بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.
يعد استخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات المسلحة من أخطر الجرائم التي عرفتها البشرية، ليس لأثرها الآني في حسم المعارك، بل لما تخلفه من دمار شامل يمتد لعقود في البيئة والإنسان والحيوان والنبات.
فالسلاح الكيميائي سواء كان مصنعا وفق معايير عسكرية أو مرتجلا بدائيا لا يميز بين مقاتل ومدني ولا بين طفل وشيخ، بل يفتك بكل حي ويلوث التربة والبيئة والمياه والهواء ويحول المناطق المستهدفة إلى مناطق منكوبة غير صالحة للحياة، لذلك اجتمع العالم واتفق على حظره بشكل قاطع.
ولدت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1993 ودخلت حيز التنفيذ في 1997، وانضم إليها السودان كدولة عضو ملتزمة أمام المجتمع الدولي بعدم إنتاج أو تطوير أو تخزين أو استخدام هذه الأسلحة في أي نزاع داخلي أو إقليمي، لكن ما يجري منذ الخامس عشر من أبريل 2023 يضع هذا الالتزام أمام اختبار حقيقي.
ففي مناطق عديدة كانت ولا تزال تحت سيطرة قوات الدعم السريع ترددت شهادات من مواطنين وأطباء ميدانيين عن ظهور أعراض غير مألوفة بعد قصف جوي مكثف يشنه طيران الجيش السوداني، أعراض تتمثل في ضيق حاد في التنفس وتهيج شديد في الجلد والبرص والتجدروالعينين وتقيؤ وغثيان جماعي وحالات اختناق مفاجئ حتى بعد انتهاء القصف بوقت طويل، وهي روايات لا يمكن تجاهلها رغم حاجتها لتحقيق دولي مستقل وفحوصات مخبرية دقيقة.
الذاكرة السودانية لا تزال تختزن ما جرى في عدد من المناطق دارفور عام 2016 وجبال النوبة حين اتهمت منظمات دولية الحكومة آنذاك باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين وهو اتهام ظلت الخرطوم تنفيه، اليوم يتكرر السيناريو في ظروف أكثر تعقيدا، فالحرب تحولت إلى حرب مدن والقصف الجوي بات يوميا في الخرطوم ودارفور وكردفان، وإذا ثبت استخدام أي مواد كيميائية محرمة فإن ذلك لا يعد انتهاكا للاتفاقية فحسب بل جريمة حرب مكتملة الأركان تمس حاضر ومستقبل السودان.
المطلوب الآن ليس التراشق الإعلامي بالنفي والإثبات من قبل بعض الصحفيين والإعلاميين التابعين للحركة الإسلامية والجيش، بل فتح الباب فورا أمام لجنة تقصي حقائق دولية محايدة تابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لأخذ عينات من التربة والمصابين والمصابين موجودين في كثيرمن المناطق بالسودان فالتحقق بشفافية سيظهر الحقائق للرأي العام المحلي والعالمي وعندئذ سيعلم من هو الجاني .
فالسودان ليس ملكا لطرف يقاتل بل وطن لكل السودانيين وبيئته أمانة في أعناقنا جميعا، ومن استخدم السلاح الكيميائي يجب أن يحاسب وينبذ ويبعد لأنه عدو للمواطن والبيئة وعدو لجميع شعوب العالم.
وأعتقد أن الصحفيين الذين جاء بهم جهاز الأمن والاستخبارات العسكرية من دول العالم واجتمعوا في الخرطوم ارتكبوا جريمة أخرى في حق الشعب السوداني والعالم وسيحاسبون عليها طال الزمن أو قصر، والتاريخ سيثبت أن الأسلحة الكيميائية قد استخدمت فعلا.