الخميس, فبراير 19, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةورقة سياسات الصفر الجمركي الصيني وأفريقيا: إعادة تشكيل ميزان النفوذ الدولي في...

ورقة سياسات الصفر الجمركي الصيني وأفريقيا: إعادة تشكيل ميزان النفوذ الدولي في القارة

ذو النون سليمان؛ وحدة الشؤون الأفريقية – مركز تقدم للسياسات

تقديم: أعلنت الصين إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من 53 دولة أفريقية ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، اعتبارًا من الأول من مايو، في خطوة توسّع إطار الإعفاءات السابق الذي كان يشمل 33 دولة. واستُثنيت دولة إسواتيني انسجامًا مع مبدأ “الصين الواحدة” نظرًا لعلاقاتها الدبلوماسية مع تايوان.

يتجاوز القرار بعده التجاري المباشر، ليشكّل تحولا جيو-اقتصاديا له انعكاسات عميقة على توازنات النفوذ الدولي في أفريقيا، وعلى طبيعة العلاقة بين القارة والقوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما يفتح مسارات جديدة أمام الفاعلين الإقليميين، خصوصًا دول الخليج.

تأتي هذه الخطوة في سياق بيئة دولية انتقالية تتسم بتصاعد التنافس الصيني–الأمريكي، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة تموضع الممرات البحرية الحيوية، ما يمنح القرار أبعادا استراتيجية تتجاوز منطق التجارة التقليدية.

نقرأ في هذه الورقة المختصرة الابعاد والاثار التي ستخلفها الإجراءات الصينية، وحزمة الإعفاءات الجمركية على دول افريقية وعلى البيئة الإقليمية في القرن الافريقي والخليج العربي:

–      السياق الاقتصادي – تثبيت موقع الصين كشريك أول:

بلغ حجم التجارة بين الصين وأفريقيا نحو 295–296 مليار دولار في عام 2024، حيث بلغت الصادرات الصينية إلى أفريقيا قرابة 179 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 117 مليار دولار. وفي عام 2025، ارتفع حجم التبادل إلى ما يقارب 348 مليار دولار، بزيادة تُقدّر بنحو 17.7%، ما يعزز مكانة الصين كشريك تجاري أول للقارة.

غير أن الميزان التجاري يميل بوضوح لصالح بكين، ما يعكس استمرار نمط يعتمد على تصدير المواد الخام الأفريقية مقابل الواردات الصناعية الصينية. ويأتي القرار الجمركي الجديد في محاولة لتعميق الاعتماد المتبادل، وتوسيع قدرة أفريقيا على النفاذ إلى السوق الصينية، بما يعزز الترابط البنيوي بين الاقتصادين.

–      الأبعاد الجيو-اقتصادية للقرار:

1.    إضعاف أدوات النفوذ الغربي:

تعتمد الولايات المتحدة على قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) كأداة تفضيلية مشروطة تسمح للدول الأفريقية بدخول السوق الأمريكي بشروط ميسّرة، مع ربطها بمعايير تتعلق بالحكم الرشيد وحقوق الإنسان.

في المقابل، لا تربط الصين إعفاءاتها الجمركية بشروط سياسية. هذا الفارق في المقاربة يضعف قدرة واشنطن على استخدام أدوات الضغط التجاري أو العقوبات الانتقائية، إذ إن اتساع السوق البديل يقلص فعالية تلك الأدوات.

كما أن الاتحاد الأوروبي، الذي يميل إلى مقاربة أمنية–سياسية في أفريقيا، قد يجد نفسه مضطرا لإعادة صياغة استراتيجيته الاقتصادية في القارة، بما يتجاوز أدوات الشراكة التقليدية.

2.    إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية:

يعزز القرار موقع أفريقيا كمصدر رئيسي للمعادن الاستراتيجية، والمنتجات الزراعية، والموارد الطبيعية التي تحتاجها الصين لدعم صناعاتها وتحولها الطاقي.

ومن المرجح أن يدفع الإعفاء الجمركي إلى:

              توسيع الاستثمارات الصينية في التعدين.

              تعزيز البنية التحتية المرتبطة بالتصدير.

              تكريس نمط ترابط مباشر بين الإنتاج الأفريقي والاستهلاك الصناعي الصيني.

وهذا يعمّق إدماج أفريقيا في سلاسل القيمة المرتبطة بالصين، بدل الأسواق الغربية التقليدية.

