ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف.
تقديم : يشهد الصراع في السودان منذ عام 2023 تحولاً تدريجياً من نزاع داخلي ذي أبعاد سلطوية وأمنية إلى أزمة مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات إقليمية ودولية متزايدة التعقيد. ومع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ أواخر فبراير/ 2026، دخل هذا التحول مرحلة نوعية، حيث باتت الحرب السودانية جزءاً من بيئة جيوسياسية أوسع ترتبط بأمن الطاقة العالمي، واستقرار طرق الملاحة، والتوازنات الإقليمية في البحر الأحمر.
في هذا السياق، أدت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، والتراجع الحاد في حركة ناقلات النفط والغاز عبره، إلى إعادة توزيع الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية البديلة، وفي مقدمتها البحر الأحمر. وقد انعكس ذلك مباشرة على موقع السودان، لا سيما على الساحل الشرقي وميناء بورتسودان، الذي تحوّل من مركز إداري مؤقت إلى عقدة جيوسياسية ذات صلة بأمن الإمدادات والتدفقات التجارية.
بالتوازي، أسهمت القرارات الأمريكية، ولا سيما تصنيف كيانات وشخصيات سودانية مرتبطة بالإسلاميين ضمن قوائم الإرهاب والعقوبات، في إعادة تشكيل البيئة الدبلوماسية للصراع، بما يؤثر على توازنات الشرعية بين الأطراف المتنازعة.
يقتضي تحليل الصراع السوداني في مرحلته الراهنة التعاطي معه ضمن سياق إقليمي متداخل، تتفاعل فيه المحددات الداخلية مع تحولات استراتيجية أوسع.
التحليل:
التحول في البيئة الجيوسياسية:
أدى التصعيد في الخليج إلى تراجع ملحوظ في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق الاستهداف البحري، ما دفع الدول المنتجة للطاقة إلى تعزيز الاعتماد على موانئ البحر الأحمر في الصادرات.
في هذا الإطار، اكتسب البحر الأحمر أهمية استراتيجية مضاعفة، ليس فقط كممر بديل، بل كحيز جيوسياسي تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية. يقع السودان في قلبه، مما منحه موقعا متقدما في معادلات الأمن البحري رغم محدودية قدراته الذاتية.
انعكس هذا التحول بشكل مباشر على بورتسودان، التي أصبحت تمثل نقطة الارتكاز الأساسية للسلطة المرتبطة بالجيش السوداني، وممرا رئيسيا للمساعدات والتدفقات اللوجستية. وتشير تقارير إلى أن غالبية الإمدادات الإنسانية تمر عبر هذا الميناء قبل توزيعها إلى الداخل، بما في ذلك مناطق النزاع في دارفور.
لهذا، تحولت السيطرة على الساحل من مسألة تكتيكية، إلى عنصر بنيوي في معادلة القوة، مع ما يترتب على ذلك من رفع كلفة استهدافه أو فقدانه.
إعادة تشكيل حسابات الفاعلين الإقليميين:
أ. مصر: دعم مستمر في ظل قيود متزايدة:
تواصل مصر دعمها للجيش السوداني انطلاقاً من عقيدة استراتيجية تقوم على اعتبارات تتعلق بالأمن القومي ووحدة السودان، ومنع تشكل فراغ أمني جنوب حدودها. غير أن هذا الدعم يتأثر بضغوط اقتصادية متزايدة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التصعيد مع إيران.
تشير تقديرات إلى تضاعف فاتورة واردات الطاقة، في ظل التزامات مالية ثقيلة تشمل خدمة الدين وتهديدات أمنية أخرى ، ما يدفع القاهرة إلى موازنة دعمها بين الضرورات الاستراتيجية وحدود الكلفة.
وعليه، يرجح استمرار الدعم المصري، ولكن ضمن نمط أكثر حذرا وأقل انخراطا مباشرا.
ب. الإمارات: إعادة ضبط الانخراط أم تعظيم الأهمية الاستراتيجية للساحل السوداني:
التصعيد مع إيران يضع الامارات أمام ضغوط أمنية واقتصادية مباشرة، خاصة في قطاع الطاقة وحركة الشحن، ما يعكس انتقال البيئة الإقليمية إلى حالة انكشاف استراتيجي. وفي هذا السياق، يرجح أن تتجه أبو ظبي إلى إعادة ضبط مستوى انخراطها في الملف السوداني، بما يحد من الكلفة السياسية والأمنية دون التخلي عن شبكات نفوذها.
في المقابل، قد يفتح التحول في معادلات الملاحة الإقليمية احتمالا موازيا يتمثل في تعاظم الأهمية الاستراتيجية للسودان، وبخاصة موانئه على البحر الأحمر، ضمن الحسابات الإماراتية. فمع تزايد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، قد تكتسب الموانئ الواقعة على الضفة الغربية للبحر الأحمر قيمة إضافية ضمن استراتيجيات تأمين سلاسل الإمداد وتوسيع الانتشار البحري.العامل الأمريكي وإعادة تعريف الشرعية السياسية:
يمثل تصاعد الدور الأمريكي أحد أبرز متغيرات المرحلة، من خلال استخدام أدوات العقوبات والتصنيف لإعادة تشكيل البيئة السياسية للصراع.
فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر/أيلول 2025 عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالإسلاميين، مع الإشارة إلى ارتباطات بالحرس الثوري الإيراني.
وتعزز هذا الاتجاه في مارس/آذار 2026 مع تصنيف “الإخوان المسلمين السودانيين” ككيان إرهابي عالمي، بما يشمل مسميات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية.
يعكس ذلك توجهاً نحو إعادة تعريف معايير الشرعية الدولية، بحيث تصبح أي صلة بشبكات إسلامية مسلحة أو بإيران عاملاً مقيِّداً للقبول الدولي، دون أن يعني ذلك – حتى الساعة – تبنّي طرف سوداني بعينه.التصعيد في الحرب واثره على الجيش السوداني والمليشيات:
يتسم تأثير التصعيد بطابع مركب يجمع بين فرص تكتيكية وضغوط استراتيجية. فمن جهة، يستفيد الجيش السوداني من تنامي الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر، بما يعزز قيمة سيطرته على الساحل الشرقي وبورتسودان.
غير أن هذه المكاسب تقابلها ضغوط متزايدة، خاصة مع ربط بعض التشكيلات الإسلامية الداعمة له بشبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وفرض عقوبات عليها. كما أن تصنيف “الإخوان المسلمين السودانيين” يقيد هامشه الدبلوماسي كلما تعزز حضوره داخل معسكره.
في المقابل، تواجه المليشيات الإسلامية المرتبطة بإيران بيئة أكثر تعقيدا، نتيجة انشغال طهران بالمواجهة المباشرة، ما قد يحد من قدرتها على تقديم دعم خارجي منتظم. ومع ذلك، قد تعزز هذه المجموعات أدوارها الداخلية، مستفيدة من حاجة الجيش إلى قوى قتالية إضافية في حرب الاستنزاف.
وعليه، يرجح استمرار هذه المليشيات كفاعل ميداني مؤثر، مع ارتفاع الكلفة السياسية على الجيش، وتزايد التناقض بين المكسب العسكري والخسارة الدبلوماسية.
الخلاصات والتقديرات:
تشير المعطيات إلى أن الصراع السوداني يشهد تحولاً بنيوياً، حيث أصبح جزءاً من منظومة أمن البحر الأحمر والتنافس الإقليمي المرتبط بإيران، في ظل تصاعد التوترات في الخليج. وقد أدى ذلك إلى رفع الأهمية الاستراتيجية للساحل السوداني، خاصة بورتسودان، بوصفها عقدة سيادية ولوجستية ذات امتداد إقليمي.
**تواجه الأطراف السودانية بيئة خارجية أكثر تعقيدا، تتسم بتراجع مرونة الدعم الإقليمي وخضوعه لضغوط اقتصادية وأمنية، ما يرجح إدارة الانخراط الخارجي بحذر دون الانسحاب الكامل. كما أسهمت السياسات الأمريكية في إعادة تشكيل معايير الشرعية، بما يقيّد هامش الحركة لبعض الفاعلين.
على المستوى العملياتي، يرجّح استمرار نمط حرب الاستنزاف في ظل غياب الحسم العسكري، مع تعاظم أهمية الساحل الشرقي كمحور رئيسي للصراع. كما يُتوقع أن يتجه الدعم الخارجي نحو مزيد من التقييد دون انقطاع، بالتوازي مع تصاعد دور العامل الدولي في تحديد الشرعية.
إعادة تشكيل الصراع السوداني ضمن بيئة إقليمية مضطربة لم تؤدِ إلى تقليص النزاع، بل إلى إعادة تعريفه ضمن منظومة أوسع من التنافس الجيوسياسي.
في ظل هذه البيئة، تتراجع فرص التسوية السياسية في المدى القريب، مقابل ترسخ نمط صراع ممتد تحكمه اعتبارات الاستنزاف، وتوازنات النفوذ، وتغير أولويات الفاعلين الخارجيين.

