السبت, مارس 28, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالتخطيط الزراعي في السودان (3)

التخطيط الزراعي في السودان (3)

كتب:حسين سعد
لا يمكن فهم واقع الزراعة في السودان اليوم دون العودة إلى الجذور التاريخية التي شكلت بنية التخطيط الزراعي منذ الحقبة الاستعمارية، فقد كان إنشاء مشروع الجزيرة في عشرينيات القرن الماضي واحداً من أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم، وقد لعب دوراً محورياً في تشكيل الاقتصاد السوداني الحديث.
جاء هذا المشروع في سياق رؤية استعمارية تهدف أساساً إلى إنتاج القطن طويل التيلة لتغذية مصانع النسيج في بريطانيا. ولهذا السبب، تم تصميم المشروع بطريقة تخدم هذا الهدف الاقتصادي المحدد، حيث تم إنشاء شبكة واسعة من قنوات الري المعتمدة على مياه النيل الأزرق، وتم تنظيم العلاقة بين الدولة والمزارعين وفق نظام إداري دقيق يضمن استمرار إنتاج القطن بكفاءة عالية.
لقد نجح مشروع الجزيرة في تحقيق إنتاجية عالية لسنوات طويلة، وأسهم في توفير موارد مالية مهمة للدولة السودانية بعد الاستقلال. كما شكل مركزاً اقتصادياً واجتماعياً مهماً في وسط البلاد، وخلق طبقة من المزارعين الذين أصبحوا جزءاً من الاقتصاد النقدي الحديث.
لكن في المقابل، أدى التركيز الكبير على هذا المشروع إلى تكريس ما يمكن تسميته بـ “التحيز المؤسسي للزراعة المروية” في السياسات الزراعية السودانية. فقد أصبحت المشاريع المروية الكبرى هي النموذج المفضل للتنمية الزراعية، بينما ظلت أنماط الزراعة الأخرى – خاصة الزراعة المطرية التقليدية – خارج دائرة الاهتمام الكافي من الدولة.
ومع مرور الوقت، أدى هذا التحيز إلى خلق اختلالات كبيرة في توزيع الاستثمارات الزراعية بين مناطق البلاد المختلفة. ففي حين استفادت مناطق محدودة من مشروعات الري الكبرى، ظلت مناطق واسعة في غرب السودان وشرقه تعتمد على الزراعة المطرية والرعي التقليدي، مع ضعف شديد في الخدمات الزراعية والبنية التحتية.
هذا التفاوت التنموي لم يكن مجرد مسألة اقتصادية، بل كان له تأثيرات عميقة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد. فالمناطق التي شعرت بالتهميش التنموي أصبحت أكثر عرضة للتوترات والنزاعات، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية نتيجة النمو السكاني والتغير المناخي، ومن هنا يطرح كتاب حسن سنهوري الذي تمت طباعته ونشره بمساعدة المركز الإقليمي ضمن أهداف المركز لبناء السلام والتنمية المستدامة بحسب ما ورد في تقديم الناشر، يطرح فكرة مهمة مفادها أن الإرث الاستعماري للتخطيط الزراعي ما زال يلقي بظلاله على السياسات الزراعية في السودان حتى اليوم. فالكثير من المؤسسات الزراعية والقوانين التنظيمية ما زالت تعكس نماذج التخطيط التي وضعت قبل عقود طويلة، دون تحديث كافٍ يتناسب مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.
لكن في الوقت نفسه، يؤكد الكتاب أن مشروع الجزيرة نفسه يمكن أن يشكل جزءاً من الحل إذا ما تمت إعادة هيكلته وتحديثه ضمن رؤية زراعية وطنية شاملة. فالمشروع يمتلك بنية تحتية ضخمة وخبرة تاريخية طويلة في الزراعة المروية، ويمكن أن يلعب دوراً مهماً في دعم الأمن الغذائي وتطوير الصناعات الزراعية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التخلي عن المشاريع الكبرى، بل في إعادة التوازن بين مختلف أنماط الزراعة في السودان، بحيث يتم دعم الزراعة المطرية والرعوية إلى جانب الزراعة المروية، ضمن استراتيجية تنموية متكاملة تعكس التنوع البيئي والجغرافي للبلاد.
التخطيط الزراعي منذ الاستقلال:
بعد استقلال السودان في عام 1956، ورثت الدولة الجديدة قطاعاً زراعياً يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فقد كانت الزراعة تمثل المصدر الرئيسي للدخل القومي، كما كانت توفر فرص العمل لغالبية السكان، لكن رغم هذه الأهمية، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في صياغة رؤية استراتيجية مستقرة لتطوير القطاع الزراعي. وبدلاً من ذلك، مر التخطيط الزراعي في السودان بعدة مراحل متقلبة عكست التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد
يمكن تلخيص هذه المراحل في أربعة أطوار رئيسية.
الطور الأول: مرحلة التوسع في المشاريع المروية
في السنوات الأولى بعد الاستقلال، ركزت الدولة على توسيع المشاريع الزراعية المروية، مستفيدة من الخبرة التي تراكمت في مشروع الجزيرة. وتم إنشاء عدد من المشاريع الجديدة مثل مشروع الرهد ومشروع حلفا الجديدة، بهدف زيادة الإنتاج الزراعي وتعزيز الصادرات.
لكن هذه المشاريع ظلت تتركز في مناطق محدودة، ولم تسهم بشكل كافٍ في تنمية المناطق الأخرى التي تعتمد على الزراعة المطرية.
الطور الثاني: مرحلة التوسع في الزراعة الآلية
ابتداءً من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بدأت الدولة في تشجيع الزراعة الآلية في مناطق السهول الطينية في شرق السودان، خاصة في ولايات القضارف وسنار والنيل الأزرق.
وقد أسهم هذا التوسع في زيادة إنتاج بعض المحاصيل مثل الذرة والسمسم، لكنه أدى أيضاً إلى ظهور مشكلات جديدة تتعلق بتدهور التربة والتوسع غير المنظم في استخدام الأراضي.
الطور الثالث: مرحلة التكيف الهيكلي
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، دخل السودان في برامج التكيف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد تضمنت هذه البرامج تقليص دور الدولة في الاقتصاد، ورفع الدعم عن العديد من القطاعات، بما في ذلك الزراعة.
ورغم أن هذه السياسات هدفت إلى تحسين كفاءة الاقتصاد، إلا أنها أدت في كثير من الأحيان إلى إضعاف المؤسسات الزراعية العامة، وتقليص الخدمات التي كانت تقدم للمزارعين.
الطور الرابع: مرحلة الاستراتيجيات القومية
في العقود الأخيرة، حاولت الحكومات السودانية صياغة عدد من الاستراتيجيات الزراعية القومية التي تهدف إلى تطوير القطاع الزراعي وزيادة الإنتاج. لكن هذه الاستراتيجيات ظلت في كثير من الأحيان حبيسة الأوراق، بسبب ضعف التمويل أو عدم الاستقرار السياسي.
ومن خلال هذا التحليل التاريخي، يخلص الكتاب إلى أن المشكلة الأساسية في التخطيط الزراعي في السودان لم تكن في نقص الأفكار أو الخطط، بل في غياب الاستمرارية المؤسسية والرؤية بعيدة المدى.
فالتنمية الزراعية تتطلب استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والبحث العلمي والتعليم الزراعي، وهي مجالات تحتاج إلى استقرار سياسي ومؤسسات قوية قادرة على تنفيذ السياسات بشكل متسق.
اقتصاد زراعي غير عادل:
من بين أكثر القضايا إثارة للانتباه في تحليل الكتاب مسألة توزيع الموارد العامة داخل القطاع الزراعي. فالدولة السودانية، على مدى عقود طويلة، أنفقت مبالغ كبيرة على الزراعة، لكنها لم توزع هذه الموارد بشكل متوازن بين مختلف القطاعات والمناطق.
تشير التقديرات التي يستعرضها الكتاب إلى أن نحو 60٪ من الإنفاق الزراعي الحكومي كان يذهب إلى قطاع الزراعة المروية، بينما حصلت الزراعة الآلية على حوالي 30٪ من الموارد، في حين لم يحصل القطاع التقليدي – الذي يشمل الزراعة المطرية والرعي – إلا على 10٪ فقط من الدعم الحكومي.
هذه الأرقام تكشف عن اختلال كبير في توزيع الاستثمارات الزراعية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن القطاع التقليدي يوفر سبل العيش لملايين السودانيين، ويشكل المصدر الرئيسي للغذاء في العديد من المناطق.
إن هذا التفاوت في توزيع الموارد أدى إلى تعميق الفجوات الاقتصادية بين الأقاليم المختلفة. ففي حين استفادت بعض المناطق من البنية التحتية الزراعية المتطورة والخدمات الحكومية، ظلت مناطق أخرى تعتمد على وسائل إنتاج بدائية مع ضعف شديد في الدعم الفني والمالي.
ويؤكد الكتاب أن معالجة هذا الخلل تتطلب إعادة توجيه الاستثمارات الزراعية نحو القطاعات الأكثر احتياجاً، خاصة الزراعة المطرية والرعوية. فهذه القطاعات تمتلك إمكانات كبيرة لزيادة الإنتاج وتحسين سبل العيش إذا ما تم دعمها بشكل مناسب، كما يدعو الكتاب إلى تبني سياسات زراعية أكثر شمولاً تأخذ في الاعتبار التنوع البيئي والاجتماعي في السودان، بدلاً من الاعتماد على نموذج تنموي واحد لا يناسب جميع المناطق، إن تحقيق العدالة في توزيع الموارد الزراعية ليس فقط مسألة اقتصادية، بل هو أيضاً شرط أساسي لبناء السلام والاستقرار في البلاد (يتبع)

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات