الأربعاء, يناير 7, 2026
الرئيسيةمقالاتد .التوم حاج الصافي يكتب :الرصاصة الأولى .

د .التوم حاج الصافي يكتب :الرصاصة الأولى .

أخطر ما في سردية الكيزان اليوم أنها لا تكذب مباشرة، بل تخلط نصف الحقيقة بكامل الخديعة. لا تقول إنها أشعلت الحرب، بل تقول إنها “تدافع عن الدولة”. لا تعلن مصلحتها، بل تتحدث عن “الخطر الوجودي”. وهنا مكمن الخداع: تحويل الجريمة إلى ضرورة، والمصلحة إلى قدر، والفاعل إلى ضحية.
لو سألنا سؤالًا بسيطًا: من الذي يخسر السلام؟ سنصل فورًا إلى الجواب الحقيقي عن من الذي يستفيد من الحرب. فالحرب، في منطق السياسة، ليست عاطفة، بل استثمار. والكيزان هم الفصيل الوحيد الذي يملك ما يخسره فور توقفها.
السلام يعني دولة.
والدولة تعني قانونًا.
والقانون يعني محاسبة.
وهذا هو الكابوس الحقيقي للتنظيم.
الكيزان لا يخافون من خصومهم السياسيين، بل من الأرشيف. من الملفات. من الأسئلة المؤجلة: كيف تم التمكين؟ من أين جاءت الثروات؟ من أمر بالقتل؟ من غطّى التعذيب؟ من سيطر على الأجهزة؟ لذلك فالحرب، بالنسبة لهم، ليست فشلًا، بل أفضل وضع ممكن: فوضى بلا مساءلة، دم بلا حساب، وطن بلا ذاكرة.
سرديتهم تقوم على ثلاث ركائز كاذبة:
الأولى: أن الحرب فُرضت عليهم.
والحقيقة أن كل الوقائع تقول إنهم عملوا لسنوات على تفخيخ الدولة، بإبقاء الجيش غير مهني، والأمن مسيّسًا، والعدالة مُعطّلة. دولة مفخخة لا تنفجر صدفة، بل عند أول تهديد لمصالح من زرع المتفجرات.
الثانية: أنهم حماة الجيش.
بينما هم في الواقع أكبر من أضعفه. جيش مهني محايد يعني نهاية دورهم، لذلك سعوا دائمًا لجيش تابع، لا دولة حامية. هم لا يريدون مؤسسة قوية، بل أداة طيّعة. وعندما خرجت الأداة عن السيطرة، لم يترددوا في إحراق البلد بدل إعادة بناء الدولة.
الثالثة: أن الحرب ضرورة لمنع “الأسوأ”.
لكن الأسوأ بالنسبة لمن؟
بالنسبة للشعب، لا شيء أسوأ من الحرب.
أما بالنسبة للكيزان، فالأسوأ هو السلام.
منطق المصالح هنا فاضح:
– في الحرب تختفي الوثائق.
– في الحرب تتوقف العدالة.
– في الحرب يُعاد تدوير الوجوه نفسها تحت مسميات أمنية.
– في الحرب يُقدَّم القاتل كحارس، والسارق كوطني، والفاسد كضرورة مرحلية.
الحرب تمنحهم الزمن، والزمن هو ما يحتاجه كل تنظيم مأزوم ليعيد ترتيب أوراقه، ويغسل سمعته، ويبتز المجتمع بالخوف. لذلك يطيلون أمدها، لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم محاصرون أخلاقيًا وتاريخيًا.
ولو كانت الحرب فعلًا من أجل الدولة، لكان أول ما يفعلونه هو القبول بدولة مدنية وقانون مستقل. ولو كانت من أجل الجيش، لقبلوا بإبعاده عن السياسة. ولو كانت من أجل الوطن، لقبلوا بالمحاسبة. لكنهم يرفضون كل ذلك، لأن سقوط امتيازاتهم أهم عندهم من بقاء السودان نفسه.
الخلاصة المنطقية التي لا تحتاج إلى شعار:
الكيزان لم يشعلوا الحرب لأنهم يكرهون السلام كشعار، بل لأن السلام يكشفهم.
واستمرار الحرب ليس صدفة، بل مصلحة.
ومن يستفيد من استمرار الجريمة، هو المسؤول الأول عنها.
هذه ليست قراءة عاطفية، بل استنتاج سياسي بارد:
الفصيل الذي لا يستطيع العيش إلا في الفوضى، هو بالضرورة عدو الدولة، مهما رفع من شعارات، ومهما تزيّا بلباس الوطن أو الدين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات