الدوحة التي لم تتأخر يومًا في دعمها للأيديولوجيا، شيعية كانت أم سنية، ظلّت توظّف هذه التيارات كأداة تأثير في مواجهة محيطها الخليجي وبعض الدول العربية.
فقطر، البلد الصغير الذي يسعى إلى تضخيم دوره عبر رعاية التناقضات، جرى تصميمه كنموذج لدولة ذات طموح يتجاوز حجمها.
ولعل الدوحة، التي راهنت طويلًا على إدارة التناقضات، خرجت عن الإجماع الخليجي نتيجة تقاربها الأيديولوجي مع تيارات إقصائية، حتى بلغ الأمر حدّ تقديم دعم مادي واضح، إلى جانب احتضان العديد من رموز تلك التيارات. وزاد الأمر تعقيدًا أن منبر قناة الجزيرة ظلّ يضم عناصر محسوبة على جماعة الإخوان من الإعلاميين الذين ينسجمون مع التوجّه السياسي للدوحة.
والمفارقة الأكبر أن قطر، في بنيتها الداخلية ومجتمعها، لا تتيح أي مساحة لممارسة هذا النهج الأيديولوجي داخلها، وهذا ليس أدوات قمع بقدر ما هو وعي داخلي من الشعب الذي ينبذ حركات التطرف التي لا تفضي إلا إلى تمزيق الداخل والخارج.
والدوحة استطاعت بالمال أن توظّف تلك التنظيمات الإرهابية في إطار حسابات النفوذ والعلاقات الدولية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما ظهر مؤخرًا، وقبيل التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني في المنطقة، حين كانت الدوحة تصف النظام الإيراني بـ“الشقيق”، في تقارب تجاوز حدود المصالح التقليدية.
لكن الرد جاء سريعًا، مؤكّدًا ما ذهبت إليه بقية دول الخليج في قراءتها لطبيعة النظام الإيراني، الذي لم يتردد في توجيه ضربات بالصواريخ والمسيّرات حتى نحو الدوحة نفسها.
وهنا تتكشف الحقيقة الصادمة:
أن من يبني سياساته على التناقضات، لا بد أن يدفع ثمنها يومًا ما. فالمراهنة على التوازنات الهشّة قد تمنح مكاسب مؤقتة، لكنها تحمل في طيّاتها عوامل الانفجار.
لقد ظنت الدوحة أنها قادرة على الجمع بين أدوار متناقضة: حليفًا ووسيطًا وممرًا لجميع الأطراف، لكنها أغفلت قاعدة أساسية في السياسة: أن التناقضات لا تُدار إلى ما لا نهاية، بل تنقلب على من يحاول توظيفها.
إن ما حدث ليس مجرد واقعة عابرة، بل رسالة استراتيجية واضحة: أن الأنظمة العقائدية، وعلى رأسها نظام طهران، لا تبني علاقاتها على ثوابت، بل على مصالح آنية، ولا ترى في “الأخوة” إلا مرحلة مؤقتة. وطهران، تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، لدول المنطقة عدو حقيقي، ونماذج زرع الشقاق في لبنان وسوريا والعراق واليمن على حساب أوطانهم ماثلة الآن.
ولعل أي نهاية لهذه الحرب دون نهاية هذا نظام الملالي الإرهابي، الذي يطلق النار على شعبه ويعتدي على جيرانه، تُعدّ هزيمة لكل المنطقة. وعلى كل من يخلط عداءه لإسرائيل بمباركة الاعتداء على دول الخليج، التي طالما دعمت كل أشقائها العرب، أن يحكم عقله.
وبالعودة إلى الدوحة، فإنها لم تكتفِ بالرهان الخارجي، بل ساهمت في تعقيد أزمات داخلية في عدد من الدول عبر دعم تيارات أيديولوجية، ما جعلها في نظر كثيرين طرفًا في الأزمة لا وسيطًا للحل.
فهل وعى الديوان الأميري الدرس؟
أم أنه سيواصل ذات النهج، متجاهلا أن الإقليم لم يعد يحتمل مزيدًا من السياسات القائمة على التناقضات؟
نعم، هنالك خطأ استراتيجي وقعت فيه دول الخليج عامة في الماضي، وهي ترى أن إيران في عملية تسليح مستمر، ووصل بها الأمر إلى انتزاع موافقة واشنطن في عهد أوباما على السماح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم والدخول في قائمة الدول النووية. وهذا تهديد مباشر للجيران في المقام الأول، وربما ثانويًا يتجه إلى إسرائيل، وهذا مستبعد، فطهران ترى في العرب عدوها الأول، والأمر عندها مرتبط بطموحات فارسية وأيديولوجية شيعية
وفوق كل ذلك، فالمرحلة القادمة لن تشبه ما سبقها؛ فالتوازنات تغيّرت، والرسائل باتت أكثر وضوحًا وحدّة. ومن لا يعيد حساباته اليوم، قد يجد نفسه خارج المعادلة غدًا.
وفي عالم يُعاد تشكيله بالقوة لا بالشعارات، لن يكون هناك مكان للمواقف الرمادية، بل اصطفافات حادة وخيارات مكلفة وحقائق لا يمكن تجاهلها.
واخير فلتعد الدوحة إلى بيتها الخليجي وتفيق مسقط من غيوبتها وتترك السعودية التزاكي على اشقائها
وليبحث الخليج اليوم، قبل الغد، عن كيفية بناء ترسانته النووية، فالعدو لن يسكت ولن يصمت، ولن يترك دولًا أصبحت قبلة لكل العالم أن تستقر.
فهذه الحرب الدائرة الآن يمكن أن تكون تحت عنوان: الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية على دول الخليج وهو تهديد مستمر .

