السبت, أبريل 4, 2026
الرئيسيةمقالاتأسامة سعيد يكتب :التلازم بين تأسيس جيش جديد والمحافظة على وحدة السودان

أسامة سعيد يكتب :التلازم بين تأسيس جيش جديد والمحافظة على وحدة السودان

عطفًا على رؤية الحزب الشيوعي السوداني المقدَّمة للآلية الخماسية حول العملية السياسية في السودان استوقفني ما طرحه الحزب في المحور الأمني بند الترتيبات الأمنية وكيفية الوصول إلى جيش واحد. وما فهمته هو الإبقاء على ما يُسمّى بالقوات المسلحة وحلّ كل التشكيلات العسكرية الأخرى.

لم توضّح رؤية الحزب الشيوعي ما هي الأسباب والدواعي التي استند إليها في جعل ما تبقّى من جيش الحركة الإسلامية الإرهابية الذي تحول الي مليشيا تحرس مكتسبات الإسلام السياسي أساسًا للجيش الجديد ؟. بالإضافة إلى ذلك يبرز السؤال المركزي: هل يعني هذا أن الحزب الشيوعي يرى أن ما تبقّى من جيش الحركة الإسلامية يمثّل جيشًا وطنيًا ومهنيًا يعكس تنوّع الشعوب السودانية؟

من خلال خبرتنا في قضايا الحرب و السلام نرى أن قضية تأسيس جيش جديد هي الجسر الواصل إلى تحقيق سلام عادل ودائم في السودان وهناك تلازم حتمي بين تأسيس جيش مهني وطني موحّد و المحافظة على الوحدة الوطنية.

وفي هذه القضية ليس هناك تباين بيننا في وجهات النظر فحسب بل خلاف جذري ليس مع الحزب الشيوعي وحده وإنما مع مجموعات مدنية أخرى القاسم المشترك بينها جميعًا هو البعد الإثني والجهوي المكوِّن لما يُسمّى بالجيش السوداني والذي يُعتبر بالنسبة لهم الأداة الفاعلة والمجرَّبة للحفاظ على امتيازات تاريخية مرتبطة ببنيته الإثنية و الجهوية .

ولا يمكن مناقشة قضية تأسيس جيش جديد في السودان بمعزل عن تجارب الدول الأخرى. فالتجارب المقارنة تُظهر أن الدول الخارجة من الحروب أو الأنظمة السلطوية لم تنجح عبر ترميم الجيوش القديمة بل عبر إحداث قطيعة مؤسسية معها. ففي أوغندا بعد 1986 لم يتم إصلاح الجيش القديم بل تفكك، وصعدت قوة جديدة أصبحت لاحقًا جيش الدولة مما ساهم في توحيد القيادة رغم احتفاظه بطابع سياسي فإنه لم يتحول تلقائيا إلي مؤسسة محايدة بالكامل لانه خرج من رحم القوة المنتصرة وهذا يعنى بالنسبة للسودان إن هزيمة الجيش القديم او تفكيكه لا تكفي اذ لابد أن يصاحب تأسيس الجيش الجديد مشروع مدني كامل يمنعه من التحول لجيش الطرف المنتصر . وفي إثيوبيا بعد سقوط نظام الدِّرغ عام 1991 تم حل الجيش والأجهزة الأمنية وإعادة بنائها على أسس جديدة مع إخضاع الأفراد لعمليات فرز وتأهيل. كما تُظهر تجربة تنزانيا بعد تمرد 1964 أن الدولة يمكن أن تحل جيشها وتعيد تأسيسه عندما يتحول إلى مصدر تهديد للاستقرار. أما كوستاريكا فقد ذهبت أبعد من ذلك بإلغاء الجيش دستوريًا، تأكيدًا على أن استقرار الدولة يقوم على الحكم المدني وسيادة القانون لا على عسكرة الدولة. فمن خلال هذة التجارب يتضح بأن حل الجيش الذي اصبح جزءا من الأزمة في السودان ليس مطلباً ايدولوجيا او انتقامياً بل ضرورة تأسيسه .

والشاهد أن حرب 15 أبريل ألغت كل المعادلات القديمة وأوجدت واقعًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا لا يمكن بأي حال من الأحوال القفز فوقه أو تجاهله. ويتمثّل هذا الواقع في وجود “جيش تأسيس” الذي يسيطر على أكثر من 50% من مساحة السودان ويقيم فيها سلطة مستقلة تدير شؤون شعوب يشكّل تعدادها غالبية أهل السودان. ودون الاعتراف بهذا الواقع واصطحابه يصبح كل ما يُقدَّم من رؤى عبارة عن محاولات للالتفاف على جدلية التغيير من اجل الإبقاء على نسق ومعادلات السودان القديم.

بالمقابل نحن في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) عالجنا مسألة الجيش الجديد بالتعريف الوارد في ميثاق السودان التأسيسي، والذي نصّ عليه في المبدأ رقم (14) على النحو التالي:
((يُؤسَّس جيش وطني جديد وموحّد ومهني وقومي، بعقيدة عسكرية جديدة، على أن يعكس التعدد والتنوع اللذين تتسم بهما الدولة السودانية، ويخضع منذ اليوم الأول من تأسيسه للرقابة والسيطرة المدنيتين، ويعكس في تكوينه كافة أقاليم السودان على أساس التوزيع السكاني العادل، ويكون مستقلاً عن أي ولاء أيديولوجي أو انتماء سياسي أو حزبي أو جهوي أو قبلي، ويقتصر دوره على حماية البلاد وأراضيها وسيادتها الوطنية، وصون النظام الديمقراطي، وضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحماية النظام الدستوري، دون أي تدخل في الشأن السياسي أو الاقتصادي)).

كما حدّد دستور السودان لسنة 2025 كيفية وماهية هذا التكوين، وذلك في نص المادة (95) التي تنص على الآتي:
(تكون قوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات الكفاح المسلح الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي نواةً للجيش السوداني الجديد).

كما اعتبرت المادة (96) أن المليشيات التابعة للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وجميع المليشيات الأخرى محلولة من تاريخ إجازة وسريان هذا الدستور.

هذه هي رؤيتنا في قضية الجيش الواحد، وهي رؤية واقعية تستند على قاعدة تأسيسية مُهرت بدماء الشهداء وتضحيات بنات و ابناء السودان الجديد .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات