ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية – مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: تزامن إعلان غالبية تيارات الإسلام السياسي في السودان تأييدها للنظام الإيراني في الحرب الجارية ضد ما تصفه بالعدوان الإسرائيلي، مع تصريحات عبّرت فيها بعض التيارات الجهادية عن استعدادها للمشاركة في القتال، ويأتي ذلك في مرحلة بالغة التعقيد يمر بها السودان في ظل استمرار الحرب الداخلية. ويثير هذا الموقف تساؤلات حول تداعياته على توازنات الصراع الداخلي، وعلى موقع السودان الإقليمي في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيداً عسكرياً واسعاً.
تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تعكس محاولة من قوى الإسلام السياسي السودانية إعادة التموضع سياسياً في سياق إقليمي يتسم بتصاعد الاستقطاب بين محور تقوده إيران ومحور آخر تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبدو أن هذه التيارات تسعى من خلال هذا الخطاب إلى استعادة دورها السياسي بعد تراجع نفوذها منذ سقوط نظام عمر البشير، مستفيدة من حالة الحرب الداخلية ومن حاجة بعض مكونات السلطة العسكرية إلى حشد قواعد اجتماعية وسياسية داعمة.
تبدو تصريحات تيارات الإسلام السياسي السودانية أقرب إلى محاولة لإعادة التموضع السياسي في سياق إقليمي متوتر، لكنها تحمل في الوقت ذاته تداعيات محتملة على توازنات السلطة داخل السودان وعلى علاقات الحكومة العسكرية مع محيطها الإقليمي والدولي. ومن ثم فإن تأثيرها الفعلي سيظل مرتبطاً بمدى تبني المؤسسة العسكرية لهذا الخطاب أو حرصها على إبقائه في إطار التعبئة السياسية دون تحويله إلى سياسة رسمية للدولة.
في المعطيات:
- أعلن الناجي عبد الله، الملقب بأمير المجاهدين، وهو أحد قادة الكتائب المتحالفة مع القوات المسلحة، خلال مخاطبته إفطاراً رمضانياً جهاديا، استعدادهم للقتال إلى جانب إيران في حال حدوث تدخل بري من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، مطالباً بفتح الحدود لهذا الغرض. كما أعلن تأييدهم لإيران في الحرب الدائرة، مؤكداً أن بنادقهم ومدافعهم جاهزة وأنهم يمتلكون أجيالاً متطورة من الطائرات المسيّرة، ومشدداً على أنهم لا يعترفون بالأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا المنظمات الإقليمية. وأضاف أن السودان بلد مجاهد ومحارب، ولن يسمح بعودة قحت أو بتبديل المناهج أو باستهداف النهج الإسلامي
- قالت الحركة الإسلامية السودانية، بقيادة على كرتي، أن ما تشهده المنطقة يمثل جزءاً من مشروع يستهدف إضعاف الأمة وتمزيق وحدتها، وأدانت في بيانها كافة أشكال الاعتداء على الدول العربية والإسلامية وانتهاك سيادتها واستهداف المدنيين. وشددت على أن أولويتها هي الدفاع عن السودان وشعبه في مواجهة التحديات، مؤكدة أن مواقفها الرسمية تصدر فقط عن قيادتها، وأن أي تصريحات مخالفة لا تمثلها، في إشارة لتصريحات أمير المجاهدين الداعمة لإيران.
- في المقابل، هدد القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، بحسم مع المجموعات التي أعلنت استعدادها للدفاع عن إيران في الحرب التي تشنها على دول الخليج، مشدداً على وقوف القوات المسلحة ضد هذه المجموعات وكل من يدعمها أو يشجع العدوان على دول الخليج العربي.
- نفى الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني انتماء المجموعات الجهادية التي أعلنت مساندتها لإيران واستعدادها للمشاركة في الحرب إلى القوات المسلحة، مؤكداً أنه سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
- على المستوى الدبلوماسي، تمسكت الخارجية السودانية في بيانها بموقفها من الإمارات، رغم إدانتها للهجوم، وذلك من خلال استثنائها للإمارات وعدم ذكرها في البيان التضامني مع دول الخليج الأخرى، في تجزئة للموقف واستثمار الهجوم الفرصة لتأكيد حالة العداء المستحكم. ويمكن قراءة ذلك في سياق تقاطع الموقف مع بيان الحركة الإسلامية، الحاضنة السياسية، الذي أدان الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران وتجنب التطرق إلى استهداف دول الخليج.
