الجمعة, يناير 9, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالإغاثة في زمن الحرب: لماذا يحتاج السودان إلى نموذج إنساني جديد؟

الإغاثة في زمن الحرب: لماذا يحتاج السودان إلى نموذج إنساني جديد؟

كتب: حسين سعد
السودان بلدٍ أنهكته الحرب حتى صارت الحياة نفسها مشروع نجاة يومي، لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد شحنات غذاء أو قوافل دواء تعبر الطرق الوعرة، بل أصبحت سؤالًا أخلاقيًا عميقًا حول معنى التضامن، وعدالة الوصول، وكرامة الإنسان في لحظة الانكسار الكبرى، في بلادي إتسعت رقعة النزوح إلى حدود غير مسبوقة، وتحوّلت المدن إلى أطلال، والقرى إلى مساحات صمتٍ ثقيل، لم يعد بالإمكان التعاطي مع الأزمة الإنسانية بذات الأدوات القديمة، ولا الاكتفاء بنماذج إغاثة مركزية صُمِّمت لواقعٍ لم يعد قائمًا، فالحرب أعادت تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، وكسرت سلاسل الإمداد، ودمّرت البنى التحتية من طرق ومياه وكهرباء ومرافق صحية، وخلفت إحتياجات متغيرة وسريعة التبدل، تتطلب إستجابة إنسانية أكثر مرونة وجرأة وإبتكارًا، لان إيصال المساعدات في هذا السياق لا يصطدم فقط بالعوائق الأمنية واللوجستية، بل يواجه أيضًا أزمة ثقة وفجوة عميقة بين المجتمعات المتضررة ونماذج الإغاثة التقليدية التي كثيرًا ما بدت بعيدة عن الواقع المحلي، وبطيئة في الاستجابة، وغير قادرة على قراءة التعقيدات الدقيقة لكل منطقة. من هنا تبرز الحاجة الملحّة لإعادة النظر جذريًا في كيفية تعبئة الموارد وتوظيفها، ليس فقط من حيث الكم، بل من حيث الكيف، والآليات، ومن يملك القرار في تحديد الأولويات، فالمأساة السودانية ليست واحدة، بل هي مآسٍ متعددة بتعدد الجغرافيات: في دارفور احتياجات تختلف عن الجزيرة، وفي الخرطوم واقع مغاير للشرق أو كردفان، وكل منطقة تحمل جراحها الخاصة ومسارات نجاتها الممكنة، لقد أثبتت غرف الطوارئ، واللجان القاعدية، والمبادرات الشبابية والنسوية، أنها العمود الفقري الفعلي للاستجابة الإنسانية خلال هذه الحرب، حيث ملأت الفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة وتعثر المنظمات، ووصلت إلى أماكن عجزت عنها قوافل كبرى، وحافظت – رغم شح الموارد – على جوهر العمل الإنساني القائم على التضامن والمسؤولية الجماعية، إن وضع هذه الجماعات في صميم التخطيط والتنفيذ، وتمكينها ماليًا ولوجستيًا، والإعتراف بدورها كشريك كامل، هو المدخل الحقيقي لإيصال المساعدات بفعالية، ولتحويل الإغاثة من فعل إسعافي مؤقت إلى مسار إنساني يحفظ الكرامة، ويعيد للناس بعضًا من السيطرة على مصائرهم في زمن الفقد الكبير، كما ان تبنّي استراتيجية إنسانية مرنة ومحددة جغرافيًا لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، استراتيجية تنطلق من فهم عميق للسياقات المحلية، وتستجيب بسرعة لتغيرات الميدان، وتكسر مركزية القرار الإنساني، وتعيد توجيه الموارد حيث تكون الحاجة أكثر إلحاحًا والأثر أكثر استدامة، وسط هذه المقاربة الجديدة، تقف الجماعات التطوعية السودانية مثل لجان المقاومة وغرف الطؤاري ، لا بوصفها أدوات تنفيذ ثانوية، بل باعتبارها الفاعل الأصدق والأقرب للناس، والأكثر معرفة بتضاريس الألم وخرائط الاحتياج.
استراتيجية إنسانية مرنة ومحددة جغرافيًا:
وفي جلسات مؤتمر المساعدات الإنسانية وتعبئة الموارد الذي أنهي جلساته في ديسمبر الماضي طالب الخبير بالأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الدكتور محمد خالد طالب بإعادة النظر جذريًا في نماذج الإغاثة المطبقة في السودان، والدفع نحو تبني استراتيجية إنسانية مرنة ومحددة جغرافيًا، قادرة على الاستجابة لتعقيدات الحرب واتساع رقعة النزوح وانهيار البنى التحتية، مع وضع الجماعات التطوعية السودانية في قلب عملية التخطيط والتنفيذ، ودعا الخبير بالامم المتحدة في ورقته بعنوان «إعادة النظر في المساعدات الإنسانية للسودان»، دعا إلي تصميم إستراتيجية تضمن وصول الإغاثة لمستحقيها مقرونة بالدواء والعلاج، مع إشراك لجان المقاومة، والتكايا، وغرف الطوارئ المجتمعية في عمليات التوزيع، إلى جانب الإعلام لتعزيز الرقابة والشفافية، ووصف خالد الأزمة الإنسانية في السودان بأنها «الأسوأ في العالم، بل الأسوأ في العصر الحديث»، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع الأزمات الإنسانية بآليات كلاسيكية لا تتناسب مع ما يعيشه السودان من حيث عدد المتضررين، واتساع رقعة الدمار، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي. وأكد أن السودان لا يمكن التعاطي معه كوحدة جغرافية واحدة، ما يستدعي تبني استراتيجيات إنسانية متعددة تراعي الفوارق الإقليمية وتعقيدات الواقع الميداني، وأوضح دكتور محمد خالد أن إشراك غرف الطوارئ والتكايا لم يعد خيارًا ثانويًا، واصفًا إياها بـ«اللاعب الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه»، لما أظهرته من جسارة وقدرة على الوصول إلى المجتمعات في ظل غياب الدولة وتراجع الفاعلين الدوليين.


