الإثنين, مارس 2, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب: لعبة تغيير الأنظمة بالقوة؟!

الجميل الفاضل يكتب: لعبة تغيير الأنظمة بالقوة؟!

في عصر تغيير الأنظمة، بتغيير أدوات القوة، وقف العالم على أمشاطه أول أمس السبت، مذهولًا يرتعد، والخوف بعينيه، يتأمل أكثر من فنجان مقلوب، يقرأ بين خطوطها أن حربًا تختلف تمامًا هي المكتوب.
في زمن تتغير فيه موازين القوة تبعًا لما تملكه أي دولة من تفوق تكنولوجي، أو بمدى ما تملكه من تطور في إنتاج السلاح، سيصبح خطف الرؤساء أو قتل الزعماء أمرًا عاديًا في المستقبل القريب، وفقًا لما أرى.
ولعل أبرع من صور هذا الحال، غسان شربل، رئيس تحرير جريدة “الشرق الأوسط”، الذي قال ما معناه: إن الفضاء بات الآن ملعبًا أميركيًا بامتياز، وأن طائرة أميركية واحدة تستطيع أن تعرف إن كنت قد تلكأتَ اليوم حتى في حلاقة ذقنك.
وأن مسيّرة أميركية أخرى قد تستطيع زيارتك في مكان اختبائك، سواء أكان فندقًا أم كهفًا أم غرفة مجهولة في مدينة مكتظة.
على أية حال، حين تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى آلات قتل، لا بد أن يكون عصر “المخابئ الآمنة” قد انتهى بالفعل.
بل إن هذا بالضبط هو ما أدى لاختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، ولاصطياد الزعيم الإيراني خامنئي، السبت الماضي، في نموذج اغتيال رفيع المستوى، تم عبر ضربة جراحية قاتلة، يدعمها هذا النوع من الذكاء، الذي مهد لانفجار قذائف ذكية موجهة بالثانية والمليمتر، على أجساد ثلاثين قائدًا كبيرًا، بينهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية نفسه، وبعض أفراد عائلته، بقلب ملجأ سري تحت الأرض في طهران.
المهم هو نوع من القتل أو الاغتيال، رسمت خرائطه أذكى البرمجيات بتواطؤ مع أنشط الخوارزميات، كي يقود في النهاية الطائرات الشبحية المقاتلة نحو الهدف الذي أصلته في زمن قياسي بنيران صواريخها الخارقة للحصون.
بيد أن للتغيير – أي تغيير – بمعناه الأعمق والأشمل، قاعدة بسيطة وردت في القرآن الكريم، تقول: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.
هنا من قلب الإنسان يبدأ مثل هذا الزلزال الهادئ، توبةٌ كشمعةٍ صغيرةٍ من شأنها أن تقشع ظلام هذا الكون كله، شكرٌ يُديم النعمة كالغيث يحيي هذه الأرض اليباب بعد موتها، وصبرٌ ربما يُحوّل الجمر قبل خموده إلى نور يشع.
دعونا نستمع إلى “كونفوشيوس” ينشد من “دراسته العظمى” في حدائق الروح: “إذا أردتَ أن تُصلح العالم، فأصلح الدولة؛ وإذا أردتَ أن تُصلح الدولة، فأصلح البيت؛ وإذا أردتَ أن تُصلح البيت، فأصلح نفسك أولاً”.
فمن قطرة نقية داخل الذات ينبع نهر الحياة، ومن سلامة قلب واحد، ربما يُبنى جسر ينقلنا جميعًا إلى سلام يعم العالم بأسره.
يقولون: “أن الرجل النبيل يصلح نفسه أولاً، قبل أن يفكر في إصلاح الآخرين”.
وفي ربط بالدين، يقول جلال الدين الرومي: “غاية التدين السيطرة على النفس، لا على الآخرين”.
بل ويقول محمود محمد طه: “إن المتدين الحقيقي هو شخص مهموم بتغيير ذاته، بينما المهووس دينيًا شخص مشغول بتغيير الآخرين”.
وبالتالي، كيف لنا أن نطلب من العالم أن يتغير، وقلوبنا لا تزال أسرى لماضٍ تراكمي أسود؟
وقد قال بوذا: “ما نفكر فيه نصبحه، ما نشعر به نجذبه، ما نتخيله نخلقه.”
ثم ها هو “ثيتش نهات هان” يُردد: “عندما نغير أنفسنا، يتغير العالم.
فمفتاح كل تغيير يكمن في تحولنا الداخلي، تغيير قلوبنا وعقولنا.”
“أشوكا”، بعد أن غرق في دماء “كالينجا”، استيقظ فجأة من كابوس الغضب:
ندمٌ عميق أشعل في صدره نار الرحمة، فبنى مستشفيات للبشر، وأخرى للحيوانات، وحفر آبارًا على دروب الأشقياء والمتعبين، ومنع الذبح رحمة بالأحياء، وأمر بالتسامح بين الناس، قبل أن يرسل بعثاته للسلام إلى أقاصي الأرض.
هكذا من تحول داخلي صغير ومحدود طرأ على شخص ما، ولدت إمبراطورية “الدارما” المدهشة.
و”أمبيدكار” في الهند، رفض أغلال الطبقات، فغيّر هويته الداخلية أولاً، قبل أن يتحول معه نصف مليون إلى فضاء المساواة، لتنكسر سلاسل الظلم، ولترتفع أصوات الكرامة البشرية.
وفي زمننا هذا تتسارع الأحداث كالريح العاصفة، يقول محمود درويش بأمل ويقين لا يتزحزح: “القمر سيطلع من عتمتي.”
“السلام يأتي من الداخل، فلا تبحث عنه في الخارج أبدًا”.
أو كما قال جلال الدين الرومي: “إذا بدا كل شيء حولك مظلمًا، انظر مرة أخرى، قد تكون أنت النور.”
هو نصح على منوال قول الشاعر درويش: “وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكّر بنفسك، قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلام.”
هذا هو المفتاح السحري للتغيير، لكن هل لا يزال هو بأيدينا؟ وهل نجرؤ نحن على الدوران به؟ هل نختار أن نكون الوردة التي تخرج بستانها من بين أكمامها، والبذرة التي تُنبت غابة غدها من جوفها؟
عمومًا، فالتغيير ليس مصادفة، بل هو اختيار شجاع ينبع من قوة النفس، لا من قوة السلاح.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات