كتب:حسين سعد
بعد أكثر من ألف يوم من اندلاع الحرب في السودان، لم تعد المأساة مجرد أرقام تُتداول في تقارير الأمم المتحدة، بل وجوه لأطفال نحلت أجسادهم، وأمهات يحملن أبناءً بلا دواء، ومدن تحوّلت إلى أطلال، وبلد يقف على حافة التفكك الكامل، وفي معسكرات النزوح ومراكز الإيواء، وطرق الهروب الطويلة، وفي معسكرات اللجوء خلف الحدود، يعيش ملايين السودانيين معركة يومية من أجل البقاء، في ظل حرب لم ترحم المدنيين، وصمت دولي لم يعد مبرَّرًا، في هذا السياق، أطلقت أكثر من 60 منظمة حقوق إنسان سودانية وعربية وإفريقية ودولية تحذيرًا صريحًا من الانهيار المتسارع للدولة السودانية، ومن تحوّل النزاع إلى حرب شاملة ضد السكان المدنيين، تُرتكب خلالها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بصورة ممنهجة، دون مساءلة أو ردع، وقالت المنظمات في مذكرتها التي جاءت بعنوان ( ألف يوم من الحرب في السودان دولة تتفكك في ظل فشل القيادة المحلية وضعف الاستجابة الدولية )
وقف تدفق السلاح:
وطالبت المنظمات السودانية والعربية والافريقية بالوقف الفوري لتدفقات السلحة الخارجية، وندعو إلى عملية سلام تتجاوز المساومات بين أمراء الحرب، تقوم على الانتقال إلى حكم مدني شامل. فمنذ قرابة ثلاث سنوات، تخوض القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع –بدعم من أطراف إقليمية– حربً ا شرسة على حساب المدنيين، مدفوعة بصراع على السلطة والموارد، مم ا أدى إلى عرقلة الانتقال الديمقراطي المدني في السودان. ويؤكد البيان المشترك للمنظمات الحقوقية الذي تحصلت عليه مدنية نيوز يؤكد أن فشل القيادات المحلية، وانقسام النخب السياسية، وعجز المبادرات الإقليمية والدولية، ساهمت جميعها في إطالة أمد الحرب، وفتحت الباب أمام عسكرة كاملة للحياة العامة، وانهيار ما تبقى من مؤسسات الحكم والخدمات، وفي ظل غياب مشروع سياسي وطني جامع، أصبحت البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع استمرار تدفق السلاح والدعم العسكري من قوى خارجية، دون أي مساءلة قانونية أو أخلاقية.
أضرار كارثية:
وأكد البيان المشترك لقد ألحقت الحرب أضرا رًا كارثية بالمدنيين، وتسببت في تقويض شبه كامل للحق في الحياة . إذ تشير بيانات النزاع المتاحة إلى أنه في عام 2025 وحده، أسفر العنف المرتبط بالنزاع عن مقتل أكثر من 000,17 شخص في مختلف أنحاء السودان، كما صُنف السودان في المرتبة الثانية ضمن أخطر النزاعات وأكثرها دموية في العالم، لا يسبقه في ذلك سوى الحرب الروسية الأوكرانية. ومنذ أبريل 2023، يُقدر إجمالي عدد الوفيات بما لا يقل عن 150 ألفً ا –معظمهم من المدنيين– علمًا بأن الرقم الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير ، وفي الوقت نفسه ،جر ى توظيف القضاء السوداني بشكل منهجي بوصفه سلاحًا لتجريم العمل الإنساني، وإسكات المعارضين، وترويع النازحين وكل من يُنظر إليهم بوصفهم خصومً ا. إذ أسفرت محاكمات افتقرت لضمانات العدالة في دوائر قضائية عدة عن صدور أحكام بالإعدام وعقوبات بالسجن المطو ل بناءً على أدلة انتُزعت بالإكراه أو أدلة ملفقة، أو بدافع الانتقام السياسي، أو التنميط العرقي، مما يعكس إنهيار استقلال القضاء وأوضح البيان المشترك :هذا النمط من الاضطهاد القضائي يشكل امتدادًا للنزاع المسلح بوسيلة أخر ى، مما يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية، وترسيخ إفلات العناصر المسلحة من العقاب، وصر ف المدنيين عن تقديم المساعدات، أو توثيق الانتهاكات، أو ممارسة الحريات المدنية الساسية . وكما وظف العنف الجنسي المرتبط بالنزاع بوصفه تكتيكًا حربيًا متعمدًا في شتى أنحاء السودان، لترويع المدنيين وإذلالهم وتهجيرهم. وتعد هذه الممارسات جرائم دولية خطيرة تترك آثا رً ا لا تُمحى على الناجين وعلى النسيج الاجتماعي، وتتطلب ممحاسبة فورية للمنفذين والقادة على حد سواء. وبالإضافة إلى الحالات التي أكدتها منظمات سودانية غير حكومية موثوقة، حيث رصد خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان ما يزيد عن 390 حالة اغتصاب واغتصاب جماعي حتى نهاية 2025. هذا الرقم يمثل مجرد جزء ضئيل من حجم العنف الفعلي؛ إذ يؤدي انعدام خدمات الحماية، والتبعات الاجتماعية والمنية المترتبة على تقديم البلاغات، إلى إجبار العديد من الناجين والناجيا ت على البقاء بعيدً ا عن النظار.
مأساة إنسانية:
ما كشفه البيان المشترك للمنظمات الحقوقية من أرقام ، تتكشف مأساة إنسانية أعمق، حيث تُستخدم أدوات الحرب الحديثة ضد مجتمع أعزل، من القصف العشوائي والتجويع المتعمّد، إلى العنف الجنسي المنهجي، خاصة في دارفور والجزيرة والخرطوم ومناطق النزاع الأخرى، النازحون يعيشون حياة على الهامش في الداخل، يعيش ملايين النازحين في ظروف قاسية داخل مدارس مدمّرة، أو مبانٍ غير صالحة للسكن، أو في العراء، دون مياه نظيفة أو خدمات صحية أو غذاء كافٍ، و تفشّي الجوع وسوء التغذية أصبح واقعًا يوميًا، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والحوامل، وتشير تقارير إنسانية متطابقة إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال ، ووفيات الأطفال دون الخامسة ، وإنتشار أمراض يمكن الوقاية منها، مثل الإسهالات الحادة، والملاريا، والحصبة، والكوليرا، أما حال اللاجئون خارج الحدود ، نجاة بلا كرامة أما الذين فرّوا خارج السودان، فقد وجدوا أنفسهم في معسكرات لجوء مكتظة في دول الجوار، تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وأمنية، اللاجئون السودانيون يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء والخدمات الصحية، وقيود علي الحركة والعمل ومخاطر الاستغلال خاصة النساء والفتيات.

النساء والاطفال:
أما النساء السودانيات علي وجه الخصوص ، يدفعن ثمن الحرب ، مضاعفاً، حيث يتعرضن للعنف الجنسي والزواج القسري وانعدام الرعاية الصحية الانجابية في ظل غياب سبه كامل للحماية ، أما الاطفال فهم ضحايا بلا صوت وهم الحلقة الاضعف في هذه الحرب، ملايين الأطفال خارج المدارس منذ أكثر من عامين، وآلاف آخرون فقدوا أسرهم أو أُجبروا على النزوح المتكرر، فالأمراض وسوء التغذية تحصد أرواحهم بصمت، بينما يواجه الناجون صدمات نفسية عميقة قد تمتد آثارها لأجيال، بينما تحذّر المنظمات من أن استمرار هذا الوضع يهدد بضياع جيل كامل من السودانيين، ويزرع بذور صراعات مستقبلية أكثر عنفًا، وبشأن الإفلات من العقاب وتسييس العدالة ن يسلط البيان الحقوقي الضوء على توثيق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الإبادة الجماعية في دارفور، واستخدام القضاء كأداة قمع سياسي
ورغم فداحة الانتهاكات، لا تزال آليات المحاسبة الدولية عاجزة أو معطّلة، بينما تستمر الدول الداعمة للأطراف المتحاربة في الإفلات من أي مساءلة.
مطالب عاجلة لطرفي الحرب:
دعت المنظمات الحقوقية في بيانها المشترك الي الوقف الفوري للهجمات على المناطق السكنية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك السواق ومنشآت الكهرباء والمياه. إتاحة الوصول الكامل وغير المقيد للمحققين الدوليين، بما في ذلك بعثة المم المتحدة لتقص ي الحقائق ومنظمة حظر السلحة الكيميائية، لجمع الدلة الحيوية دون تأخير، إطلاق سراح جميع المعتقلين المدنيين، ووقف عمليات القتل خارج نطاق ال قانو ن، ومحاسبة الجناة . والتوقف عن توظيف القضاء كأداة للصراع، والكف عن الاعتقالات القائمة على الهوية الثنية أو الانتماء السياسي، وإنشاء واحترام مناطق آمنة وممرات إنسانية محايدة لتوزيع المساعدات، لا سيما في المناطق المحاصرة مثل كاد وقلي والدلنج.
أما التوصيات إلى القوى الإقليمية ودول الجوار :
فقد شدد البيان المشترك علي ضرورة الالتزام الصارم بقرار مجلس الامن بالامم المتحدة رقم 2791 -2025، الذي يحظر توريد أو بيع أو نقل السلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى الطراف المتحاربة.
يجب على الدول المضيفة، بما في ذلك تشاد، ومصر، وجنوب السودان، وليبيا، وإثيوبيا، وإريتريا، الإبقاء على حدودها مفتوحة وضمان الالتزام بمبدأ «عدم الإعادة القسرية». كما يتعين عليها السماح للمجتمع المدني بحشد الدعم والمساندة وفقً ا للقانون الدولي.
تسهيل التدفق الآمن للمساعدات عبر الحدود وتقديم الدعم لشبكات العون المتبادل المحلية.
بينما طالبيت التوصيات إلى المجتمع الدولي :
على مجلس الامن اعتماد قرار شامل يتضمن آلية قابلة للتنفيذ لحماية المدنيين وتحقيق العدالة والمساءلة.
يتعين على المحكمة الجنائية الدولية الإسراع في وتيرة تحقيقاتها الجارية وإصدار لوائح الاتهام اللازمة. كما يتعين على الدول العضاء في المم المتحدة تقديم دعم صارم لتنفيذ أوامر القبض القائمة .
ينبغي على مجلس حقوق الإنسان بالامم المتحدة العمل بموجب توصيات بعثة تقص ي الحقائق، واعتماد تدابير لمتابعة تنفيذ القرار الصادر في نوفمبر 2025 بشأن مدينة الفاشر.
الخاتمة من المحرر:
بعد ألف يوم من الحرب، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، إما إنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع، أو الانزلاق نحو تفكك شامل يصعب تداركه، فالسكوت لم يعد حيادًا، والتباطؤ الدولي لم يعد عجزًا، بل مشاركة غير مباشرة في المأساة، في معسكرات النزوح، وفي معسكرات اللجوء، وفي المدن المنكوبة، لا يطلب السودانيون المعجزات، بل الحد الأدنى من الحق في الحياة والكرامة والسلام.
وقبل فوات الأوان، يبقى السؤال الأخلاقي معلّقًا في وجه العالم: كم ألف يوم أخرى يحتاجها السودان ليُسمَع صوته؟

