
متابعات: السودانية نيوز
قال اكد مساعد رئيس حزب الأمة القومي والقيادي في تحالف “صمود”، عروة الصادق ، إن اجتماع وفد الخماسية الدولية مع سلطة بورتسودان ومع المجموعة المقدمة باعتبارها لجنة لتهيئة الحوار، ينبغي قراءته بحذر شديد، مؤكداً أن مجرد اللقاء الدبلوماسي لا يمنح أي طرف شرعية سياسية، ولا يحول أي مبادرة إلى منصة وطنية معتمدة، وأن محاولة تقديم الاجتماع باعتباره اعترافاً دولياً بلجنة الحوار أو تفويضاً لها تتجاوز مضمون الزيارة ولن تلغي حقيقة تجميد الاتحاد الأفريقي لعضوية السودان.
وأضاف عروة في مقال تحليلي (أعتقد أن اجتماع وفد الخماسية مع سلطة بورتسودان، ومع المجموعة المقدمة باعتبارها لجنة لتهيئة الحوار، ينبغي قراءته بحذر شديد، لأن مجرد اللقاء الدبلوماسي لا يمنح أي طرف شرعية سياسية، ولا يحول أي مبادرة إلى منصة وطنية معتمدة، فالخماسية جاءت في إطار التشاور، والمساعي الحميدة، والاستماع إلى الأطراف المختلفة، ولهذا فإن محاولة تقديم الاجتماع باعتباره اعترافًا دوليًا بلجنة الحوار أو تفويضًا لها تتجاوز مضمون الزيارة نفسها ولن يلغي ذلك حقيقة تجميد الاتحاد الأفريقي لعضوية السودان.
المشكلة الأساسية اليوم تتجاوز سؤال جدوى الحوار أثناء استمرار الحرب، فنحن أمام سؤال يسبق ذلك كله: من أنشأ هذه اللجنة؟ وبأي تفويض؟ وما طبيعة استقلالها عن السلطة التي تعمل داخل مجال سيطرتها؟ فالحوار السوداني ضرورة وطنية لإنهاء الأزمة، غير أن الحوار الذي يبدأ بتكوين غامض، وبترتيبات تصنعها إحدى سلطات الحرب، يواجه أزمة شرعية منذ لحظة ميلاده.
إفادة البروفيسور قاسم بدري الأخيرة تكشف جانبًا بالغ الأهمية من هذه الأزمة، فقد أوضح أنه لم يستقل من اللجنة، لأن لجنة بالمعنى المؤسسي المتداول لم تكن قد تشكلت أصلًا وفق قرار تعيين، وهيكل، ورئاسة واضحة، وأن ما كان قائمًا في البداية عبارة عن عمل طوعي محدود دفع باتجاه فكرة الحوار، وتنتهي وظيفته الأساسية عند انتقال الفكرة إلى مرحلة الحوار نفسه، وهذه الإفادة تجعل النقاش حول «الاستقالات» أقل أهمية من النقاش حول أصل التكوين: كيف تحولت مجموعة عمل طوعية إلى لجنة لها اسم، وحضور سياسي، واجتماعات، ولقاءات مع وفود دولية، وترتيبات تنفيذية؟
وهنا تأتي المعلومات التي أملكها بصورة مباشرة حول ما جرى بعد ذلك، فقد شارك ضباط من مكتب الفريق عبد الفتاح البرهان في إعداد قوائم المدعوين والسفر ومقابلة عدد من قيادات القوى السياسية في الخارج لدعوتهم، وترتيب المستضافين، وتجهيز الجوانب اللوجستية، وترتيب وصول بعض المشاركين إلى الخرطوم، وهذا يعني أن مكتب البرهان لم يقف عند توفير الضمانات الأمنية أو التسهيلات الرسمية التي يمكن فهمها في أي عملية حوار، وإنما دخل عمليًا في تشكيل جزء من البيئة التنظيمية للعملية نفسها.
وهذا فارق جوهري، فهناك مسافة كبيرة بين أن توفر السلطة ممرًا آمنًا وحماية لمن يريد المشاركة، وبين أن تدخل أجهزتها في تحديد القوائم، والاستضافة، والترتيبات اللوجستية، والوصول إلى المشاركين، فالسلطة التي تتحكم في مداخل العملية تستطيع أن تؤثر لاحقًا في طبيعتها وتوازناتها، حتى إذا تركت للمشاركين حرية الحديث داخل القاعة.
المشكلة هنا لا تتعلق باتهام كل من شارك في المبادرة بالتبعية، أو التشكيك في نوايا الشخصيات الوطنية الموجودة فيها، فعدد من هؤلاء يمكن أن يكون قد دخل المشروع بحسن نية ورغبة حقيقية في وقف الحرب، وإنما تتعلق المشكلة ببنية العملية نفسها: من يملك التأسيس؟ ومن يختار؟ ومن يموّل؟ ومن يستضيف؟ ومن يقرر من يصل ومن يبقى خارج المشهد؟ ومن يملك القدرة على تعديل قواعد العملية في أي مرحلة؟
إذا صحت رواية -حسن النوايا – أن المبادرة الأصلية كانت عملًا طوعيًا محدودًا انتهت وظيفته بمجرد إطلاق فكرة الحوار، ثم تدخل مكتب البرهان لاحقًا في القوائم، واللوجستيات، والاستضافة، فإننا أمام انتقال واضح من مبادرة مدنية إلى عملية دخلت السلطة في تشكيل بنيتها التنفيذية، وهنا يصبح الحديث عن استقلال اللجنة محتاجًا إلى إثبات عملي يتجاوز التصريحات.

الحوار الوطني الحقيقي ينبغي أن يملك القدرة على اتخاذ قرار يخالف رغبة السلطة التي يعمل داخل مجال سيطرتها، وهذا من أبسط اختبارات الاستقلال، فإذا عجزت اللجنة عن اختيار مدعويها بعيدًا عن مكتب البرهان، أو تحديد قواعدها دون تدخل رسمي، أو نقل مكان الحوار إذا أصبح الموقع نفسه عائقًا أمام المشاركة، فإن وصف العملية بالاستقلال يصبح محل سؤال مشروع.
ثم تأتي مسألة استمرار الحرب، فالحوار السياسي لا يمكن فصله عن واقع السلاح، وهناك فرق بين مسار وقف القتال ومسار بناء الدولة، فالقوات التي تحمل السلاح يجب أن تدخل في ترتيبات واضحة وملزمة لوقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وترتيبات وقف إطلاق النار، أما مستقبل الدولة، وشكل الحكم، وتفكيك التمكين، والدستور، والعدالة، والإصلاح المؤسسي، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، فينبغي أن يكون مجالًا لعملية سياسية مدنية واسعة لا يحتكرها حملة السلاح.
الخلط بين المسارين يخلق مشكلتين خطيرتين، الأولى أن نحاول وقف حرب عسكرية بحوار مدني لا يملك أدوات إلزام المتقاتلين، والثانية أن نترك تقرير مستقبل الدولة للمسلحين بحجة أنهم يملكون القدرة على وقف القتال، والسودان يحتاج إلى فصل واضح بين وظيفة وقف الحرب ووظيفة تأسيس الدولة، مع ربط المسارين سياسيًا وزمنيًا.
وأخشى أن تتحول عملية الحوار الحالية، إذا لم تتم مراجعة بنيتها، إلى محاولة لترتيب مشهد سياسي بعد أن حددت الحرب جزءًا كبيرًا من موازين القوة، وهنا يصبح الحوار أداة لإضفاء طابع مدني على نتائج صنعتها القوة العسكرية، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن معنى ذلك أن السيطرة على مؤسسات الدولة أو الأراضي تتحول تدريجيًا إلى حقوق سياسية مكتسبة.
ينبغي أن تكون القاعدة معكوسة: نتائج الحرب لا تُمنح تلقائيًا قيمة دستورية، والسيطرة العسكرية لا تعطي حقًا دائمًا في الحكم، ومن يدخل الحوار بقوة السلاح لا ينبغي أن يخرج منه بملكية الدولة.
