بقلم: المبعوث الأميركي السابق دونالد بوث والباحثة أريج الحاج
أكد المبعوث الأميركي السابق إلى السودان دونالد بوث والباحثة أريج الحاج أن إنهاء الصراع الدامي في السودان بات مرهونًا بـ قيادة أميركية حاسمة ومباشرة، قادرة على معالجة الخلافات المتفاقمة بين أعضاء «الرباعية» الدولية، وتحييد الأطراف المعرقلة، وضمان أن يكون المدنيون السودانيون – وليس الفصائل المسلحة فقط – هم من يحددون مستقبل بلادهم.
وأوضح الكاتبان، في مقال تحليلي، أن تعقيد الأزمة السودانية لم يعد نابعًا من الداخل فقط، بل تفاقم بفعل انقسامات إقليمية عميقة داخل «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، لا سيما الخلاف المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، وتباين أولوياتهما في اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما انعكس سلبًا على جهود التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام في السودان.
وأشار المقال إلى أن الولايات المتحدة أعادت، خلال العام الماضي، تنشيط مسار الوساطة عبر «الرباعية»، وأصدرت بيانًا مشتركًا في سبتمبر دعا إلى هدنة إنسانية لثلاثة أشهر يعقبها انتقال سياسي، غير أن المبادرة تعثرت سريعًا بسبب الخلافات الجوهرية بين أطراف التكتل، رغم اتفاقهم الظاهري على مبادئ عامة، من بينها الحد من النفوذ الإيراني في السودان.
وبيّن الكاتبان أن الإمارات تتبنى موقفًا صارمًا يرفض أي دور سياسي للإسلاميين في السودان، بينما ترى السعودية ومصر أن هذه المسألة يمكن احتواؤها لاحقًا، مع إعطاء أولوية للإبقاء على القوات المسلحة السودانية في موقع السلطة. ولفت المقال إلى أن مخاوف الرياض تتركز على أمن حدودها الغربية وتنامي النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر، في حين تضع القاهرة أمن مياه النيل وهواجس انتقال عدوى الحكم المدني الديمقراطي إلى الداخل المصري في صدارة أولوياتها.
وحذّر المقال من أن الرهان على الحسم العسكري عبر دعم أحد أطراف الصراع على حساب الآخر يمثل طرحًا مضللًا، مؤكدًا أن هذا النهج لن يحقق سلامًا أو استقرارًا دائمين، بل سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام. وشدد على أن الحل المستدام يتطلب انخراطًا أميركيًا مكثفًا وعلى أعلى المستويات السياسية.
واقترح الكاتبان مسارًا ثلاثي المراحل يبدأ بتوحيد مواقف «الرباعية» عبر تفاهمات واضحة حول المصالح المتنافسة، ثم استخدام نفوذها المشترك للضغط على دول الجوار التي تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغذية الحرب، وصولًا إلى الدعوة لعقد اجتماع وطني سوداني واسع يضم مختلف الفصائل والقوى السياسية والمجتمعية للتوافق على بنية حكم جديدة.
وأكد المقال أن تجاوز الخلافات بين السعودية والإمارات ومصر يستدعي تدخلًا رئاسيًا مباشرًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن قمة لقادة «الرباعية» على غرار قمة كامب ديفيد قد تكون السبيل الأسرع لكسر الجمود، وحشد الإرادة السياسية اللازمة لإجراء مقايضات حقيقية تخدم الاستقرار الإقليمي.
كما شدد الكاتبان على أهمية تغيير تردد القاهرة تجاه الحكم المدني في السودان، عبر التأكيد على أن دعم حكومة عسكرية غير شعبية لن يحقق استقرارًا دائمًا على الحدود الجنوبية لمصر، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يعيد إنتاج نموذج حكم عسكري–إسلامي شبيه بنظام عمر البشير.
وفي ما يتعلق بدول الجوار، أوضح المقال أن معظم خطوط إمداد المقاتلين تمر عبر دول محيطة بالسودان، وأن «رباعية» موحّدة يمكنها تعديل حسابات هذه الدول، مستفيدة من نفوذ الإمارات في إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، ونفوذ مصر في إريتريا وليبيا.
وختم الكاتبان بالتأكيد على أن أي مبادرة دبلوماسية ناجحة يجب أن تُشرك طيفًا واسعًا من السودانيين، يشمل القوى المدنية، ولجان المقاومة، والزعامات المحلية والقبلية، وليس الاكتفاء بالفصائل المسلحة، داعين إلى مؤتمر شامل برعاية أميركية على غرار اتفاق دايتون، يفضي إلى إطار توافقي لحكم السودان.
واعتبر المقال أن القيادة الأميركية الحاسمة ليست فقط مفتاح إنهاء الحرب في السودان، بل مدخلًا لتخفيف واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتقليص نفوذ المتطرفين، وتعزيز المصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