متطوعون يسدّون فجوة الدولة:

وتناول خالد في ورقته تناول التحديات التشغيلية والثغرات الاستراتيجية التي تواجه العمل الإنساني في السودان، مشددًا على محدودية المناهج المرحلية الكلاسيكية التي تفترض انتقالًا خطيًا من الطوارئ إلى التعافي ثم التنمية، وأكد ن أن واقع السودان، المتسم بالصراع النشط وتفاوت درجات الاستقرار بين الأقاليم، يفرض اعتماد مناهج غير خطية تستجيب للطوارئ وبناء القدرة على الصمود في آن واحد، وسلطت الورقة المقدمة الضوء على ما سُمي بـ«المدى المتوسط المنسي» في الاستجابة الإنسانية، حيث يذهب أكثر من 95% من التمويل الحالي للإغاثة قصيرة الأجل، مقابل ضعف شديد في تمويل برامج تعزيز القدرة على الصمود، وإعادة تأهيل سبل العيش، ودعم أنظمة المياه والصرف الصحي، وهياكل الحكم المحلي. وحذر الخبير الأمم في ورقته من أن إستمرار هذا الخلل سيطيل أمد الاعتماد على المساعدات ويرفع كلفة التعافي مستقبلًا، وأشارت الورقة للدور الحاسم للجماعات التطوعية السودانية، التي قُدّر عددها بأكثر من ألفي مجموعة تعمل في مختلف أنحاء البلاد، وتشمل لجان المقاومة، وغرف الطوارئ، وشبكات الشباب، والجماعات النسوية، وأسهمت هذه المجموعات في توزيع الغذاء، وتقديم الرعاية الصحية المجتمعية، ودعم التعليم المؤقت، وحملات الصحة البيئية، وتدخلات المياه والنظافة، وحماية الأسر النازحة، إضافة إلى أنظمة الإنذار المبكر وتبادل المعلومات، وأكدت الورقة أن هذه المبادرات، التي نشأت بشكل عفوي من رحم المجتمعات المحلية، أثبتت فاعليتها ومصداقيتها، وتمتعت بشرعية وثقة مجتمعية لا تتوفر غالبًا للفاعلين الرسميين، ما يؤهلها للعب دور محوري في نماذج المساعدات المستقبلية، بل والتطور لاحقًا إلى هياكل حكم محلي في مرحلة ما بعد الحرب
توصيات الورقة:
وفي الختام دفعت الورقة بحزمة من التوصيات حيث طالبت بدمج المجموعات التطوعية في الإستراتيجية الإنسانية الدولية، وقالت يجب على الجهات المانحة الدولية ووكالات الأمم المتحدة الإعتراف رسميًا بالمجموعات التطوعية السودانية كشركاء موثوق بهم وقادرين على إدارة المساعدات وتنسيق التدخلات المحلية، وشددت التوصيات علي ضرورة وضع إستراتيجيات منفصلة ومخصصة لكل منطقة، بناءً على السياق الأمني وأنماط النزوح ومرحلة الطوارئ، مع دمج المجموعات التطوعية في التخطيط والتنفيذ، ومشاركة المجموعات التطوعية في منصات التفاوض وعمليات بناء السلام والتخطيط الانتقالي كممثلين شعبيين، وتقديم دعم منظم لتعزيز مهارات المجموعات المجتمعية في مجالات الإدارة والتخطيط والمساءلة المالية واللوجستيات وتقديم الخدمات، وطالبت توصيات الورقة بإنشاء مسار تمويل مخصص لبرامج تعزيز القدرة على الصمود، وإعادة تأهيل البنية التحتية المجتمعية، وحماية سبل العيش، يتم توجيهه من خلال المجموعات المجتمعية أو بالتعاون معها، وختمت الورقة في الخلاصة بأن الأزمة السودانية تتطلب إعادة نظر جذرية في كيفية تخطيط المساعدات الإنسانية وتقديمها وإستدامتها، وقالت أن إنقاذ الأرواح في السودان لم يعد كافيًا ما لم يُقترن بحماية مستقبل البلاد، عبر إعادة بناء منظومة العمل الإنساني على أسس جديدة، تعترف بدور المجتمعات المحلية وتستثمر في قدرتها على الصمود وسط الحرب، وشددت الورقة علي ضرورة التخلي عن النماذج الخطية لصالح مناهج تكيفية تراعي الفروق الجغرافية الدقيقة، كما يجب تمويل المدى المتوسط المنسي لمنع الانهيار في المستقبل، والأهم من ذلك، يجب الإعتراف بالمجموعات التطوعية في السودان كركائز أساسية لا غنى عنها في النظام الإنساني، الآن وفي إعادة إعمار البلاد، ومن خلال هذا النهج فقط، يمكن للمجتمع الدولي الانتقال من إنقاذ الأرواح إلى حماية مستقبل السودان.


الخاتمة (من المحرر)
في ختام هذا المسار الإنساني المثقل بالألم والأسئلة، يظل السودان شاهدًا حيًا على أن الكارثة ليست في ندرة الموارد وحدها، بل في كيفية رؤيتنا للإنسان وهو يواجه أقسى لحظات ضعف فالإغاثة، حين تُختزل في أرقام وتقارير وجداول تمويل، تفقد روحها، وتتحول إلى فعلٍ بارد لا يلامس الجراح المفتوحة ولا يسمع أنين الأمهات في مراكز النزوح، ولا ارتعاش الأطفال وهم ينتظرون وجبة قد لا تأتي، إن جوهر الاستجابة الإنسانية في السودان اليوم يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن الناس ليسوا مجرد “مستفيدين”، بل شركاء في النجاة، وحملة معرفة وتجربة، وأصحاب حق في أن يكون لهم صوت في رسم طريق الخلاص، وأدعم بشدة مقترح الورقة الخاص بالإستثمار في الجماعات التطوعية السودانية بوصفه إستثمار في الأمل ذاته؛ أملٌ وُلد من تحت الركام، وتشكّل في الطرقات والأزقة المحاصرة، وفي القرى المنسية، وفي معسكرات النزوح التي تحولت رغم قسوتها إلى مساحات تضامن ومقاومة للحياة. هؤلاء المتطوعون والمتطوعات لم يحملوا السلاح، بل حملوا الماء والدواء والخبز، وحملوا معهم معنى أن المجتمع قادر – مهما انكسرت الدولة – على أن يحمي نفسه ويعيد تعريف إنسانيته، دعمهم، وحمايتهم، وإشراكهم في اتخاذ القرار، هو السبيل الأصدق لضمان أن تصل المساعدات إلى مستحقيها بكرامة وعدالة، وفي النهاية، تبقى الاستجابة الإنسانية في السودان امتحانًا أخلاقيًا للعالم بأسره: هل نكتفي بإدارة الأزمة، أم نجرؤ على تغيير قواعد اللعبة؟ هل ننظر إلى السودان كمساحة طوارئ دائمة، أم كبلد يستحق مقاربة إنسانية عادلة، مرنة، وشجاعة، تعترف بتعقيد واقعه وبقوة مجتمعه في آنٍ واحد؟ إن اختيار الطريق الثاني ليس فقط واجبًا إنسانيًا، بل هو رسالة تضامن حقيقية تقول للسودانيين إنهم ليسوا وحدهم، وإن معاناتهم مرئية، وإن الحياة – رغم كل هذا الخراب – ما زالت تستحق أن تُدافع عنها، وأن يُعاد بناؤها، خطوةً خطوة، بيد أهلها أولًا، وبضمير إنساني حي لا يشيح بوجهه عن الألم؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات