كتب:حسين سعد
أخطر مظاهر هذا التدهور في مشروع الجزيرة والمناقل هو إبتعاد الشباب والأجيال الجديدة عن العمل في الزراعة، فالشباب الريفي، الذي كان يُفترض أن يحمل راية الأرض بعد آبائه، أصبح يرى في الزراعة مهنة متعبة وغير مربحة، تفتقر إلى الحداثة ولا تضمن الاستقرار، التكنولوجيا التي غزت المدن جعلت العمل الزراعي يبدو وكأنه بقايا من الماضي، ونتيجة لذلك، أصبحت الحواشات تعتمد على كبار السن، مما يعني أن خبرة العقود لا تُنقل إلى الأجيال اللاحقة، وأن المعرفة الزراعية الأصيلة مهددة بالاندثار، وعندما يغيب الشباب عن الحواشات ، تذبل الزراعة، وتفقد المجتمعات الريفية حيويتها، فالأرض بلا شباب هي أرض بلا مستقبل، غياب الشباب لا يعني فقط نقص اليد العاملة، بل يعني أيضًا فقدان الطاقة الإبداعية القادرة على إدخال التقنيات الحديثة وتحديث أساليب الإنتاج، وهكذا تتراجع القدرة التنافسية للزراعة ، وتتحول القرى إلى مناطق شيخوخة اقتصادية واجتماعية، تعيش على هامش التنمية بدل أن تكون في صلبها، إن مواجهة هذا الانحسار تتطلب رؤية جديدة تجعل الريف مكانًا جاذبًا للحياة والعمل. يجب دمج التعليم الزراعي الحديث في المدارس الريفية، وتقديم حوافز مالية وتقنية للشباب الراغبين في إنشاء مشاريع زراعية صغيرة، وربط الزراعة بالابتكار والتكنولوجيا.، عندما يرى الشاب أن الزراعة يمكن أن تكون مشروعًا مربحًا ومصدر فخر، لا عبئًا موروثًا، يعود إلى الحقل بعقل جديد وروح مختلفة، إن إنقاذ البنية الاجتماعية الريفية يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان فيها، فهو الذي يزرع، ويعمر، ويصون هوية الأرض من الجفاف… جفاف القيم قبل جفاف المطر
تراجع صورة المزارع في الوجدان الجمعي:
المزارع الذي كان يومًا رمزًا للكرامة والعطاء والصبر، تراجع حضوره في الوعي الجمعي مع تسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فقد تغير ميزان القيم في المجتمعات عندما أصبحت المدينة مركزًا للجاذبية، والعمل المكتبي معيارًا للتقدم، بينما ارتبطت الزراعة في المخيلة العامة بالتعب وقلة الدخل وضيق الأفق، وهكذا، تحول المزارع من بطلٍ أسطوري في الحكايات الشعبية، إلى شخصية هامشية تستحضر في الخطابات الرسمية فقط عند الحديث عن الزمن الجميل، إن هذا التراجع في الصورة لم يكن صدفة، بل نتيجة منظومة متكاملة من التغيرات التي أعلت من شأن الاقتصاد الاستهلاكي على حساب الإنتاج الحقيقي، في العقود الأخيرة فرضت المدن هيمنتها على الوعي العام، فأصبحت رموز النجاح مرتبطة بالمكاتب اللامعة، والملابس الرسمية، والتكنولوجيا الرقمية، بينما صُور العمل الزراعي كدليل على البساطة أو حتى التخلف. هذه الصورة تغلغلت في الإعلام، والتعليم، والخطاب الثقافي، حتى بات الطفل في الريف يحلم بالهجرة إلى المدينة بدل أن يحلم بحصادٍ وفير، لم يعد المزارع يُنظر إليه كعمود الأمة الذي يطعمها، بل كعامل في قطاع تقليدي لم يواكب العصر. ومع هذا التحول، فقدت الزراعة جزءًا من هيبتها الرمزية، وتحولت من مصدر فخر إلى عبء اجتماعي يسعى كثيرون للتخلص منه، فالإعلام غير الداعم للزراعة لعب دورًا كبيرًا في هذا التراجع، فالشاشات امتلأت بصور الحياة الحضرية المترفة، فيما اختفت صور المزارع الحقيقي الكادح من المشهد العام إلا في المناسبات القومية. أما المناهج التعليمية، فقد ركزت على مهن التكنولوجيا والعلوم الحديثة، دون أن تقدم الزراعة كمجال علمي متطور يمكن أن يحقق فيه الإنسان ذاته. وبهذا، ساهم التعليم والإعلام معًا في بناء تصورٍ جماعي يرى في العمل الزراعي خيارًا ثانويًا لا يليق بالطموح، بدل أن يكون مصدرًا للفخر الوطني والتنمية المستقلة.
الإنتعكاسات الاجتماعية والاقتصادية لهذا التراجع
عندما تتراجع مكانة المزارع في الوعي العام، لا يتأثر الفلاح وحده، بل تتأثر الأمة كلها. فالابتعاد النفسي عن الأرض يعني فقدان الرابط الوجداني مع الطبيعة ومصادر العيش الأساسية. كما أن عزوف الأجيال عن الزراعة يؤدي إلى ضعف الإنتاج المحلي، وزيادة الاعتماد على الواردات، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتضاؤل الأمن الغذائي، أما على المستوى الاجتماعي، فإن الفلاح يشعر بالتهميش والغبن، ما يولد شعورًا بالاغتراب داخل وطنه، ويزيد من نزيف الهجرة نحو المدن، حيث تتكدس الطاقات في وظائف هامشية بعيدة عن جوهر التنمية، لذلك أري إن إعادة الاعتبار للمزارع تبدأ من تغيير النظرة الثقافية إليه. يجب أن تُقدَّم الزراعة كعلمٍ ومهنةٍ راقية لا تقل شأنًا عن أي مجال حضري آخر، وأن يُحتفى بالمزارع كرمز للسيادة الغذائية والاستقلال الاقتصادين فالإعلام الداعم للزراعة والريف والإنتاج يمكن أن يعيد صياغة صورة المزارع الجسور والمنتج، والتعليم يمكن أن يُغرس في أذهان الأطفال فكرة أن الزراعة ليست ماضٍ انتهى، بل مستقبل يتجدد، عندما يدرك المجتمع أن المزارع هو من يصنع الأمن الغذائي ويواجه التغير المناخي بعمله اليومي، تعود له مكانته الطبيعية: لا تابعًا، بل قائدًا في معركة البقاء والكرامة، وخلال وجودي بالجزيرة إثناء الحرب لفترة أكثر من عام لاحظت غياب التأمين الصحي والاجتماعي للمزارعين وهذا يعتبر أحد أخطر مظاهر الإهمال البنيوي الذي يطال هذه الفئة التي تشكل العمود الفقري للإنتاج الغذائي في أي مجتمع، في مشروع الجزيرة يعيش المزراع يومه على إيقاع الطبيعة، يعمل بجهدٍ بدنيٍ مضنٍ تحت شمسٍ حارقة أو في طينٍ غارق، دون أي ضمان صحي يغطي إصاباته أو أمراض المهنة التي لا تُحصى، وعندما يمرض، يصبح العلاج رفاهية لا يقدر عليها.،كثير من المزارعين يُجبرون على بيع ما تبقى لديهم من محصول أو ماشية لتغطية تكاليف العلاج، أو يختارون ببساطة الصبر على المرض لأن الدواء أغلى من الزرع، هذه الهشاشة المعيشية تجعل المرض لا يُهدد الجسد فقط، بل يهدم مصدر الرزق كله، إذ لا يمكن للمزارع أن يزرع إذا عجز عن الوقوف على قدميه ، فترك المزارع وحيدًا يواجه المرض والشيخوخة والمخاطر المهنية دون شبكة أمان اجتماعي، فإن ذلك لا يعني فقط تهميشه، بل يعني أيضًا المساس بالأمن الغذائي الوطني من أساسه، فالمزارع الذي يزرع قوت الناس لا يجد من يزرع له الأمان؟
سياسات الحماية الإجتماعية:
وفي ورقته (التمويل وتحديات الإعمار وتطوير قطاعات الأنتاج) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م قال الدكتور عمر سيد أحمد : إن الارتفاع الكبير في البطالة – خاصة بين الشباب – يتطلب برامج دعم مباشر وسريعة المردود. تشمل السياسات المقترحة: وهي برامج النقد مقابل العمل في مشاريع البنية التحتية الصغيرة، و دعم التدريب المهني وربط التعليم بسوق العمل، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للمجموعات الهشة، وأوضح سيد بدون أدوات تمويل مناسبة ستظل الخطط الاقتصادية (حبر علي ورق) لذلك المطلوب : إنشاء صناديق استثمار سيادية مستقلة ، وإصدار صكوك تنموية مرتبطة بمشاريع إنتاجية، وتحفيز المصارف على تمويل الزراعة والصناعة عبر ضمانات حكومية ، وحكومة انتقالية مدنية تحظى بشرعية داخلية وخارجية، ومؤسسات فاعلة وقادرة على تنفيذ السياسات، وبيئة آمنة ومناخ استثماري مستقر( يتبع)
إبتعاد الشباب عن الحواشات (7)
مقالات ذات صلة

