الجمعة, يناير 9, 2026
الرئيسيةمقالاتألف يوم على اندلاع الحرب في السودان

ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان

د التوم حاج الصافي .

مرّ ألف يوم، والسودان ينزف بلا توقف. ألف يوم من القتل المجاني، والتشريد، وانهيار المدن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، بينما يصرّ من أشعلوا الحرب على تسويقها كـ«حرب وجود». والحقيقة القاسية: هذه ليست حرب وجود للسودانيين، بل حرب بقاء لنخبة عسكرية–كيزانية فقدت كل شرعية، ولا تملك سوى الخراب وسيلة لإطالة عمرها.
الجيش، الذي يفترض أنه مؤسسة وطنية لحماية المدنيين وصون البلاد، فشل فشلًا ذريعًا في أهم واجباته. لم يحفظ الأرواح، ولم يؤمّن المدن، ولم يمنع الإبادة البطيئة للمدنيين. بل على العكس، تحوّل إلى طرف سياسي–أيديولوجي، يتشدق بشعارات “الرجالة” و“الجرية عيب”، فيما الوقائع على الأرض تقول إن المدنيين تُركوا وحدهم في مواجهة الموت. أي رجولة هذه التي تُقاس بالخطاب لا بالفعل؟ وأي شرف يُرفع كشعار فيما القرى تُحرق والنساء تُغتصب والأطفال يُدفنون تحت الركام؟
الأكثر فداحة أن التكتيكات العسكرية المعلنة لم تُبنَ لحماية المدنيين أصلًا. لم تكن هناك استراتيجيات إخلاء، ولا ممرات آمنة، ولا أولوية لحياة الناس. كانت “العمليات” تُدار بعقلية استعراض القوة لا بعقل الدولة. وعندما تُفرغ الحرب من بعدها الإنساني، يصبح “النصر” كلمة خاوية. ما فائدة الانتصار بعد دمار البلد؟ وما قيمة رفع علم فوق أنقاض وطن؟
أما النخبة الكيزانية، فهي الوقود الحقيقي لهذه الحرب. نخبة اعتاشت ثلاثين عامًا على نهب الدولة، وتديين السياسة، وتخريب الجيش نفسه بتحويله إلى ذراع أيديولوجي. اليوم، بعد أن لفظهم الشارع وأسقطهم التاريخ، وجدوا في الحرب “هبة من السماء” لإعادة تدوير أنفسهم. يحرّضون، ويؤججون الفتن، ويختبئون خلف خطاب ديني–وطني زائف، بينما يدفع المدنيون الثمن كاملًا.
المعادلة المختلة التي فرضوها واضحة: جيش فشل في حماية البلاد، يطلب من الشعب الاستنفار، لكنه يرفض التنازل عن الحكم. يريد الدم الشعبي دون مساءلة، والتضحية دون شراكة، والطاعة دون شرعية. هذه ليست دولة، بل ابتزاز مفتوح باسم الوطن.
ليست هذه حرب وجود للسودان. السودان أعمق وأبقى من جيوش مُسيّسة ونخب فاسدة. لو ذهب هذا الجيش بصورته الحالية، فلن يذهب السودان. الذي يذهب حقًا هو الوهم: وهم أن الخراب يصنع دولة، وأن القمع يصنع وطنًا، وأن الكذب الطويل يمكن أن يُهزم الحقيقة.
بعد ألف يوم، لا يحتاج السودان إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وقف الحرب، ومحاسبة من أشعلها، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة للسلطة المدنية، لا عقائدية ولا حزبية. يحتاج إلى شجاعة الاعتراف: ما جرى جريمة كبرى بحق شعب كامل، ولن تُمحى بخطاب، ولن تُبرر بنصر كاذب.
نسأل الله أن يعيد الأمن والسلام إلى السودان، لا سلام المقابر، بل سلام العدالة، وسلام الدولة، وسلام الإنسان.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات