السبت, فبراير 21, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةمن الخرطوم إلى بيالي: رحلة لجوء تنتهي بخيام بلا خدمات ولا عمل

من الخرطوم إلى بيالي: رحلة لجوء تنتهي بخيام بلا خدمات ولا عمل

تقرير : حسين سعد
من الخرطوم إلى معسكر بيالي في أوغندا، لم تكن الرحلة مجرد عبور حدود، بل عبور من حياةٍ كاملة إلى خيمة مؤقتة، هناك، حيث تصطف الخيام وتتشابه الوجوه المنهكة، يعيش اللاجئون السودانيون بين أملٍ لا ينطفئ وواقعٍ قاسٍ من نقص الماء والغذاء والعمل، في ظل هذه الأوضاع ، يحاول آلاف السودانيين إعادة ترتيب حياتهم من تحت رماد الحرب، في معسكر بيالي بأوغندا، لا تُقاس الأيام بالتقويم، بل بعدد صفوف الانتظار أمام مراكز توزيع الغذاء، وبعدد الليالي التي تمرّ بلا دواء أو ماءٍ نظيف، اللاجئون السودانيون القادمون من الخرطوم والفاشر ونيالا والجزيرة، وغيرها من المدن والقري السودانية المنكوبة بسبب الحرب ،حملوا معهم ما تبقى من صورٍ وذكريات، وتركوا خلفهم بيوتًا أكلتها النيران أو مدنًا ابتلعها الرصاص. لم يختاروا اللجوء ترفًا، بل فرارًا من موتٍ محقق. غير أن الطريق إلى الأمان لم يكن نهاية الحكاية، بل بدايته المؤلمة.

معاناة قاسية:
ليست كل الرحلات تُقاس بعدد الكيلومترات، فبعضها يُقاس بعدد الفقد. من الخرطوم إلى الفاشر، ومن نيالا إلى الجزيرة، والنيل الابيض عبوراً نحو الحدود، لم تكن الطريق إلى اللجوء مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاعاً كاملاً من حياة كانت، مهما اشتدت قسوتها، تُسمّى وطناً، وعندما يصل اللاجئ إلى معسكر بيالي في أوغندا، يظنّ لوهلة أن الخطر انتهى، وأن صفحة جديدة توشك أن تبدأ، غير أن الصفحة الجديدة لا تُكتب بالحبر، بل بالانتظار، في بيالي، تمتد الخيام كأنها محاولة جماعية لإخفاء وجعٍ لا يُخفى. كل خيمة تحكي قصة مدينة تركت خلفها، وبيتٍ لم يُغلق بابه الأخير، وألبوم صور بقي على رفٍّ مكسور، هناك لا تُقاس الأيام بالتقويم، بل بعدد المرات التي يخرج فيها المرء بحثاً عن ماء نظيف، أو بعدد الساعات التي ينتظر فيها دورَه أمام مركز صحي محدود الإمكانات، الزمن في المعسكر ليس حيادياً؛ إنه زمن القلق، زمن الترقّب، زمن العيش على الحدّ الأدنى من كل شيء.
الهروب من الموت:
اللاجئون السودانيون الذين وصلوا إلى معسكر بيالي لم يأتوا سياحاً ولا باحثين عن فرصٍ جديدة، بل فارّين من موتٍ محتمل، بعضهم غادر تحت وابل الرصاص، وبعضهم خرج قبل أن تشتعل النيران في بيته بدقائق حملوا أطفالهم وأوراقهم القليلة، وتركوا خلفهم تاريخاً شخصياً وجماعياً. لكن اللجوء، كما تكشفه هذه الشهادات، ليس نهاية الخوف، بل إعادة تشكيله في صورة أخرى: خوف من المرض، من الجوع، من العجز، من الغد المجهول، هذا التقرير، الذي يستند إلى استبيان شمل خمسين لاجئاً ولاجئة أعدّه المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، لا يقدّم سرداً عاطفياً فحسب، بل يضع الأرقام في مواجهة الضمير، فهو يكشف واقعاً مركّباً، تتقاطع فيه التحديات الأمنية مع هشاشة الخدمات الصحية، ويتداخل فيه نقص الغذاء والمياه مع تراجع التعليم وانعدام فرص العمل، إنها صورة كاملة لأزمة لا تختزلها لقطة واحدة، حيث تُظهر البيانات أن المخيم ليس مساحة لكبار السن المنهكين فقط، بل فضاء يعجّ بطاقات شابة معطّلة. فالغالبية في سن العمل والإنتاج، ما يعني أن بيالي لا يحتضن ضحايا حرب فحسب، بل يحمل في داخله إمكانات كامنة للبناء والإسهام. غير أن هذه الطاقات تصطدم بواقعٍ مغلق: لا فرص عمل، لا برامج تدريب كافية، ولا مسارات واضحة للاستقلال الاقتصادي. حين يُحاصر الإنسان في سنّ العطاء بلا أفق، يتحول الإحباط إلى عبء يومي ثقيل.


النساء تضحيات بلاحدود:
وتبرز النساء في واجهة المشهد بنسبة لافتة. كثيرات وجدن أنفسهنّ في موقع المعيل الوحيد، بعد أن تعذّر على أزواجهنّ اللحاق بهنّ أو فضّلوا البقاء في السودان لأسباب معقّدة. في معسكر بيالي ، تتحول المرأة إلى عمود أسرة كامل: تبحث عن الغذاء، تتابع صحة الأطفال، تواجه المخاطر الأمنية، وتحاول الحفاظ على تماسك نفسي هشّ. خلف كل رقم عن (نسبة النساء) قصة مقاومة صامتة، وقلبٍ يخشى أن ينهار أمام أطفاله، فالأمن، الذي يُفترض أن يكون أول ما يجده اللاجئ بعد عبوره الحدود، يبدو هشّاً بدوره، صحيح أن الغالبية تؤكد حرية الحركة، لكن التحديات الأمنية حاضرة بقوة: سرقات، عنف قائم على النوع الاجتماعي، وإعتداءات تُترك أحياناً بلا مساءلة واضحة. في بيئة مكتظة، حيث يسكن معظم الناس في مساكن جماعية مختلطة، تصبح الخصوصية ترفاً، وتتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى مصدر قلق. كذلك الصحة ليست أفضل حالاً، ويصف معظم المشاركين البيئة الصحية بأنها “سيئة”، فهم لا يبالغون. تلوث مياه الشرب، انتشار الملاريا والتيفوئيد، ونقص الخدمات الطبية الكافية، كلها تجعل المرض احتمالاً يومياً. والمفارقة المؤلمة أن الماء، الذي يُفترض أن يكون رمز الحياة، يتحول إلى ناقلٍ للمرض. في مثل هذه الظروف، تصبح الوقاية معركة، والعلاج سباقاً مع الوقت.
نقص الغذاء وغياب التعليم:
أما الغذاء، فهو الحكاية التي تتكرر كل شهر، حيث يعتمد معظم اللاجئين على المساعدات الإنسانية، لكن الجميع تقريباً يؤكدون أنها غير كافية. الجوع هنا ليس مجاعة معلنة، بل نقصٌ دائم ينهك الجسد ببطء. ومع غياب فرص العمل بالكامل تقريباً، يبقى الاعتماد على المساعدات قدراً مفروضاً، لا خياراً، وبشأن التعليم، الذي يُفترض أن يكون الجسر إلى المستقبل، يعاني هو الآخر. رغم توفر بعض الفرص للأطفال، فإن الجودة موضع شك كبير، وبرامج تعليم الكبار شبه غائبة. وهكذا، يجد جيل كامل نفسه معلقاً بين ماضٍ ضائع ومستقبل غير واضح المعالم، غير أن هذا التقرير لا يكتب اليأس بمدادٍ دائم. فبين كل هذه التحديات، عبّر اللاجئون عن مطالب واضحة وعملية: وهي تحسين الخدمات الصحية، توفير مياه نظيفة، إطلاق برامج تدريب مهني، بناء مدارس، إنشاء عيادات للدعم النفسي، وتقديم عون قانوني لضحايا العنف. هذه المطالب ليست شعارات، بل خارطة طريق لكرامة ممكنة، إن مخيم بيالي ليس مجرد موقع على الخريطة، بل اختبار حقيقي لمدى التزام العالم بقيمه الإنسانية. فإما أن تبقى الخيمة رمزاً مؤقتاً للحماية، أو تتحول إلى عنوانٍ دائم للهشاشة. وبين الاحتمالين، تقف سياسات واستجابات يمكن أن تغيّر المعادلة، هذا التقرير يضع الحقائق أمامنا كما هي: أرقام صادمة، نعم، لكنها أيضاً دعوة إلى الفعل. لأن الكرامة لا تُمنح مرة واحدة، بل تُصان كل يوم، في الماء الذي نشربه، في الدواء الذي نتلقاه، في المدرسة التي يدخلها أطفالنا، وفي فرصة العمل التي تحفظ إنسانيتنا.
هذا التقرير الذي أعدّه المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، استند إلى شهادات خمسين لاجئاً ولاجئة، في معسكر بيالي يكشف أرقاماً صادمة عن الأمن والصحة والتعليم داخل المخيم. وكذلك يكشف صورة مركبة لأوضاع إنسانية معقدة، تتقاطع فيها التحديات الأمنية والصحية والمعيشية والتعليمية، في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل، واعتماد كلي على المساعدات الإنسانية، لكنه في جوهره لا يتحدث عن أرقام فقط، بل عن بشرٍ يبحثون عن حدٍّ أدنى من الأمان والكرامة. بين الجوع والخوف، ما زال هؤلاء ينتظرون استجابة تعيد إليهم شيئاً من الاستقرار الذي سلبته الحرب.
تركيبة سكانية شابة:
تُظهر بيانات دراسة المركز الاقليمي أن غالبية اللاجئين في المعسكر هم في سن العمل والإنتاج؛ إذ تتراوح أعمار 62% منهم بين 31 و45 عامًا، بينما يمثل الشباب بين 18 و30 عامًا نسبة 32%، في حين لا تتجاوز نسبة من هم فوق 45 عامًا 6%. هذه التركيبة العمرية تعني أن المخيم لا يحتضن فقط ضحايا حرب، بل طاقات بشرية معطلة، وأيادٍ قادرة على البناء لو توفرت لها الفرص، وتشكل النساء 60% من العينة المستطلعة، مقابل 40% من الرجال. هذه النسبة لا تعكس مجرد واقع ديمغرافي، بل تحكي قصة غياب قسري لكثير من الرجال فبحسب المشاركات، فضّل بعض الرجال البقاء في السودان لأسباب اقتصادية، إذ لم يتمكنوا من تحمّل تكاليف الرحلة إلى اللجوء، بينما بقي آخرون خشية التعرض لمخاطر أو اتهامات على نقاط التفتيش، في المخيم، تتحول المرأة من شريكة حياة إلى عمود أسرة كامل؛ تتحمل مسؤولية الإعالة والرعاية، وتواجه في الوقت ذاته تحديات أمنية وصحية مضاعفة.
الأمن الهش سرقات وعنف :
رغم أن 94% من المشاركين أكدوا أنهم يتمتعون بحرية الحركة داخل المعسكر وخارجه، فإن 82% أقروا بوجود تحديات أمنية حقيقية، تتصدر السرقات قائمة التهديدات بنسبة 70%، وهو مؤشر على هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل المعسكر. يليها العنف القائم على النوع الاجتماعي (12%)، ثم التهديد من جماعات مسلحة (10%)، وأخيرًا الاعتداءات الجنسية( 8%) وراء هذه الأرقام قصص صامتة. نساء تعرضن لاعتداءات جنسية أثناء رحلة النزوح أو داخل بيئات غير آمنة، وبعضهن لم يتمكنّ من الحصول على دعم طبي بسبب تأخر الإبلاغ عن الحادثة لأكثر من أسبوعين، وهي فترة ترفض بعدها بعض المرافق الصحية استقبال الحالات وفق بروتوكولات معينة، في إحدى الحالات، تخلى زوج عن زوجته بعد علمه بتعرضها للاغتصاب، رافضًا التواصل أو تقديم الدعم، لتجد نفسها ضحية للعنف مرتين: مرة من المعتدي، ومرة من المجتمع.
بيئة غير صحية ومياه ملوثة
ويرى 66% من المشاركين أن السلطات المحلية تتحمل مسؤولية الأمن داخل المخيم، بينما ألقى 24% بالمسؤولية على سكان المخيم أنفسهم، وأشار 10% إلى منظمات الإغاثة.
هذا التباين يعكس غياب وضوح في منظومة الحماية، ويؤكد الحاجة إلى مقاربة تشاركية تعزز الأمن المجتمعي، ووصف (82%) البيئة الصحية داخل المعسكر بإنها (سيئة) وبحسب دراسة المركز الاقليمي فقد أكد (94%) انتشار مشكلات صحية واسعة، وتتصدر تلوث مياه الشرب قائمة المشكلات بنسبة 50%، تليها الملاريا والتيفوئيد (40%)، ثم الأمراض الجلدية، وتشير هذه الأرقام إلى علاقة مباشرة بين ضعف البنية التحتية الصحية وانتشار الأمراض، وأكد (10%) من المشاركين أكدوا أن الخدمات الصحية غير كافية، بينما وصفها 26% بأنها محدودة، ولم يصفها أحد بأنها كافية
ورداً علي سؤال المركز الإقليمي : هل توجد خدمات صحية مخصصة للنساء والاطفال : فقد وصفت الخدمات الصحية المقدمة للنساء والأطفال، بحسب دراسة المركز الاقليمي ، وُصفت بـ(الضعيفة) حسب رأي 30% من المشاركين، و22% أكدوا عدم توفرها إطلاقًا، مقابل فقط 6 مشاركين أشاروا إلى وجود خدمات مثل الكشف على الحوامل أو التطعيم.
وحول التحديات المعيشية فقد أشارت الدراسة الي إعتماد 70% من اللاجئين على المساعدات الإنسانية كمصدر غذاء رئيسي، بينما يعتمد 30% على الشراء من السوق المحلي. بينما أجاب جميع المشاركين (100%) حيث أكدوا أن الغذاء المتاح غير كافٍ. كذلك، فإن 84% لا يحصلون على مياه صالحة للشرب. وبشان السكن فقد أوضحت الدراسة إن حوالي (56%) يعيش في خيام ، و28% في مساكن مؤقتة، و16% في مساكن بدائية مثل المشمعات أو الأكواخ. كما أشارت النتائج إلى أن 86% يعيشون في مساكن جماعية مختلطة بين النساء والأطفال والرجال، ما يثير تساؤلات حول السلامة والخصوصية.
تحديات التعليم والعمل:
رغم أن 68% من المشاركين ذكروا توفر فرص تعليم للأطفال، إلا أن 72% وصفوا الجودة بأنها “ضعيفة”، بينما لم يصف أحد التعليم بـ(الجيد) وفيما يخص تعليم الكبار، أشارت النتائج إلى غياب شبه كامل، حيث أكد 72% عدم توفر أي برامج تدريبية أو تعليمية للكبار، وحول فرص العمل فقد أكد جميع المشاركين (100%) عدم توفر أي فرص عمل داخل المخيمات، ما يشير إلى عجز اقتصادي شديد قد يفاقم من سائر التحديات الأخرى.

مطالب واضحة وأمل لم ينطفئ:
وخلص التقرير إلى أن الأوضاع الإنسانية للاجئين السودانيين في مخيم بيالي لا تزال تواجه تحديات جسيمة على المستويات الأمنية والصحية والمعيشية والتعليمية، ما يتطلب تدخلًا إنسانيًا منسقًا يضع الأولويات الأساسية في صدارة الاستجابة، مع إشراك اللاجئين أنفسهم في تصميم الحلول لضمان فاعليتها واستدامتها، وبالرقم من قسوة الواقع الا ان اللاجئون فقد عبروا عن مطالب واضحة وعملية شملت تعزيز الخدمات الصحية وتوفير الأدوية للمرضى ، وإنشاء مراكز ثابتة للرعاية الأولية والولادة، وطالبت التوصيات بإطلاق برامج تدريب مهني للنساء والشباب وتوفير رأس مال لمشاريع صغيرة، وتحسين مرافق المياه والنظافة، وشددت التوصيات علي ضرورة بناء مدارس ورياض أطفال تستوعب الأعداد المتزايدة، وإنشاء عيادات للدعم النفسي، وتقديم العون القانوني لضحايا الاعتداءات الجنسية، وتخصيص اهتمام خاص لذوي الإعاقة، هذه المطالب لا تعكس ترفًا، بل احتياجات أساسية تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية
الخاتمة من المحرر:
في معسكر بيالي، لا يطلب اللاجئون السودانيون معجزة، بل يردون ماء نظيفة ، ودواء متاح ، ومدرسة لائقة لاطفالهم ، وفرصة عمل تحفظ كرامتهم ، يريدون أن يشعروا أن العالم لم يدِر لهم ظهره،فالحرب سرقت منهم بيوتهم، لكن المعسكر لا يجب أن يسرق إنسانيتهم، وإذا كانت الخيمة وطنًا مؤقتًا، فإن الكرامة يجب أن تبقى دائمة؟ يبقى السؤال مفتوحًا أمام المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية؟ هل تبقى هذه الأرقام حبيسة التقارير، أم تتحول إلى سياسات واستجابات تُعيد للاجئين شيئًا من الأمان الذي فقدوه؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات