إن ترامب الذي لا يحب الإنتظار، قد يبحث بالفعل عن ضحية قادمة، يعزز بها انتصاره في معركة النفوذ العالمي، بعد عملية “العزم المطلق”.
وصحيح أيضا أن ترامب إذا أراد ضربة استعراضية مفاجئة تُعضد إمساكه بزمام المبادرة العالمية، فإن السودان يبقى هو المرشح المثالي والأقرب.. لأنه محاط الآن بهشاشة، وتمهيد دولي، وسيناريوهات ناضجة تنتظر فقط جرة قلم.
لكن رغم كل هذا، أتصور أن السودان ليس خيارا سهلا تماماً، وإن بدا مغريا، بين أقاليم كثيرة في العالم تنهشها اليوم الحروب، أو تتجاذلها أمواج المصالح الدولية والإقليمية المتقاطعة، التي تتشابك علي أراضيها، قبل أن يتقاتل المتنافسون عليها.
كما أن البرهان الذي يصوب البعض الأنظار عليه كهدف تالي لواشنطن، ما هو في ظني سوي قطعة شطرنج تائهة علي رقعة متسعة، لا يعتد بها كثيرا في مثل هذه المعارك الدولية الكبري.
رغم أن أصابع الأقدار قد تهوي به هو نفسه علي ضآلة قدره، الي قاع يذل فيه ويهان بأكثر من “مادورو” الذي عرض أمس، كقط مبتل علي سيارة مفتوحة الأبواب بشوارع نيويورك.
لكن، حتى تحريك مثل هذه القطع الصغيرة علي الرقعة، قد يكون هو مجرد بداية فقط للسقوط.
ففي لعبة الكبار، لا يبدأ الحريق دوماً من غابة كثيفة، بل ربما من عود ثقاب صغير يشتعل بغفلة في زقاق مهجور.
والسودان ـ برغم تعدده وتفتته وهشاشته البنيوية والسياسية ـ قد يكون هو الزقاق الذي يشعل ناراً في الحي كله.
إن ترامب، الذي يرى في الحسم بطولة، وفي الصدمة رسالة، لن يتردد ـ إن اقتنع ـ في أن يجعل من هذا البلد المنكوب بتعقيدات الداخل وتواطؤ الخارج، ساحة استعراض جديدة، يثبت فيها أنه لا يزال هو “رجل اللحظة” في عالمٍ لا ينتظر المترددين.
فترامب كرجل صفقات لا رجل حروب طويلة، يميل بطبعه إلى اختيار الهدف الأسهل، والأكثر رمزية، والأسرع نتيجة.
لكن، هل السودان فعلاً هو هذا الهدف؟ أم أنه طُعم آخر؟
هل هو “الضحية القادمة”، أم “الكذبة الكبرى” التي يُراد للعالم أن يلاحق ظلها بينما تُنسج خيوط المؤامرة في مكان آخر بعيد؟
وهل يقبل ترامب ـ في لحظة نزق معتادة ـ أن يفتح على نفسه باباً قد لا يُغلق بسهولة، في صحراء يعرف أنها قد تبتلع الجيوش، وتذيب التحالفات، وتخلط الأوراق كلها؟
إن السودان رقعة شطرنج شديدة التعقيد، تتداخل فيها أطماع إسرائيل، وحسابات مصر، وأوراق روسيا، بتحركات إيران، ونفوذ الإمارات، ومحاذير السعودية، مع حرائق الإخوان، وانقسامات الأقاليم، وتنازع الهويات.
وفي وسط هذا الضباب كله، قد يرى ترامب في البرهان هدفاً سهلاً، لكنه حين يتأمل الصورة كاملة، قد يكتشف أن البرهان ليس إلا شرفة صغيرة في عمارة آيلة للسقوط، وأن إسقاطها وحده لا يكفي بالضرورة.
فهل تكون الضربة المرتقبة في بورتسودان وكر الأفاعي، أو في الخرطوم الجريحة التي تتهيأ حكومة كامل إدريس للرحيل إليها؟
أم أن عين ترامب الزرقاء ستتجه نحو طهران، أو الي باب المندب، أو حتي نحو منابع نفط أخري، أم أنها ستعود أدراجها نحو كاراكاس من جديد؟
الأسئلة مفتوحة،
والأجوبة مؤجلة،
لكن الزمن يمضي..
والضحية التالية ربما اختيرت بالفعل، تنتظر فقط ساعة الصفر، ولحظة تدلي حبال “دلتا فورس” من علي مروحيات معلقة في الهواء.