تحليل:
يقرأ الإسلاميون، بمختلف تياراتهم، التطورات العسكرية في المنطقة ضمن إطار صراع أوسع على الهوية الإسلامية وتهديدات بقاء منظوماتهم السياسية؛ ليس بسبب انحسار الدعم العسكري والفني وحده، بل أيضاً لكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل النموذج المعاصر الملهم لتجربتهم الأولى في الحكم، معنوياً ومادياً. وفي هذا السياق، يفرض الواقع السوداني الداخلي وحالة التفكك بسبب الحرب المستمرة، وكذلك تطورات الحرب الإيرانية على التيارات الإسلامية المساندة للجيش عدم الانخراط المباشر في الصراع، إدراكاً لواقع، أن أي اصطفاف معلن مع إيران سيترتب عليه كلفة عسكرية ودبلوماسية تفوق مقدرات التنظيم والبلاد. كما أن تبني الحياد يتطلب وجود حكومة شرعية تحظى بإجماع شعبي يدعم بقاءها ويحمي مصالحها، وهو ما تفتقر إليه هذه التيارات منذ أن أطاحت بها ثورة ديسمبر الشعبية، الأمر الذي دفعها لاحقاً إلى الانقلاب على الحكومة الانتقالية و إشعال الحرب.
تكشف المواقف المتباينة داخل معسكر الحرب في السودان تجاه الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى عن حالة ارتباك وانقسام داخل القوى الداعمة لاستمرار الحرب وحاضنتها السياسية في بورتسودان.
هذا التباين يعكس في جوهره صراعاً بين اتجاهات مختلفة داخل المعسكر نفسه. فهناك تيار يميل إلى الوقوف إلى جانب إيران بمنطلقات دينية وباعتبارها حليفاً رئيسياً وداعماً في الحرب الدائرة في السودان، بينما يفضّل تيار آخر الاصطفاف مع المحور الخليجي انطلاقاً من حسابات إقليمية ومصالح سياسية تتعلق بعلاقات السودان الخارجية. وفي المقابل، يظهر اتجاه ثالث يحاول تبني موقف وسطي يقوم على إدانة الطرفين وتجنب الانحياز الواضح لأي منهما، يتبناه شركاء السلطة، قيادة الجيش والإسلاميين والحركات المسلحة..
في المقابل، تشير تقديرات خبراء ومحللين إلى أن حكومة السودان بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان قد تكون من أكبر الخاسرين في حال خسرت إيران هذه الحرب، باعتبار فقدناها حليفاً وداعما استراتيجياً مهماً. كما توقع بعضهم أن يؤدي ذلك إلى عودة السودان إلى طاولة المفاوضات عبر مبادرة دول الآلية الرباعية. أما في حال بقاء واستمرار النظام الإيراني، فإن الأوضاع في السودان قد لا تشهد تغيراً كبيراً، مع استمرار رفض مبادرة الآلية الرباعية ومواصلة الحرب، وتحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
خلاصات وتقديرات:
** الحرب في السودان باتت متأثرة إلى حد كبير بالعامل الخليجي وبخلافات دول المنطقة. كما أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية – الامريكية قد تؤثر على الدعم اللوجستي الخارجي الذي تتلقاه أطراف الصراع، بما قد يجعل أحد الأطراف أكثر استعداداً لوجستياً من الآخر، أو قد يؤدي إلى تعثر الطرفين في تأمين هذا الدعم..
**قد يتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بجهود إنهاء الحرب في السودان نتيجة طغيان الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية على المشهد، خاصة مع تأثر ثلاث دول من مبادرة الآلية الرباعية — الإمارات والسعودية والولايات المتحدة — بهذه الحرب بشكل مباشر.
**المواقف المتباينة من الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تكشف عن تصدعات داخل التحالف الداعم للحرب في السودان، ويشير إلى غياب موقف موحد، ووجود أكثر من مركز للتأثير وصنع القرار داخل معسكر الحرب. ما يعكس تراجع درجة التماسك السياسي بين مكوناته.
**قد تفتح هذه التطورات، ووفق مقولة “رب ضارة نافعة”، الباب أمام توافق إقليمي حول الحل السياسي في السودان، وهو ما قد يشكل فرصة يمكن أن تستثمرها القوى السياسية والعسكرية السودانية من أجل إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة البلاد.

