تقرير:حسين سعد
في بلدٍ أنهكته الحرب وعمّقته الأزمات المركبة، يبرز فقر الطاقة كأحد أخطر التحديات الهيكلية التي تواجه السودان في مرحلة ما بعد النزاع، ليس بوصفه أزمة خدمية فحسب، بل كعاملٍ مباشر في تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتهديد الأمن المجتمعي على نطاق واسع. فتعطّل شبكات الكهرباء، وارتفاع كلفة الوقود، والاعتماد شبه الكامل على مصادر تقليدية ملوِّثة، أعادت ملايين السودانيين إلى دائرة الفقر المتعدد الأبعاد
لم تقتصر آثار الحرب على الأرواح والبنى التحتية والاقتصاد، بل امتدّ دمارها الصامت ليطال الغابات، تلك المساحات الخضراء التي كانت تمثل رئة الحياة ومصدر التوازن البيئي وملاذ المجتمعات الريفية الهشة. ففي ظل انهيار منظومات الطاقة، وغياب الكهرباء والغاز وارتفاع تكاليف الوقود، تحوّلت الغابات في مناطق واسعة من السودان إلى بديل اضطراري للطاقة، ومصدرٍ يومي للحطب والفحم، يُستنزف بلا ضوابط ولا تخطيط، تحت ضغط الحاجة للبقاء. هذا التحول القسري لم يكن خياراً بيئياً أو اقتصادياً، بل نتيجة مباشرة للحرب التي دفعت بالمواطنين، خصوصاً النساء والأطفال، إلى اقتلاع الأشجار وحرقها لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
البيئة ضحية صامتة للنزاع في السودان
إن تدمير الغابات في سياق الحرب يمثل انتهاكاً مزدوجاً: انتهاكاً للحق في بيئة سليمة، وهو حق أصيل من حقوق الإنسان، وانتهاكاً لحق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية. فالغابات ليست مجرد أشجار، بل منظومات حياة متكاملة تحمي التربة من الانجراف، وتدعم الأمن الغذائي، وتحد من آثار التغير المناخي، وتوفر سبل عيش مستدامة للمجتمعات المحلية. ومع ذلك، وجدت هذه الغابات نفسها بلا حماية قانونية فعلية، وبلا سياسات طوارئ تراعي البعد البيئي في زمن النزاعات، ما جعلها فريسة سهلة للاستهلاك الجائر والقطع العشوائي، ومن منظور إنساني، يتحمل الفقراء والنازحون العبء الأكبر لهذا الواقع. فمع انعدام البدائل، تُجبر الأسر على الاعتماد على الحطب والفحم رغم مخاطره الصحية، من أمراض الجهاز التنفسي إلى تعرّض النساء للعنف أثناء جمع الحطب في مناطق غير آمنة. كما تسهم عسكرة الموارد الطبيعية وغياب الدولة في تحويل الغابات إلى اقتصاد حرب، تُستغل فيه الأشجار كمورد سريع التمويل، دون أي اعتبار للأثر البيئي أو الحقوقي طويل المدى. وهكذا، تصبح الغابات شاهداً آخر على كيف يمكن للحرب أن تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالطبيعة على أساس البقاء لا الكرامة، والاستنزاف لا الاستدامة.

الطاقة المتجددة مدخل حاسم للتعافي وبناء السلام
وبحسب ورقة فقر الطاقة وعلاقته بالأمن الغذائي والأمن المجتمعي بعد الحرب في السودان، التي قدمتها
الدكتورة مواهب الطيب أحمد الحاج، الباحثة والخبيرة في مجال البيئة والطاقات المتجددة والأمن الغذائي، إستعرضتها في مؤتمر الاغاثة الذي إنهي جلساته مؤخراً، فإن السودان، رغم امتلاكه موارد طاقة ضخمة ومتنوعة تشمل الطاقة المائية، والوقود الأحفوري، إضافة إلى إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، ما يزال يعاني من ضعف الاستفادة الفعلية من هذه الموارد، خاصة بعد الحرب الأخيرة التي دمّرت البنية التحتية وعمّقت هشاشة القطاع، يعتمد أكثر من نصف استهلاك الطاقة في السودان على الكتلة الحيوية مثل الحطب والفحم النباتي، لا سيما في القطاع المنزلي، وهو ما يشكّل نحو 55–60% من إجمالي الاستهلاك، وفق بيانات ميزان الطاقة النهائي. هذا الاعتماد لا يقتصر أثره على البيئة والصحة العامة، بل ينعكس بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وتشير الورقة إلى أن ضعف إمدادات الطاقة يعطّل عمليات الري الميكانيكي، ويقيد تشغيل الآليات الزراعية، ويحدّ من قدرات التخزين والتبريد، ما يؤدي إلى ارتفاع الفاقد بعد الحصاد، وزيادة أسعار الغذاء، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، خاصة في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاعات.
تحديات هيكلية عميقة:
قبل اندلاع الحرب، كان السودان يُعدّ من الدول ذات الإمكانات الزراعية الكبيرة، إلا أن النزاع المسلح أدى إلى تعطّل المواسم الزراعية، وتدمير قنوات الري والمخازن، ونقص حاد في المدخلات الزراعية من بذور وأسمدة ووقود، نتيجة انهيار الأسواق وسلاسل التوريد، وقالت دكتورة مواهب إن قطاع الطاقة في السودان يواحه تحديات هيكلية عميقة تفاقمت خلال العقود الأخيرة ،وازدادت حدةً بعد النزاعات والحرب الأخيرة. فعلى الرغم من امتلاك السودان لموارد طاقة متنوعة تشمل الطاقة المائية، والوقود الأحفوري، ومصادر كبيرة من الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، إلا أن الاستفادة الفعلية من هذه الموارد ما تزال محدودة وغير مستقرة، كما يعاني البلد من انخفاض معدلات الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق الريفية، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الكتلة الحيوية التقليدية (الحطب والفحم النباتي) لتلبية احتياجاتهم من الطاقة المنزلية، مما يخلق آثارًا سلبية على البيئة والصحة العامة. كما يتسم إنتاج الكهرباء بعدم الاستقرار بسبب ضعف البنية التحتية، ونقص الصيانة، والاعتماد الكبير على التوليد ، وقالت مواهب ان ضعف إمدادات الطاقة يمثل عائقًا رئيسياً أمام التنمية الاقتصادية، إذ يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والصناعي، وعلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والتعليم. وفي هذا السياق، تبرز الطاقة المتجددة—خاصة الطاقة الشمسية— كفرصة استراتيجية لتحسين أمن الطاقة، وتقليل الفقر الطاقي، ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في السودان، وأوضحت الخبيرة في مجال الطاقة إن الأمن الغذائي والطاقة يمثل ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة والاستقرار المجتمعي، وترتبطان بعلاقة تكاملية وثيقة تؤثر كل منهما في الأخرى بشكل مباشر. فتوفر الطاقة بشكل موثوق وبأسعار معقولة يعد شرطًا أساسياً لإنتاج الغذاء، بدءًا من العمليات الزراعية مثل الري الميكانيكي، وتحضير الأراضي، والحصاد، وصولًا إلى التصنيع الغذائي، والتخزين، والنقل، وأوضحت الورقة إن التغيرات المناخية تشكل أحد أكبر التحديات للأمن الغذائي في السودان، حيث تتسبب موجات الجفاف والفيضانات المتكررة في تدمير المحاصيل والمراعي، وتهديد سبل كسب العيش، خاصة في المناطق الريفية الهشة، وقالت الورقة إن تحقيق الأمن الغذائي في السودان يتطلب تبني سياسات متكاملة تشمل دعم صغار المزارعين، وتطوير نظم الري، والاستثمار في الطاقة المتجددة لخدمة الزراعة، وتحسين التخزين والنقل، إضافة إلى تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وبناء السلام والاستقرار.
تأثير فقر الطاقة على الأمن المجتمعي
وتحذّر الورقة من أن فقر الطاقة يشكّل تهديدًا هيكليًا للأمن المجتمعي، إذ يسهم في تصاعد النزاعات المحلية حول الموارد المحدودة، ويضعف تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه، ويرفع معدلات الفقر والبطالة والجريمة. كما يزيد من المخاطر الصحية والبيئية، ويقوّض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ما يعمّق الإحساس بالتهميش وعدم الاستقرار، في مقابل هذا المشهد القاتم، تبرز الطاقات المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، كحل استراتيجي واقعي لتعزيز أمن الطاقة والغذاء معًا. وتشير الورقة إلى أن استخدام مضخات الري الشمسية، وأنظمة التبريد والتخزين، وتجفيف المحاصيل، يمكن أن يرفع الإنتاجية الزراعية، ويقلل الفاقد، ويخلق فرص عمل محلية، خاصة للشباب والنساء، كما تسهم الطاقة المتجددة اللامركزية في تقليل النزاعات على الموارد، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم عودة النازحين، وتعزيز السلام المجتمعي في المناطق الهشة

توصيات للتعافي وبناء السلام:
وتدعو الورقة في توصياتها التي قسمتها إلي أربعة مستويات وهي : المستوي الحكومي والقطاع الخاص والمنظمات الدولية والوطنية وعلي المستوي المجتمعي والقاعدي، وطالبت الورقة في توصياتها إلى تبني مقاربة شمولية تدمج سياسات الطاقة بالأمن الغذائي، من خلال دعم اللامركزية الطاقية، وتحفيز الاستثمار في حلول الطاقة الزراعية، وربط برامج الإغاثة بالأمن الطاقي، وتمكين المجتمعات القاعدية من إدارة مشروعات الطاقة، وتقول الورقة أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا يمثل خيارًا تقنيًا فقط، بل مدخلًا استراتيجيًا للتعافي الاقتصادي، وبناء السلام، وتعزيز صمود المجتمعات السودانية في مواجهة أزمات ما بعد الحرب، وعلي مستوي القطاع الخاص نادت الورقة بالإستثمار في حلول الطاقة الزراعية مثل مضخات شمسية ،تبريد ، تجفيف،معالجة، وتوطين سلاسل القيمة عبر إنشاء مرافق تخزين وتصنيع تعمل بالطاقة المتجددة قرب مناطق الإنتاج، ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات للمزارعين والعمال المحليين، والالتزام بالمسؤولية المجتمعية بدعم صغار المنتجين وتحسين الوصول العادل للطاقة. أما التوصيات للمنظمات فقد طالبت الورقة : بربط برامج الأمن الغذائي بالطاقة، وتمويل مشروعات متكاملة تجمع بين الري، والتخزين، والتغذية، والطاقة النظيفة، وبناء القدرات المؤسسية والمجتمعية في تشغيل وصيانة أنظمة الطاقة، ودعم البحث والتجريب للحلول المناسبة محلياً، والتنسيق متعدد الأطراف لتجنب الازدواجية وتعظيم الأثر، وأخيراً في التوصيات على مستوى المجتمعات القاعدية ، دعت الورقة إلي إدارة مجتمعية لمشروعات الطاقة جمعيات مستخدمين، لجان محلية، وتبنيّ حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة مواقد محسّنة، بيوغاز، مجففات شمسية، والمشاركة في التخطيط لضمان تلبية الاحتياجات الفعلية وتعزيز الاستدامة، وتمكين النساء والشباب في سلاسل الطاقة والغذاء تشغيل، صيانة، ريادة أعمال، وتعزيز الوعي بأهمية الطاقة النظيفة في تحسين الإنتاج الغذائي والصحة.
بدائل الطاقة وإدماجها في مشروع الإغاثة
(من المحرر)
في مواجهة هذا النزيف البيئي والإنساني، تبرز بدائل الطاقة ليس فقط كحل تقني، بل كخيار حقوقي وإنساني عاجل. إن إدخال الطاقة البديلة—كالطاقة الشمسية، والغاز الحيوي، والمواقد المحسّنة، وأنظمة الطهي النظيف—ضمن مشاريع الإغاثة والاستجابة الإنسانية، يمثل خطوة جوهرية لحماية الغابات وصون كرامة الإنسان في آنٍ واحد. فهذه البدائل تخفف الاعتماد على الحطب والفحم، وتقلل المخاطر الصحية، وتحد من الأعباء اليومية التي تتحملها النساء والأطفال، كما تساهم في تقليص الانبعاثات وحماية التنوع البيولوجي، ولا ينبغي النظر إلى الطاقة البديلة كرفاهية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل كجزء لا يتجزأ من الحق في الحياة الكريمة أثناء النزاعات. فالإغاثة التي تكتفي بتوفير الغذاء والماء دون حلول طاقة مستدامة، تظل استجابة ناقصة تعالج الأعراض ولا تواجه الجذور. إن دمج الطاقة النظيفة في برامج الإغاثة—سواء عبر توزيع أنظمة شمسية منزلية، أو دعم مشاريع مجتمعية للطاقة المتجددة، أو تمويل بدائل طهي آمنة—يعزز من قدرة المجتمعات على الصمود، ويخلق فرص عمل محلية، ويمهّد لمرحلة تعافٍ أخضر وعادل ،فبدائل الطاقة تمثل جسراً بين الإغاثة والتنمية، وبين الاستجابة العاجلة.

