بقلم: مازن أبو الحسن …
في غابة العالم الكبير، لا تُدار الصراعات دائمًا بالمخالب. أحيانًا تُدار بالأوسمة، بالكؤوس اللامعة، وبخطبٍ عن «السلام» تُلقى فوق ركامٍ لم يبرد بعد.
-الأسد ووسام الاستقرار
حين ارتفع صراخ الغابة من الدم والخراب، قرر الأسد ألا يخرج بمخالبه العارية، بل بنداءٍ عن «السلام». جمع الحيوانات، رفع وسامًا ذهبيًا، وقال: «هذا لمن يخدم الاستقرار».
لم يُمنح الوسام لمن أوقف الافتراس، بل لمن أقنع الآخرين بأنه ضرورة. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السلام يعني غياب العنف، بل كيفية تسويقه.
قال البوم: «الأسد حكيم».
وقال الجوعى: «لكن الغابة تحترق».
فكان الجواب الجاهز: «الحكمة تحتاج وقتًا».
-الطاووس وكأس السلام
وفي موسم الاحتفالات الكبرى، أُقيم المهرجان الكبير الذي يتكرر كل أربعة أعوام. نُصبت الأعلام، ودُعي الطاووس ليتوسط الساحة. هناك وُضع كأس لامع قيل إنه «كأس السلام».
نظر الطاووس إلى صورته المنعكسة، فانتفش ريشه. لم يسأل من صنع الكأس، ولا لماذا صُمم على مقاسه، ولا عمّن غابوا عن الحفل.
ضحك الثعلب هامسًا:
«حين ينشغل القطيع بالتصفيق، لا يسمع صرير المخالب».
-الثور المتمرّد ومرعى العدالة
في أطراف الغابة، عاش ثور متمرّد يملك مرعى واسعًا وماءً لا ينضب. وصلته رسائل ناعمة: «نريد فقط العدالة… لا أكثر». قيل له إن المحكمة في عرين الأسد عادلة. لم يقتنع.
فجأة، صارت التهمة «واضحة»، رغم غياب الدليل. وفي الليل، قُيّدت قدماه وسُحب بعيدًا. أعلن الأسد بعدها: «سندير المرعى مؤقتًا… حتى يستتب النظام».
فهمت الحيوانات متأخرة أن العدالة كانت الوسيلة، أما المرعى فكان الغاية.
-غابة لا تتعلّم
همست سلحفاة عجوز: «ألم يحدث هذا من قبل؟»
تذكرت ممرّ الماء الضيّق، حين قُدِّم العبور القسري كضرورة لحماية التجارة، فاستُبيح المكان باسم الأمن.
تذكرت أرض النخيل المحاصَرة، حين اختبأت الحرب خلف روايات ملفّقة، وسُوِّق الدمار على أنه تحرير.
تذكرت سهل الغزلان المفتوح، حين رُفعت راية الحماية، فانهار السهل، وتكاثرت المخالب، وغاب السلام.
في كل مرة تغيّرت الحكاية، وبقي الدمار.
-القوانين حين تُفسَّر من الأعلى
وقف البوم، يتلو نصوص القانون: «هذا حق، وهذا عدل، وهذا تدخل مشروع».
سألته العصافير: «ولماذا لا تُطبّق القوانين على الأسد؟»
هز جناحيه مجيبًا: «القانون لا يُخاطب من يحمله».
-خاتمة: السلام ليس زينة
قال حكيم بلا مخلب ولا جناح:
«السلام الذي يُمنح كوسام ليس سلامًا، والكأس المصنوع لإرضاء الغرور ليس شرفًا، والعدالة التي تسير في اتجاه واحد ليست عدلًا».
الغابة لا تُنقذها الاحتفالات، ولا البيانات، ولا الجوائز. ما يُنقذها هو الوعي حين يرفض الخلط بين القوة والشرعية، وبين السلام الحقيقي وقانون الغاب.
-أسئلة مفتوحة
هل يأتي يوم يُحاسَب فيه الأسد كما غيره؟
هل يُكسَر الكأس اللامع أم يظل يُمرَّر من طاووس إلى آخر؟
وهل ستظل الثيران تصدّق دعوات العدالة القادمة من العرين؟
أم تكتب الغابة حكايتها بنفسها، دون راوٍ مُزيّف؟
مازن أبو الحسن
الدوحة – قطر
8 يناير 2026

