تقرير:حسين سعد
يعيش اللاجئون السودانيون في معسكرات جنوب السودان حياة ملؤها الخوف والحرمان، داخل خيام بائسة لقد اضطروا لمغادرة ديارهم هرباً من الحرب والصراع، ليجدوا أنفسهم محاصرين في بيئة غير آمنة، تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة، منذ إندلاع الحرب في السودان، وجد مئات الآلاف أنفسهم مضطرين لعبور الحدود بحثاً عن ملاذٍ آمن، وكان من بين أقرب المحطات وأكثرها هشاشة في آنٍ واحد دولة جنوب السودان؛ الدولة الفتية التي ما زالت هي الأخرى تلملم جراح تاريخ طويل من النزاع والانقسام، في معسكرات اللجوء المنتشرة على أطراف المدن والمدن الحدودية، تتكثف المأساة الإنسانية في أبسط تفاصيل الحياة اليومية: في طابور طويل أمام نقطة مياه شحيحة، في خيمة لا تقي من حرّ النهار ولا أمطار الليل الغزيرة ، في أمٍّ تخشى على ابنتها من طريقٍ مظلم، وفي طفلٍ ينام على جوعٍ لا يفهم سببه، بين الجوع والخوف، وهو عنوان هذا التقرير يعيش اللاجئون السودانيون واقعاً مركباً من الحرمان المادي والهشاشة الأمنية والانكسار النفسي، واقعاً لا تختصره الأرقام وحدها، لكنه أيضاً لا يمكن فهمه من دونها..
هذا التقرير، الذي يستند إلى استطلاع ميداني شمل 60 لاجئاً سودانياً في معسكرات جنوب السودان ونفذه المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، لا يسعى إلى إثارة التعاطف العابر، بل إلى تقديم صورة دقيقة، موثقة، ومبنية على شهادات مباشرة من قلب المعاناة. هو محاولة لإعادة تعريف الأزمة ليس بوصفها خبراً عابراً في نشرات المساء في القنوات الفضائية أو الصحف الاليكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ، بل باعتبارها حياة يومية ممتدة، يعيشها أناس فقدوا بيوتهم ولم يفقدوا حقهم في الكرامة، ويكشف تقرير المركز الاقليمي الذي يستند إلى استطلاع شامل شمل 60 لاجئاً، يكشف عن واقع مأساوي، لكنه يحمل رسائل واضحة للمجتمع الدولي حول الاحتياجات الملحة لتحسين حياة هؤلاء النازحين.
تحديات الوضع الأمني :
إن اللجوء ليس خياراً طوعياً، بل قرار إضطراري يُتخذ تحت ضغط الرصاص أو الخوف من الاعتقال أو الإنهيار الكامل للخدمات، كثير من الذين إلتقتهم دراسة المركز الاقليمي غادروا قراهم ومدنهم على عجل، تاركين وراءهم ممتلكاتهم وأوراقهم الرسمية وأحلامهم الصغيرة، بعضهم سار أياماً قبل أن يعبر الحدود، وبعضهم حمل أطفاله على كتفيه وهو لا يعلم إلى أين ينتهي به الطريق، غير أن الوصول إلى المعسكر لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد من الهشاشة، حيث تُظهر نتائج الاستطلاع أن 78% من المشاركين يعانون من انعدام الأمن داخل المعسكرات، هذه النسبة المرتفعة لا تعني مجرد شعور عام بالقلق، بل تعكس واقعاً من التهديدات اليومية: سرقات متكررة، اعتداءات مسلحة، وعنف قائم على النوع الاجتماعي يستهدف النساء والفتيات بشكل خاص، في هذا السياق، يطرح التقرير أسئلة مؤلمة حول مسؤوليات الحماية. فقد حمّل 55% من المشاركين السلطات المحلية مسؤولية توفير الأمن، فيما أشار آخرون إلى تقصير أو ضعف استجابة بعض المنظمات الإنسانية، وتعيش النساء والأطفال خاصة تحت تهديد مستمر أثناء تنقلهم للحصول على الضروريات الأساسية، ما يجعل المعسكرات بيئة محفوفة بالمخاطر، وبين تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات، يبقى اللاجئ الحلقة الأضعف، يتلقى أثر الإخفاق دون أن يكون طرفاً في صنع القرار، إن الحماية ليست خدمة إضافية يمكن تأجيلها، بل شرط أساسي لبقاء المخيمات فضاءات إنسانية وليست مناطق رمادية خارج القانون.
الأوضاع الخدمية والمعيشية:
لا ينفصل الأمن عن البيئة المعيشية والصحية، فقد وصف 70% من المشاركين في الدر اسة وصفوا البيئة داخل المعسكرات بأنها (سيئة)، في إشارة إلى تراكم النفايات، ورداءة الصرف الصحي، وضيق المساحات. كما أكد 83% انتشار الأمراض المعدية، وعلى رأسها الملاريا والتيفويد وأمراض المياه الملوثة، هذه الأرقام لا تعكس فقط نقص الخدمات، بل تعكس أيضاً غياب الحد الأدنى من شروط الصحة العامة التي تحمي الحياة.
إن اعتماد 77% من اللاجئين على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء، مع تأكيد جميع المشاركين على عدم كفاية الكميات، يضعنا أمام معادلة قاسية: الجوع ليس احتمالاً، بل واقعاً يومياً، وعندما يُضاف إلى ذلك أن 63% لا يحصلون على مياه شرب نظيفة، فإن الخطر يتضاعف، لأن الماء الملوث لا يروي العطش بقدر ما ينقل المرض، في هذه الدائرة المغلقة، يصبح البقاء نفسه مهمة شاقة.
أما الخدمات الصحية، فقد وصفها 67% بأنها غير كافية، فيما أشار 73% إلى ضعف أو غياب خدمات النساء والأطفال، نقص الأطباء والأدوية الأساسية يحوّل الحالات البسيطة إلى مضاعفات خطيرة، ويجعل الحمل تجربة محفوفة بالمخاطر، ويضاعف معدلات الوفاة بين الأطفال وكبار السن، الصحة هناك ليست مجرد عيادة متنقلة، بل نظام حماية حياة يحتاج إلى استثمار عاجل ومنهجي، وعلى صعيد السكن، يعيش 33% من اللاجئين في خيام، و33% في مساكن مؤقتة، بينما يسكن 80% في أماكن جماعية مختلطة، ما يفاقم صعوبة الحفاظ على الخصوصية ويزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية، في هذه المساحات الضيقة، تتداخل قصص الفقد، ويتشارك الناس الألم ذاته، لكنهم أيضاً يتشاركون هشاشة مضاعفة.
التعليم والتوصيات:
التعليم، الذي يفترض أن يكون نافذة أمل، لا يزال محدود الأثر، رغم توفر بعض الفرص للأطفال، وصف 78% جودة التعليم بأنها ضعيفة، وأكد 70% غياب برامج تعليم الكبار، فيما أشار 95% إلى انعدام فرص العمل، هذه المعطيات تكشف خطراً بعيد المدى: جيلاً مهدداً بالحرمان من المهارات والمعرفة، وآباءً وأمهات بلا أدوات لإعادة بناء حياتهم.
هذا التقرير لا يكتفي بعرض الأرقام، بل يسعى إلى وضعها في سياقها الإنساني والسياسي، فالمعسكرات ليست فضاءات معزولة عن العالم، بل هي جزء من منظومة دولية للحماية يفترض أن تقوم على مبادئ تقاسم المسؤولية والتضامن واحترام الحقوق، ومع إستمرار الحرب في السودان، يتوقع أن يستمر تدفق اللاجئين، ما يعني أن الأزمة مرشحة للتفاقم إن لم تُتخذ إجراءات عاجلة، في ختام الدراسة، طالب المشاركون في دراسة المركز الاقليمي بزيادة التنسيق بين المنظمات الإنسانية، وتحسين البنية التحتية، وتأمين المياه الصالحة للشرب، وتعزيز الدعم النفسي، وإتاحة برامج تدريب مهني للنساء، وتقديم خدمات تعليمية شاملة للأطفال وذوي الإعاقة، وإشراك اللاجئين في التخطيط والتنفيذ. هذه المطالب ليست رفاهية، بل تعبير مباشر عن فهمهم لاحتياجاتهم وأولوياتهم
الخاتمة من المحرر:
معسكرات اللجوء ليس قدراً أبدياً، ولا ينبغي أن تتحول إلى جغرافيا دائمة لليأس. إن ما كشفه هذا التقرير من أرقام وشهادات يعكس حقيقة واحدة: وهي إن اللاجئون السودانيون في معسكرات جنوب السودان يعيشون أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها هشاشة الأمن مع نقص الغذاء والمياه، وتتقاطع فيها الأمراض مع ضعف التعليم وانعدام فرص العمل غير أن خلف كل نسبة مئوية إنساناً باسمه وقصته وأحلامه المؤجلة.
إن تحسين الأمن داخل المعسكرات ليس ترفاً إدارياً، بل شرطاً أساسياً لكرامة الإنسان، وتوفير الغذاء الكافي والمياه النظيفة ليس إحساناً، بل التزام قانوني وأخلاقي، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية وإتاحة الفرص الاقتصادية ليست برامج موسمية، بل استثمار في الاستقرار الإقليمي وفي مستقبل جيل كامل، فعندما نحرم الأطفال من التعليم، فإننا لا نحرمهم من الحروف فحسب، بل من القدرة على إعادة كتابة مصائرهم، فاللاجئ ليس رقماً في سجل الإغاثة، بل مواطن حُرم من وطنه مؤقتاً، ويستحق أن يكون شريكاً في صياغة الحلول التي تمس حياته اليومية. إن بناء مخيمات أكثر أماناً واستقراراً يبدأ بالاستماع إلى أصوات من يعيشون فيها.
فبين الجوع والخوف، ما زال هناك خيط رفيع من الرجاء. رجاء في أن تتحول التعهدات إلى سياسات، والسياسات إلى خدمات، والخدمات إلى حياة أكثر أمناً وكرامة. رجاء في أن يعود الذين اقتلعتهم الحرب إلى ديارهم يوماً ما، وهم يحملون معهم تجربة الألم لا بوصفها وصمة، بل شاهداً على قدرتهم على الصمود، إلى أن يتحقق ذلك، تبقى مسؤولية المجتمع الدولي والسلطات المعنية والمنظمات الإنسانية واضحة لا لبس فيها: حماية الحياة، وصون الكرامة، وفتح نوافذ الأمل، فهؤلاء اللاجئون لم يختاروا أن يكونوا بين الجوع والخوف، لكن العالم يملك أن يختار ألا يتركهم هناك،هذا التقرير هو شهادة على تلك المسافة الضيقة، ودعوة مفتوحة إلى المجتمع الدولي، والجهات المانحة، والمنظمات الإنسانية، والسلطات المعنية، لتحويل الالتزامات النظرية إلى أفعال ملموسة، فكل يوم تأخير يعني مزيداً من المعاناة، ومزيداً من الطفولة المهددة، ومزيداً من الأمل المؤجل؟ هذا التقرير ليس خاتمة للقصة، بل بداية لواجبٍ أخلاقي متجدد: أن نرى، وأن نعترف، وأن نتحرك؟
بين الجوع والخوف: حياة اللاجئين في معسكرات جنوب السودان
مقالات ذات صلة

