ذوالنون سليمان- وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسا
تقدير موقف
تقديم: ترأست جمهورية مصر العربية الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، الذي استضافته وزارة الخارجية المصرية في القاهرة بتاريخ 14 يناير 2026، برئاسة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وبمشاركة واسعة من وفود الدول والمنظمات الإقليمية والدولية. ويأتي انعقاد هذا الاجتماع في سياق جهود دولية–إقليمية متزايدة تهدف إلى ضبط حالة التشتّت التي طبعت المبادرات المتعلقة بالأزمة السودانية، والسعي نحو توحيد المقاربات السياسية والأمنية الداعمة لمسار السلام، في ظل تعقّد المشهد الميداني واستمرار الانهيار الإنساني
التفاصيل
تتكوّن الآلية التشاورية من خمس منظمات متعددة الأطراف، هي: الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، جامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأعضاء الرئيسة، وهي أنغولا، جيبوتي، والعراق، فضلًا عن الدول الراعية لمبادرات السلام، وتشمل: جمهورية مصر العربية، المملكة العربية السعودية، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية.
ترأست مصر الاجتماع بصفتها الدولة المضيفة، ممثَّلة بوزير خارجيتها، فيما شارك بصفاتهم الرسمية كلٌّ من رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، وعبد القادر حسين، وزير خارجية جمهورية جيبوتي، ومسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للشؤون العربية والأفريقية، والشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة في وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، والمهندس وليد الخريجي، نائب وزير خارجية المملكة العربية السعودية. كما حضر ممثلون عن ألمانيا، تركيا، النرويج، دولة قطر، المملكة المتحدة، جمهورية الصين الشعبية، الاتحاد الروسي، الجمهورية الفرنسية، جمهورية العراق، وجمهورية أنغولا، إلى جانب مشاركة المنظمات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
أجمع المشاركون على أولوية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وصون مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض أي مسارات من شأنها تكريس التقسيم أو إنشاء كيانات وسلطات موازية.
توافق المشاركون على مسار ثلاثي المراحل يبدأ بهدنة إنسانية عاجلة، تليها وقف مستدام لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة ذات ملكية سودانية.
جرى التأكيد على ضرورة تعزيز التنسيق بين جهود الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والآليات الدولية الأخرى، بما فيها الرباعية، بهدف تقليل التداخل وتوحيد الرسائل السياسية.
تثبيت دور جمهورية مصر العربية بوصفها منصة جامعة للتنسيق السياسي واستضافة الحوارات السودانية، والبناء على مخرجات حوار القاهرة.
أجمعت الوفود المشاركة على دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ودعم مسار سياسي شامل يحفظ وحدة السودان ويحقق الاستقرار.
التحليل
يعكس مستوى الحضور الإقليمي والدولي في الاجتماع حجم الاهتمام المتزايد بالحرب السودانية، ورغبة الأطراف المختلفة في احتواء الأزمة بأبعادها المتشابكة، ولا سيما البعد الإنساني الذي بات يصنف بوصفه أكبر كارثة إنسانية راهنة، والبعد العسكري الذي يشكل تهديدا مباشرا للسلم والأمن الإقليميين. وقد اتسمت مداخلات المشاركين بالتأكيد على أسس مبادراتهم المتعلقة بوقف إطلاق النار وتحسين الوضع الإنساني واستعادة المسار السياسي، مع إجماع واضح على إعطاء الأولوية لوقف القتال وتخفيف المعاناة الإنسانية، مقابل تباينات بشأن كيفية إدارة العملية السياسية وتسلسلها. ففي حين تميل دول الجوار إلى مقاربة أمنية تبدأ بتثبيت الهدنة ووقف النار قبل الخوض في ترتيبات سياسية معقّدة، تحذّر أطراف غربية من مخاطر فصل المسار الأمني عن السياسي، خشية تحوّل وقف إطلاق النار إلى حالة تجميد للصراع دون معالجة جذوره البنيوية.
ويحيل خطاب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بشأن ثوابت السياسة المصرية تجاه السودان – وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وصون مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية – إلى قراءة استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي للأزمة، لتلامس اعتبارات أوسع تتصل بالأمن الإقليمي. ويتقاطع تشديده على خطورة المرحلة الراهنة وتداعيات استمرار الصراع مع مناخ إقليمي متصاعد يرفض النزعات الانفصالية وإعادة تفكيك الدول الوطنية، ولا سيما في ظل تطورات حساسة، من بينها الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى “جمهورية أرض الصومال”، إضافة إلى الخلافات الخليجية المرتبطة بملفات إقليمية أخرى، وما أفرزته من مخاوف من إعادة إنتاج كيانات موازية للدولة.
أتاح هذا السياق للدبلوماسية المصرية توظيف المناخ الإقليمي الراهن للدفع برؤيتها القائمة على أولوية بقاء الدولة المركزية ومؤسساتها الوطنية بوصفها صمام أمان أساسي للاستقرار الإقليمي. وتأتي هذه الرؤية في مواجهة أطروحات قوات الدعم السريع وتحالف “تأسيس” التي تدعو إلى إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات المدنية والعسكرية وبنائها من جديد، وهي أطروحات تُقابل بتشكيك مصري ضمني في قدرتها على إدارة الدولة أو الاضطلاع بوظائفها السيادية، خصوصًا في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة تتزايد فيها مخاطر التفكك والصراعات العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الحضور المتوازن لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على طاولة الحلول السلمية بوصفه عنصرًا حاسمًا في تحييد الأزمة السودانية عن مسارات الاستقطاب الإقليمي. فإدماج الرياض وأبو ظبي ضمن آلية تشاورية متعددة الأطراف لا يقتصر على توظيف ثقلهما السياسي والاقتصادي للتأثير في مسار الصراع، بل يهدف كذلك إلى منع تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو امتدادات التنافس الخليجي–المصري، ولا سيما في سياق أمن البحر الأحمر. كما أن تثبيت مشاركتهما ضمن مسار جماعي منضبط يحدّ من مخاطر تغذية مسارات موازية أو رهانات أحادية، ويعيد توجيه النفوذ الإقليمي من عامل تأزيم إلى أداة ضغط داعمة لوقف القتال وتسوية سياسية تحفظ وحدة الدولة السودانية ووظائفها السيادية.
الخلاصة
**أبرزت مخرجات الاجتماع رفضًا صريحًا لأي مسارات تفضي إلى إنشاء سلطات موازية أو تفكيك مؤسسات الدولة، بما يعكس قلقًا إقليميًا متزايدًا من سيناريوهات التفكك والانفصال.
**لم تنتج الآلية التشاورية مسارًا تفاوضيًا مستقلًا، بل ركّزت على تنسيق وتكامل المبادرات القائمة (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيغاد، الرباعية) ، ما يكشف محدودية أدوات الإلزام، ويجعل نجاحها مرهونًا بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على تحويل التوافقات السياسية إلى ضغوط عملية وحوافز ملموسة.
أسهم إفراد الآلية التشاورية دورًا تنسيقيًا أكبر لمصر في الملف السوداني في تعزيز مقاربتها القائمة على الحفاظ على الدولة القائمة مع إدخال إصلاحات تدريجية، مقارنة بمسارات التفكيك أو إعادة التأسيس، وذلك في بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات الهشاشة وعدم اليقين.