       البحر الأحمر والقرن الأفريقي: بعدٌ استراتيجي موازٍ:

بحسب تحليلات الخبراء في الشأن الافريقي، لا يمكن قراءة قرار “صفر تعريفات” الصيني تجاه 53 دولة أفريقية بوصفه ترتيبا تجاريا محضاً، لأن توسيع نفاذ السلع الأفريقية إلى السوق الصينية، وخاصة المواد الأولية والمنتجات الزراعية، يعني عملياً زيادة كثافة التدفقات التجارية بين طرفين يرتبطان بسلاسل إمداد بحرية طويلة تمرّ عبر نقاط اختناق حساسة. فالمسار البحري الذي يصل موانئ شرق أفريقيا بالسوق الآسيوية يرتكز على منظومة موانئ وخدمات لوجستية وتموين بحري وممرات عبور، تتصدرها ممرات البحر الأحمر–خليج عدن–المحيط الهندي، وفي قلبها مضيق باب المندب. ومن هنا يصبح القرار جزءاً من “هندسة سلاسل الإمداد” لا مجرد “تخفيض كلفة الاستيراد”، لأن نجاحه التجاري يتوقف على كفاءة الموانئ وقدرتها الاستيعابية، وعلى أمن الملاحة، وعلى انتظام خطوط الشحن والتأمين، أي على عناصر “القوة البحرية–اللوجستية” بقدر اعتماده على ميزة الإعفاء الجمركي.

هذا الترابط يفسّر لماذا يتقاطع القرار مع تنافس القوى الكبرى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فمن جهة، تمتلك الصين مصلحة مباشرة في حماية تدفق تجارتها وتأمين نقاط العبور، وقد طوّرت خلال السنوات الماضية مزيجاً من الحضور التجاري واللوجستي والأمني في المنطقة، تظهر إحدى علاماته الأبرز في جيبوتي قرب واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، حيث يتجاور النشاط التجاري للموانئ مع وظائف الدعم اللوجستي/الأمني. ومن جهة ثانية، ينظر صانع القرار الأمريكي إلى توسع الصين في موانئ أفريقيا وإمكان توظيفها لأغراض لوجستية/عسكرية مستقبلية باعتباره أحد ملفات “منافسة القوى الكبرى”، وهو ما يجعل البحر الأحمر ليس مجرد ممر تجارة، بل ساحة قياس نفوذ على مستوى البنية التحتية والتمركز والقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد. 

واللافت بحسب المراقبين، أن واشنطن لا تواجه هذا التمدد فقط بالخطاب، بل بمحاولات بناء بدائل في سلاسل توريد “المعادن الحرجة” والبنى التحتية العابرة للحدود، كما يظهر في دعمها لمشاريع ممرات لوجستية كبرى في أفريقيا هدفها تقليص الاعتماد على شبكات تقودها الصين أو تنافسها. ومع تعاظم القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر (باعتباره حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا) يصبح أي توسع تجاري صيني–أفريقي—كالذي يشجعه قرار الإعفاءات، رافعة إضافية لتعاظم وزن شرق أفريقيا والقرن الأفريقي في حسابات الأمن البحري والتنافس على الموانئ وإدارة الخدمات اللوجستية.

       الانعكاسات على دول الخليج:

يضع القرار الصيني دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، أمام لحظة إعادة تموضع استراتيجي. فمن جهة، يفتح توسّع النفاذ الأفريقي إلى السوق الصينية فرصًا للاستثمار في الزراعة التصديرية، وسلاسل الصناعات الغذائية، والتعدين، وربطها باتفاقات توريد طويلة الأجل تخدم الطلب الآسيوي المتنامي، بما يعزز مقاربات الأمن الغذائي وتنويع الاستثمارات الخارجية. ومن جهة أخرى، يعمّق القرار البعد اللوجستي–البحري في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، حيث يزداد الحضور الصيني في إدارة سلاسل الإمداد والموانئ، ما يفرض بيئة تنافسية أكثر تعقيدًا أمام المشاريع الخليجية، خصوصًا في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية. وعليه، فإن قدرة دول الخليج على الاستفادة من التحول ترتبط بانتقالها من استثمارات متفرقة إلى منظومات متكاملة (إنتاج–تمويل–نقل–تخزين–تسويق) تضمن لها موقعًا فاعلًا داخل سلاسل القيمة المتجهة إلى الصين، بدل الاكتفاء بدور هامشي في بيئة تتزايد شروطها الصينية.

الخلاصات

القرار الصيني يشكل تحوّلًا جيو-اقتصاديًا يعيد تشكيل توازنات النفوذ الدولي في أفريقيا.

يضعف فاعلية الأدوات التجارية الغربية القائمة على المشروطية السياسية.

يعزز إدماج أفريقيا في سلاسل الإمداد المرتبطة بالصين، خصوصًا في التعدين والزراعة.

يوسع البعد البحري–الاستراتيجي للصين في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

يمنح الدول الأفريقية هامش مناورة أوسع، بشرط تبني سياسات صناعية وطنية فعالة.

يفرض على دول الخليج إعادة تموضع استثماري سريع لتفادي التهميش في بيئة أكثر تنافسية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات