السبت, يناير 3, 2026
الرئيسيةمقالاتالجميل الفاضل يكتب:في السودان.. حربٌ لا تنقضي عجائبها!

الجميل الفاضل يكتب:في السودان.. حربٌ لا تنقضي عجائبها!

من مفارقات هذه الحرب أن مصر، ألدّ أعداء الإخوان المسلمين على الإطلاق، قد أضحت — بقدرة قادر — المدافع الأول عن مصالح الحركة الإسلامية، فرع هذه الجماعة في السودان.
وأن إسرائيل، الراعي الرسمي لمشروعات تقسيم البلاد، تعمل الآن بتوافق تام وانسجام مع أهداف الحركة الإسلامية، الساعية — على الأقل — إلى فصل إقليم دارفور.
ذلك الهدف القديم المتجدّد، الذي ظلّ يُبعث كلما شكل هذا الإقليم تهديداً جدياً لاستمرار “الإخوان” في حكم البلاد.
رواية عبد الواحد محمد نور، رئيس ومؤسس حركة/جيش تحرير السودان، لصحيفة “الشرق الأوسط”، تؤكد ذلك:
قال إن حركته تلقت مرات عديدة عروضاً لفصل دارفور وإعلان حق تقرير المصير، خصوصاً بعد اتهام البشير بالإبادة.
وأنه رفض كل تلك العروض.. لكن العروض كانت تُقدَّم بالفعل.
وكان قد نُقل عن القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول ربيع عبد العاطي، قوله في مقابلة إذاعية،
إن قيادة الحزب اتفقت على فصل دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وضم بقية السودان إلى مصر تحت اسم “دولة وادي النيل”!
وهو ما يتسق مع ما صرّح به علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، في عطبرة منتصف أبريل الماضي، حين قال:
“دارفور ظلت منطقة مشتعلة أقعدت بالسودان، وربما يكون ذات ما حدث مع الجنوب هو مخرجًا بالحُسنى لجميع السودانيين”.
وأضاف الطاهر حسن التوم، عضو مكتب تنسيق إعلام الحركة، في لقاء مصوّر:
“إذا كان ثمن إيقاف هذه الدماء هو أن تصبح دارفور دولة، فلتكن دولة.
لماذا لا ننظر إلى الأمر بموضوعية؟”.
كل ذلك يقودنا إلى الرؤية الإسرائيلية القديمة/الجديدة للسودان،
التي عبّر عنها وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر، في معهد أبحاث الأمن القومي عام 2008، حين قال:
“السودان، بموارده ومساحته، قد يصبح دولة إقليمية قوية تنافس مصر والعراق والسعودية”.
واستدرك:
“لا يجب السماح له بأن يصبح قوة مضافة إلى قوة العرب.
بل يجب إضعافه، وتمزيقه، وانتزاع المبادرة منه.
فالسودان الهش، المجزأ، أفضل من سودان قوي وموحد”.
لكن السؤال: هل فعلت إسرائيل بنا ذلك؟
أم أننا نحن من فعلنا بأنفسنا كل ما كانت تنتظره إسرائيل منا؟
قصة أخرى، رواها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، تلخّص حقيقة أخرى أكثر فداحة.
ففي مؤتمر صحفي مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون عام 2017،
كشف لافروف عن صفقة عقدتها إدارة أوباما مع نظام البشير:
يقبل السودان تقسيم أراضيه وانفصال الجنوب عنه، مقابل عدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية.
قال لافروف إن واشنطن طلبت من موسكو تمرير العرض للبشير، وقد وافق البشير، فتم الانفصال في 2011، لتبدأ مأساة السودان الحديث.
لكن المقايضة الأكبر والأكثر خزياً، ربما ظلت طي الكتمان.
فقد أشار كثيرون إلى أن مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، قد تُرك لمصر واقعياً، بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995،
وهي المحاولة التي اتُّهم فيها نظام البشير ونائبه علي عثمان محمد طه.
الباحثة المصرية أماني الطويل قالت إن إغلاق الحدود بعد محاولة الاغتيال هو ما فرض الأمر الواقع.
فهل خشي البشير من أن تُطالب مصر بفتح ملف المحاولة دولياً، وأن يُلاحَق كما لاحق العالم قتلة رفيق الحريري؟
ولذلك، اكتفى بتصريحات خافتة لا تغيّر شيئاً، حتى خُلع في أبريل 2019،
وبقي المثلث في يد مصر، إلى يوم الناس هذا.
بل هل هناك صفقة أخرى على ذات القاعدة: قاعدة، “الأرض مقابل الرقاب”؟
ذهبت بأراضي الفشقة إلى إثيوبيا،
التي جرت فيها محاولة اغتيال مبارك؟
إنه مجرد سؤال؟.
علي أية حال، هي حرب لا تنقضي عجائبها، لكن الثابت الوحيد فيها، أن الوطن قد كان السلعة الأرخص دائما،
وأن أرضه وبحره قد ظلتا طوال عهد الإنقاذ مجرد ورقة تفاوض لا أكثر ولا أقل.
بيد أن الأدهي وأمر هو أن دماءنا ذاتها قد أضحت اليوم حبراً للتوقيعات، على موائد لئام لا يرفعون عن أعناقنا سيوفهم، إلا بعد فناء هذا الوطن تماما.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات