السبت, يناير 10, 2026
الرئيسيةمقالاتالجميل الفاضل يكتب: "حرب الألف يوم": حين تُدفن الحقائق تحت ركام الأكاذيب؟!

الجميل الفاضل يكتب: “حرب الألف يوم”: حين تُدفن الحقائق تحت ركام الأكاذيب؟!

لم تعد البنادق وحدها هي التي تقتل في السودان. 
فالصورة والكلمة قد صارتا سلاحاً فتاكاً، تغريدة قصيرة قد تُشعل مدينة، وصورة مفبركة قد تصبح دليل إدانة، وإشاعة مبثوثة بذكاء ومهارة، قد تهزم متحركا، أو تدمر مدرجا، أو تسقط حامية.
أكثر من ألف يوم مرّت على اندلاع هذه الحرب، لكن الحقيقة لم تخرج ناصعة عارية من بين براثنها، أو من تحت انقاضها قيد أنملة. 
ربما لأن هذه الحرب، بخلاف سابقاتها، لا تدور فقط في الميدان، بل في الفضاء الرقمي حيث تتواري الحقائق خلف طوفان من الأخبار الكاذبة، والشهادات المجهولة، والمقاطع المفبركة.
في هذه الحرب، كل طرف يملك “جيشه الإعلامي” الموازي.. صفحات، حسابات، قنوات، ومؤثرون يحركون الرأي العام كما يشاؤون، يصيغون روايات من طرف واحد، ويُغرقون المنصات بفيضان محتوى يتجاوز قدرة المتلقّي على التمييز، والاستيعاب.
الخوارزميات هنا تلعب دور المحرر والمحرِّك معاً. 
تدفع بما تراه “جذاباً”، لا ما هو “صادق”، وتعطي الأولوية للانفعالات لا للحقائق. 
وبينما يصارع الناس للبقاء على قيد الحياة، يصارع آخرون على “من يحتل الترند”، وكأن الحرب مسابقة جماهيرية، لا مأساة وطنية وإنسانية.
تلاشت الحقيقة، لأن حجم الضخّ تجاوز طاقة كل عقل. 
ولأن المنصات لم تُخلق للتحقّق، بل للتفاعل. 
فمن يُغضب أو يُرعب أو يُدهش، يحظى بالانتشار، حتى لو لم يقل شيئاً صحيحاً.
وللحقيقة فإن حرب السودان اليوم لا تحتاج فقط إلى رباعية، أو الي وسطاء دوليين، وقرارات أممية وافريقية. 
بل إلى إعادة اكتشاف “الحقيقة”، 
التي ضاعت بين خطاب الكراهية، والتضليل المتعمد، وصمت العالم المشغول بمصالحه وبما يحقق له أغراضه داخل هذه الحرب ذاتها.
لكن تري كيف ننجو من حرب يُقاتل فيها الكل بالكذب؟. 
أم سنظل هكذا نُعدّ الأيام، حتى نفقد العدّ، وننسى حتى من أطلق الرصاصة الأولى، ومن أشعل نارها، بل ومن لوح وهدد بها، وأعلنها دون مواربة قبل اندلاعها؟
إنها ألف يوم والسودانيون يبحثون عن معنى، عن منبر لا يكذب، عن صوت لا يُشترى، عن مرايا لا تشوه صورهم.
عموما في زمن الحرب الرقمية، لا نحتاج فقط إلى وقف لإطلاق النار، 
بل نحتاج إلى وقف إطلاق الكذب.
إذ أن من ينجو تحت غبار المعارك بغير حقيقته، لن ينجو أبداً من صورته في ذاكرة الأيام والتاريخ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات