الجمعة, يناير 2, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةميثاق وحدة البلاد: وثيقة ضد الحرب وخطاب الكراهية في زمن الإنقسام

ميثاق وحدة البلاد: وثيقة ضد الحرب وخطاب الكراهية في زمن الإنقسام

تقرير:حسين سعد
دُشِّن يوم الخميس الأول من يناير 2026م رسميًا ميثاق وحدة البلاد، ومنع تقسيمها من قبل تحالف قوي التغيير الجذري بوصفه محاولة جادة لإعادة تعريف معنى العمل الوطني في لحظة تتكاثر فيها المبادرات، وتتراجع فيها الثقة العامة بسبب تجارب سابقة مثقلة بالخيبات، لم يكن التدشين مجرد فعالية بروتوكولية أو تلاوة لنص سياسي جديد، بل بدا أقرب إلى منصة مكاشفة جماعية، إستحضرت فشل المواثيق السابقة، وطرحت أسئلة صعبة حول الحرب، والسلام، ووحدة الصف المدني، وحدود المسؤولية التاريخية في بلد أنهكته الاتفاقات الجزئية والصفقات الهشة، جاءت الفعالية في توقيت بالغ الحساسية، في ظل حرب مستمرة تمزق السودان منذ أبريل 2023، وتداعيات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، وانسداد سياسي عميق، يقابله سباق محموم نحو حلول جزئية تدار غالبًا بمعزل عن القوى الحية في الشارع. في هذا السياق، حاول القائمون على الميثاق تقديمه كاستجابة نقدية لتاريخ طويل من المواثيق التي وُقّعت ثم انهارت، أو تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمة بدل حلها، مؤكدين أن القيمة الحقيقية لأي ميثاق لا تكمن في لغته أو عدد الموقعين عليه، بل في قدرته على بناء إجماع وطني واسع، وتوفير آليات واضحة للتنفيذ والمساءلة.
إيجابيات الميثاق:
أولى نقاط القوة التي برزت في الميثاق، وفق ما طُرح خلال فعالية التدشين، هي وضوح موقفه من الحرب، إذ ينص صراحة على أولوية الوقف الفوري والشامل للقتال، دون مواربة أو ربط ذلك بترتيبات سياسية انتقائية، هذا الوضوح يُعد مكسبًا مهمًا في مشهد اعتادت فيه بعض المبادرات استخدام لغة رمادية تفتح الباب لتفسيرات متناقضة، كما يتميز الميثاق بتأكيده الصريح على مناهضة خطاب الكراهية والتحريض، وربط ذلك مباشرة بإدامة الحرب وتفكك النسيج الاجتماعي. وفي بلد شهد خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا خطيرًا في خطاب الإقصاء والعنصرية والجهوية، يمثل هذا البند محاولة لوضع معركة الوعي في قلب المشروع السياسي، لا في هامشه، ومن الإيجابيات اللافتة أيضًا رفض الميثاق لاتفاقيات السلام الثنائية والهشة، وهي نقطة تستدعي قراءة نقدية لتجربة السودان مع اتفاقيات وقِّعت بمعزل عن قاعدة اجتماعية وسياسية عريضة، وانتهت إما إلى الانهيار أو إلى خلق أزمات جديدة. يطرح الميثاق، في المقابل، تصورًا لسلام شامل يقوم على معالجة جذور الأزمة، ويستند إلى مشاركة واسعة للقوى المدنية والنقابات ولجان المقاومة، باعتبارها أطرافًا أصيلة لا يمكن تجاوزها، كذلك يمنح الميثاق أهمية خاصة لوحدة الصف المدني، ليس كشعار إنشائي، بل كشرط أساسي لاستعادة السياسة من العسكرة، فالتجربة السودانية أثبتت أن تشرذم القوى المدنية كان دائمًا أحد أهم مداخل الانقلابات والحروب، وأن أي مشروع للانتقال الديمقراطي يظل هشًا ما لم يستند إلى جبهة مدنية موحدة ذات برنامج واضح.


الإرث الثقيل والفرصة الجديدة:
لا يمكن قراءة هذا الميثاق بمعزل عن الإرث الثقيل للمواثيق السابقة في السودان، من اتفاقات نُسفت بفعل موازين القوة، إلى نصوص جميلة عجزت عن مغادرة الورق، هذا الإرث يفرض على القائمين على الميثاق تحديًا مضاعفًا: كيف يمكن إقناع الشارع بأن هذه الوثيقة ليست تكرارًا للخذلان؟ وكيف يمكن تحويلها من إعلان نوايا إلى أداة ضغط سياسي وشعبي حقيقية؟ في هذا السياق، شدد متحدثون في الفعالية على أن الميثاق ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن نجاحه مرهون بقدرته على التمدد أفقيًا وسط القواعد الاجتماعية، وعموديًا عبر بناء هياكل تنسيقية وآليات متابعة، تضمن عدم اختطافه أو تفريغه من محتواه، تأتي أهمية ميثاق وحدة البلاد وعدم تقسيم السودان في هذا التوقيت من كونه استجابة وطنية عاجلة لمرحلة هي الأخطر في تاريخ الدولة السودانية الحديث، حيث تتقاطع الحرب مع التفكك الاجتماعي، وانهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد خطاب الكراهية، وتنامي أطروحات التقسيم كحل زائف للأزمة، ويمكن تلخيص أهمية الميثاق في التوقيت كحاجة وطنية ملحّة يصدر الميثاق في لحظة يتعرض فيها السودان لخطر التمزق الفعلي، لا على مستوى الجغرافيا فحسب، بل على مستوى الوعي الجمعي والعلاقات بين مكوناته الاجتماعية. فالحرب الجارية لم تعد صراعًا عسكريًا فقط، بل تحولت إلى حرب سرديات تهدد معنى الوطن نفسه، وتغذيها دعوات الانفصال، والإقصاء، وشيطنة الآخر، في هذا السياق، يمثل الميثاق صرخة وطنية مبكرة في وجه الانهيار، ومحاولة لاستعادة الحد الأدنى من الإجماع حول فكرة السودان الواحد، كذلك يعمل الميثاق علي سد الفراغ الأخلاقي والوطني مع غياب الدولة وضعف المؤسسات، واهتزاز المشروع الوطني، برز فراغ خطير تُركت فيه المجتمعات لمصيرها، دون مرجعية جامعة تحميها من الانزلاق نحو الاحتراب الأهلي أو التقسيم، فالميثاق يأتي لسد هذا الفراغ، ليس كبديل للسلطة أو للتسويات السياسية، بل كـ مرجعية أخلاقية وطنية تعيد تعريف الخطوط الحمراء.
. لا شرعية للحربلا مستقبل للتقسيم
. لا وحدة بلا عدالة ومواطنة متساوية
لم تعد دعوات التقسيم مجرد أفكار هامشية، بل وجدت طريقها إلى المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعة بالإحباط، والخوف، وتجارب التهميش التاريخي، أهمية الميثاق تكمن في أنه ، يفكك سردية التقسيم كحل، ويواجه خطاب الكراهية بخطاب جامع ، كما يؤكد الميثاق أن معالجة المظالم لا تكون بتفكيك الوطن، بل بإعادة بنائه على أسس جديدة، كما يساهم الميثاق في حماية النسيج الاجتماعي ومنع الحرب المجتمعية، حيث أضعفت الحرب الحالية الروابط بين المجتمعات، وخلقت استقطابًا حادًا على أسس جهوية وإثنية وثقافية، ويشكل الميثاق، في هذا التوقيت، يشكل حاجزًا وقائيًا ضد تحول الصراع من حرب بين أطراف مسلحة إلى حرب بين المجتمعات نفسها، عبر ترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل، والدعوة للمسؤولية في الخطاب العام والإعلامي، و في ظل اليأس العام، وإنهيار الثقة في السياسة، يقدم الميثاق أفقًا مختلفًا، يعيد التذكير بأن السودان، ليس مجرد خريطة متنازع عليها، بل مشروع تعايش تاريخي قابل للإصلاح لا للهدم، كذلك يعيد الميثاق طرح سؤال ؟ كيف نعيش معًا؟ بدلاً من سؤال: كيف ننفصل عن بعضنا؟ أيضا يساهم الميثاق في تمهيد الطريق لسلام عادل ومستدام لا يمكن لأي سلام أن يصمد إذا قام على وقائع التقسيم أو فرض الأمر الواقع بالقوة، ويربط الميثاق إنهاء الحرب بوحدة البلاد ، أخيراً يؤكد الميثاق أن العدالة الانتقالية والمساءلة جزء من مشروع الوحدة، ويضع أساسًا مجتمعيًا لأي عملية سياسية قادمة، فأهمية الميثاق لا تنبع من كونه وثيقة مكتوبة فقط، بل من اللحظة التاريخية التي يصدر فيها، فهو محاولة لإنقاذ ما تبقى من الفكرة الوطنية، وتجديد العقد الأخلاقي بين السودانيين، قبل أن تتحول الحرب إلى واقع دائم، والتقسيم إلى أمر واقع لا رجعة فيه، إنه نداء للوحدة في زمن التشظي، وللعقل في زمن السلاح، وللوطن في زمن الضياع.
(من المحرر) الخاتمة :
يعكس تدشين ميثاق وحدة البلاد إدراكًا متأخرًا لكنه ضروري، بأن أزمة السودان أعمق من مجرد صراع مسلح، وأن معالجتها تتطلب مشروعًا وطنيًا جامعًا يواجه الحرب والكراهية والتجزئة في آنٍ واحد. وبينما يظل الشك مشروعًا في بلد أرهقته المواثيق غير المنجزة، فإن أهمية هذا الميثاق تكمن في كونه يضع خطوطًا فاصلة مع تجارب الماضي، ويفتح نافذة – ولو ضيقة – لإعادة بناء الثقة بين القوى المدنية والجمهورن عليه يبقى التحدي الحقيقي أمام الميثاق هو الانتقال من منصة التدشين إلى ميادين الفعل، ومن لغة البيانات إلى أدوات التأثير، ومن وحدة الخطاب إلى وحدة الموقف. فإما أن يتحول إلى رافعة سياسية وأخلاقية تسهم في وقف الحرب وبناء سلام عادل، أو يُضاف إلى قائمة الوثائق التي شهد السودان توقيعها ثم تجاوزها. وحدها قدرة الموقعين عليه على الصمود، والتواضع أمام الشارع، والالتزام بروحه؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات