقة باتت تفتقر لمثل هذه الأطر بعد تراجع الترتيبات الأمنية التقليدية التي قادتها القوى الغربية.
يعقد هذا المؤتمر في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة تُلقي بثقلها على منظومة الأمن الإقليمي، وتستدعي استجابة استخباراتية منسّقة. على صعيد الساحل الأفريقي، لا تزال الحرب في السودان مستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ويتصاعد معها خطر امتداد تداعياتها عبر الحدود نحو تشاد وليبيا، في ظل تدفق متواصل للاجئين والأسلحة والمقاتلين. وفي السياق ذاته، كشف مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 عن تصاعد حاد في نشاط الجماعات المسلحة المنتسبة إلى تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات متزايدة على دول المتوسط وأوروبا، تتجلى في موجات الهجرة غير النظامية وتهريب الأسلحة وحركة المقاتلين عبر الصحراء الكبرى.
على الصعيد الأمني المحلي، نجحت الأجهزة الأمنية الليبية مؤخراً في تفكيك عدة خلايا مرتبطة بتنظيمات متطرفة تنشط في التمويل وتهريب المقاتلين والمهاجرين، ولها امتدادات إقليمية ودولية. وتكشف هذه النتائج عن مستوى متقدم من التعقيد في بنية الشبكات الإرهابية، وتؤكد الحاجة الماسة إلى تنسيق استخباراتي عابر للحدود.
في خضم هذه المعادلة المتشعبة، تحتل ليبيا موقعا محوريا بوصفها البوابة الشمالية التي تعبر منها تداعيات الساحل نحو البحر المتوسط وأوروبا. وهو ما يفسّر الحضور الأوروبي الكبير في المؤتمر، إذ شاركت فيه إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان ومالطا، في دلالة واضحة على أن الأمن الأوروبي بات مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالاستقرار على الجانب الجنوبي من المتوسط
يضاف إلى هذه المتغيرات الإقليمية انشغال الغرب بملفات متعددة استنزفت اهتمامه وموارده: التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وخاصة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والحرب الروسية-الأوكرانية التي دخلت عامها الرابع، والتحولات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة بعد عودة دونالد ترامب للرئاسة. أفضى هذا الانشغال إلى تراجع ملحوظ في الاهتمام الدولي بأفريقيا والساحل، كما ظهر في تقليص الميزانيات الأمريكية والأوروبية المخصصة لبرامج مكافحة الإرهاب، وفي تراجع الحضور العسكري الفرنسي بعد الانسحابات المتتالية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. تسعى دول المنطقة إلى استثمار هذا الفراغ من خلال مبادرات إقليمية ذاتية، يأتي مؤتمر طرابلس في طليعتها، في محاولة لإثبات أن الأمن الإقليمي يمكن أن يدار محليا دون وصاية خارجية.
لكن المؤتمر يحمل أيضاً أبعاداً أخرى لا تقل أهمية عن البعد الأمني المعلن. من الناحية الاقتصادية، يمثل فرصة لمناقشة تأمين طرق التجارة البرية عبر الصحراء، التي تعاني من انعدام الأمن وتهديدات الجماعات المسلحة، ما يعيق التكامل الاقتصادي بين شمال أفريقيا ودول الساحل. ومن الناحية الدبلوماسية، يوفر المؤتمر منصة للقاءات الثنائية بين دول لا تجمعها دائماً علاقات سهلة، كما هو الحال بين الجزائر والمغرب (رغم غياب المغرب عن المؤتمر)، أو بين ليبيا والسودان في ظل التوترات الحدودية المتكررة. ومن الناحية الإنسانية، تطرح ملفات الهجرة واللاجئين نفسها بقوة، خاصة مع تدفق ملايين السودانيين نحو دول الجوار، ووجود ليبيا كنقطة انطلاق رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يفسر اهتمام الدول الأوروبية المشاركة بربط التعاون الأمني بإدارة الهجرة.
يحمل حضور رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة شخصياً في الجلسة الافتتاحية دلالة سياسية واضحة، إذ يوظف المؤتمر لتعزيز شرعية حكومته بوصفها فاعلاً أمنياً إقليمياً قادراً على قيادة مبادرات عابرة للحدود وتنسيق جهود دولية. هذا الحضور يمثل رسالة داخلية وخارجية: داخلياً، أن حكومة طرابلس لا تزال الممثل الشرعي لليبيا في المحافل الإقليمية، وخارجياً، أن ليبيا قادرة على تجاوز أزمتها الداخلية للعب دور إيجابي في الأمن الإقليمي. لكن الانقسام الداخلي الليبي القائم، وتواصل سيطرة المعسكر الشرقي بقيادة خليفة حفتر على أجزاء واسعة من البلاد، بما فيها معظم الحدود الجنوبية مع السودان وتشاد، ويقيّدان القدرة الليبية الفعلية على الوفاء بالتزامات أمنية إقليمية واسعة، تطرح هذه المعطيات تساؤلا جوهريا حول مدى قدرة حكومة لا تفرض سيطرتها على كامل أراضيها، ولا تتحكم فعليا في الحدود التي تمثل مصدر التهديد الأساسي، على تنفيذ التزامات أمنية مشتركة مع شركائها الإقليميين. ويظل أحد أبرز التحديات التي ستلقي بظلالها على المؤتمر ومخرجاته.
الخلاصة:
**يخلص مركز تقدم للسياسات إلى أن المؤتمر محاولة ليبية لاستباق التهديدات وترسيخ الدور الإقليمي، مع توظيفه في سياق الشرعية الداخلية. يعكس تحولاً نحو مقاربة أمنية إقليمية جماعية واستباقية، ينسجم مع ما تشير إليه أدبيات التعاون الأمني الإقليمي حول ضرورة “ملكية محلية” للترتيبات الأمنية بعيداً عن النماذج المفروضة خارجيا.
**لكن الفرص تواجه قيودا بنيوية: الانقسام الليبي يجعل الالتزامات محل شك، والتفاوت الكبير في القدرات بين الدول المشاركة، وتباين الأجندات السياسية, حيث تعكس أولويات الأطراف المشاركة تبايناً واضحاً في مقاربتها للملف الأمني؛ إذ تركز أوروبا على احتواء ملف الهجرة، بينما تنظر دول الساحل إلى المؤتمر بوصفه فرصة للحصول على دعم أمني ولوجستي، في حين تسعى ليبيا إلى توظيفه لتعزيز شرعيتها السياسية ودورها الإقليمي.
**الأثر الحقيقي سيُقاس بالانعكاس على الواقع الميداني في مناطق الحدود. النجاح مرهون بثلاثة عوامل: قدرة ليبيا على تجاوز انقسامها، واستعداد الدول الأوروبية لدعم مالي وتقني حقيقي، والتزام دول الساحل بالشفافية في تبادل المعلومات. في غياب هذه العوامل، قد يبقى المؤتمر مبادرة رمزية ذات أثر محدود.

